قصة حب حقيقية 200
وشاح السمر ووهج عينين
بقلم فاطمة النجار
في قلب القاهرة النابض بالحياة، وبين أزقةٍ تحمل عبق التاريخ، كانت "سلمى" تعيش حياتها الهادئة، ولكنها لم تكن مجرد فتاةٍ عادية. في العشرين من عمرها، كانت تمتلك روحاً جريئةً وقلباً لا يخشى المغامرة. عاشت في حي الجمالية العتيق، حيث تتجاور البيوت المتلاصقة، وتتداخل روائح البخور والبهارات. سلمى، بشعرها الأسود الطويل، الذي غالباً ما تلفه بوشاحٍ ملونٍ ينم عن ذوقها الخاص، وعينيها اللوزيتين الواسعتين، اللتين تحملان لمعةً ذكيةً وشريرة، كانت تمتلك سحراً خاصاً يجذب من حولها.
في ذلك الظهيرة، كانت سلمى تعمل في ورشة عمها، الذي كان يعمل كصائغٍ للفضة. لم يكن العمل مجرد حرفةٍ، بل كان فناً تتناقله الأجيال. كانت سلمى تساعده في تصميم القطع، وتلميعها، وبيعها. كان الصخب والضجيج حولها، صوت المطرقة وهي تدق على المعدن، وصوت العمال المتنافسين، ولكنها كانت تجد في هذا كله إيقاعاً ممتعاً.
"سلمى! يا سلمى! تعالي انظري إلى هذه التحفة"، نادى عمها، "الحاج محمود"، بصوتٍ عالٍ.
اقتربت سلمى، وابتسامةٌ رقيقةٌ ترتسم على وجهها. كان الحاج محمود رجلاً طيباً، لديه خبرةٌ واسعةٌ في صناعة المجوهرات، وكان يحب سلمى كابنته. "ما هذا يا عمي؟"
"انظري إلى هذا العقد، لقد صممته خصيصاً لزبونةٍ مميزة. هل ترين دقة التفاصيل؟"
تأملت سلمى العقد. كان قطعةً فنيةً رائعة، تتكون من خيوطٍ رفيعةٍ من الفضة، مرصعةٍ بأحجارٍ كريمةٍ زرقاء تشبه لون السماء. "إنه رائع يا عمي! لا شك أن زبونتكِ ستعجب به."
"آمل ذلك. هذه القطعة ستكلفها مبلغاً كبيراً، وأتمنى أن تكون قيمةً لمبلغها. بالمناسبة، غداً سيأتي إلينا شابٌ ليرى بعض التصاميم. يقول إنه يبحث عن خاتمٍ لخطبته. يبدو أنه شابٌ جادٌ ومحترم، ووالده معروفٌ عندنا."
"شابٌ للخطوبة؟" رفعت سلمى حاجبيها باستفهام. "هل تعرفه يا عمي؟"
"لا، لم ألتقِ به مباشرةً. لكن والده، الحاج مصطفى، رجلٌ صالحٌ ومشهورٌ بأمانته. قال إن ابنه 'خالد' يرغب في رؤية بعض تصاميمنا."
"خالد..." رددت سلمى الاسم، متسائلةً في سرها. لم يكن لديها اهتمامٌ كبيرٌ بالقصص الرومانسية، أو بالأمور العاطفية. كانت حياتها مليئةً بالعمل، وبأحلامها الخاصة.
في اليوم التالي، كان الحاج محمود قد استعد للقاء. كان قد رتب أفضل التصاميم، وجهز طاولةً في زاوية الورشة. دخل الشاب خالد، برفقة والده. كان شاباً في منتصف العشرينات، طويل القامة، يرتدي ثياباً بسيطةً لكن أنيقة. كان وجهه هادئاً، وذو ملامحٍ جذابة. عندما نظر إليه الحاج محمود، شعر بارتياح.
"مساء الخير يا حاج محمود"، قال خالد بصوتٍ هادئٍ وواضح.
"مساء النور يا بني. أهلاً بك وبوالدك. تفضلا بالجلوس."
جلست سلمى على مقعدٍ قريب، وهي تراقب المشهد بفضول. كانت مهتمةً برؤية هذا الشاب، الذي سيختار خاتم الخطوبة. بدأت سلمى تتحدث مع الحاج محمود عن التصاميم، بينما كان خالد ووالده يتفحصونها.
"هذا التصميم جميلٌ جداً"، قال خالد، وهو يشير إلى خاتمٍ فضيٍ مطعمٍ بحجرٍ صغيرٍ من الياقوت الأحمر. "ولكن، ألا يوجد شيءٌ بسيطٌ أكثر؟"
"بالتأكيد يا بني. لدينا الكثير من التصاميم البسيطة. ما رأيك في هذا؟" أشار الحاج محمود إلى خاتمٍ آخر، كان بسيطاً وأنيقاً، مصنوعاً من الفضة الخالصة، بتصميمٍ دائريٍ انسيابي.
نظر خالد إلى الخاتم، ثم إلى سلمى التي كانت تراقبه. التقت عيناهما للحظة. كان لعينيه بريقٌ خاص، فيه دفءٌ وهدوء. شعرت سلمى بشيءٍ غريب. لم يكن انجذاباً قوياً، بل كان مجرد اهتمامٍ مفاجئ.
"هذا أجمل"، قال خالد، ثم نظر إلى سلمى مباشرةً. "هل هذا من تصميمكِ؟"
شعرت سلمى بالدهشة. لم تتوقع أن يسألها. "نعم، هذا من تصميمي."
"إنه عملٌ رائع. أنتِ موهوبةٌ جداً."
احمر وجه سلمى قليلاً. لم تكن معتادةً على تلقي الثناء مباشرةً. "شكراً جزيلاً لك."
"أنا سعيدٌ لأنني رأيتُ هذا التصميم. إنه يعكس ذوقاً رفيعاً."
استمر النقاش بين الحاج محمود وخالد ووالده، حول التصاميم. كانت سلمى تتجنب النظر إلى خالد، لكنها كانت تشعر بنظراته بين الحين والآخر. شعرت بأن هناك شيئاً ما بينهما، شرارةٌ خفيفةٌ بدأت تتشكل.
عندما حان وقت المغادرة، قال خالد: "شكراً جزيلاً لك يا حاج محمود، ولابنتكِ على التصميم الرائع."
"لا شكر على واجب يا بني. أتمنى أن تجد ما تبحث عنه."
خرج خالد ووالده. بقيت سلمى واقفةً في مكانها، وهي تتأمل ما حدث. هل كانت مجرد صدفة؟ أم أن هذا اللقاء كان بدايةً لشيءٍ آخر؟
في الأيام التالية، كان الحاج محمود يتحدث كثيراً عن خالد. يبدو أنه أعجب بالورقة التي اختارتها سلمى. "لقد اختار نفس الخاتم الذي أعجبكِ يا سلمى. قال إنه يعكس بساطةً وأناقةً تليق بالعروس."
كانت سلمى تسمع بابتسامة. كانت تشعر بأن هناك شيئاً ما قد تغير. نظرات خالد، كلماته، كلها تركت أثراً في نفسها.
بعد أسبوع، عاد خالد إلى الورشة، ولكن هذه المرة، لم يكن معه والده. كان بمفرده.
"مساء الخير يا حاج محمود"، قال خالد، وهو ينظر حوله.
"مساء النور يا بني. كيف حالك؟"
"بخير الحمد لله. لقد أتيت لأرى بعض التصاميم الأخرى. خطيبتي أعجبت جداً بالخاتم الذي اخترناه، وأريد أن أرى إذا كان هناك أي شيءٍ آخر قد يعجبها."
علمت سلمى أن خالد يتحدث عن "خطيبته" الحقيقية، وليس عن سلمى. شعرت بخيبة أملٍ مفاجئة. هل كانت تتمنى أن يكون هو من سيخطب؟ هل بدأت تتجاوز حدود المعقول؟
"تفضلا بالجلوس يا بني. تفضل"، قال الحاج محمود، وأشار إلى مكانٍ قريبٍ من حيث كانت سلمى تعمل.
جلست سلمى، وهي تحاول أن تخفي شعورها. بدأت تتحدث مع الحاج محمود عن التصاميم، وعرضت على خالد بعض الأفكار الجديدة.
"هذا التصميم يبدو أنيقاً جداً"، قال خالد، وهو ينظر إلى رسمةٍ جديدة. "هل هذا من تصميمكِ؟"
"نعم، لقد بدأت به اليوم."
"إنه جميل. حقاً، أنتِ تتمتعين بموهبةٍ كبيرة."
في هذه اللحظة، شعر خالد بشيءٍ غريب. شعر بأن سلمى ليست مجرد عاملةٍ في الورشة، بل إنها تمتلك روحاً فنيةً فريدة. "هل أنتِ فنانة؟" سألها.
"أنا أعمل هنا، وأساعد عمي في التصميم."
"ولكن، يبدو أن لديكِ شغفاً بهذا العمل. وأنا أحترم الشغف."
نظرت سلمى إلى خالد، ورأت في عينيه شيئاً لم تره من قبل. لم يكن مجرد شابٍ يبحث عن خاتمٍ لخطيبته. كان فيه شيءٌ أعمق، شيءٌ يجعلها تشعر بأنها ليست مجرد فتاةٍ تبيع المجوهرات.
"أتمنى لكَ كل التوفيق في خطبتك"، قالت سلمى بصوتٍ هادئ.
ابتسم خالد وقال: "شكراً جزيلاً لكِ. أتمنى أن تكون السعادة حليفكِ دائماً."
غادر خالد الورشة، تاركاً سلمى في دوامةٍ من المشاعر المتضاربة. كانت تعلم أنه مخطوب، ولكن شيئاً ما بداخلها كان يتمنى لو أن اللقاء بينهما كان له قصةٌ أخرى. قصةٌ تحمل وشاح السمر، ووهج عينين.