قصة حب حقيقية 200

لُعبةُ الهوى الخَفيّة

بقلم فاطمة النجار

كانت نسماتُ المساءِ العليلِ تلفحُ وجهَ "أنس" وهو يقفُ على شرفةِ منزلِ والدهِ المطلّةِ على حديقةٍ غنّاء، تتراقصُ فيها أضواءُ الفوانيسِ المعلقةِ بينَ أغصانِ الشجرِ كنجومٍ زمردية. لكنّ روحهُ كانتْ معتمةً، تغشاها سحبٌ كثيفةٌ من الهمومِ والأسى. في يدِهِ اليسرى، كانَ يمسكُ بكوبِ قهوةٍ باردةٍ، وفي اليمنى، يداعبُ هاتفَهُ الذكيّ، لا يرفعُ عينيهِ عنه، كأنّهُ نبراسُ حياتهِ الوحيد.

لم يكنْ "أنس" مجردَ شابٍّ يعاني من بعضِ الضغوطِ الحياتية. لقدْ استسلمَ لِـ "إدمانٍ" خفيّ، دقيقٌ في ظاهرهِ، لكنّهُ استشرى في عروقِهِ كالسمّ. إنّهُ الإدمانُ على مواقعِ التواصلِ الاجتماعي، على "العالمِ الافتراضيّ" الذي سرقَ منهُ بريقَ الواقع. كانَ يقضي ساعاتٍ طويلةً، تلتهمُ من وقتِهِ أغلى ما فيه، يتصفحُ صورَ حياةٍ زائفةٍ، وقصصَ نجاحٍ وهمية، وتعليقاتٍ غالباً ما تكونُ جوفاء.

في الآونةِ الأخيرة، تفاقمتْ هذهِ الحالة. منذُ لقائهِ بـ "ليلى" في ذلكَ اليومِ المشهود، تضاعفتْ مشاعرُ القلقِ والاضطرابِ لديه. كلّما تذكّرَ وجهَها الملائكيّ، وابتسامتَها الهادئة، وكلماتَها الرصينة، شعرَ بِـ "فراغٍ" هائلٍ في حياتِهِ، فراغٍ كانَ يحاولُ ملأهُ بِـ "الضجيجِ الرقميّ" المتواصل. كانَ يخشى أنْ تكتشفَ "ليلى" حقيقتَهُ، أنْ ترى خلفَ قناعِ الشابِ الواثقِ من نفسهِ الذي يحاولُ جاهداً أنْ يبدوهُ لها، رجلاً تعيشُ روحُهُ في "عالمٍ موازٍ"، عالمٍ لا وجودَ فيهِ لِـ "حبٍّ حقيقيّ" أو "ارتباطٍ عميق".

"أنس!" نادى صوتٌ حنونٌ، قاطعاً شرودَهُ. إنّها والدتُهُ، السيدةُ "فاطمة"، بابتسامتِها الدافئةِ التي كانتْ دوماً كبلسمٍ على جراحِهِ.

"يا أمي، هلْ منْ جديد؟" سألَ وهو يحاولُ أنْ يبدوَ طبيعياً، لكنّ نبرةَ صوتِهِ كانتْ تحملُ شيئاً منَ الإرهاق.

"لا شيءَ يا بني، فقطْ أردتُ أنْ أطمئنَ عليك. تبدو شاردَ الذهنِ هذهِ الأيام." قالتْ وهي تقتربُ منهُ، تضعُ يدَها الحنونةَ على كتفِهِ.

"لا شيءَ يا أمي، مجردُ بعضُ العملِ الشاق." ردّ، يدركُ جيداً كمْ هيَ بعيدةٌ هذهِ الكلماتُ عنْ الحقيقة.

"هلْ أنتَ متأكدٌ؟ تبدو شاحباً. ألا تفكرُ في الذهابِ إلى طبيب؟" سألتْ بقلق.

"لا، لا، أنا بخير. فقطْ بعضُ السهرِ المتواصل." حاولَ أنْ يطمئنَها، لكنّ نظراتِها الثاقبةَ لمْ تكنْ لتنطلي عليها الأعذارُ الواهية.

"أنس، أنتَ تعرفُ أنني لا أفهمُ كثيراً في أمورِ هذهِ الأجهزةِ الإلكترونية، لكنني أرى كيفَ تجلسُ عليها لساعاتٍ طويلة. هذا ليسَ صحياً. تذكرْ ما قالهُ لنا سماحةُ الشيخِ في خطبةِ الجمعةِ الماضيةِ عنْ خطورةِ الانعزالِ والابتعادِ عنِ الواقع." قالتْ بهدوء، لكنّ كلماتِها كانتْ تحملُ ثقلَ الخبرةِ والنصحِ الأبوي.

شعرَ "أنس" بِـ "وخزٍ" في ضميرِهِ. كانَ يعلمُ أنْ والدتَهُ على حق. لقدْ أصبحَ أسيرَ عالمهِ الافتراضيّ، سجينَ "التمريرِ اللا نهائيّ" و"الإشعاراتِ المزعجة".

"أعلمُ يا أمي. سأحاولُ التقليلَ منْ استخدامِها." وعدَ، لكنّ الوعدَ بدا جوفياً حتى لهُ.

"حاولْ يا بني. الحياةُ أجملُ منْ مجردِ صورٍ ومعلوماتٍ متداولة. تذكرْ "ليلى". إنّها فتاةٌ رائعةٌ، تستحقُّ رجلاً حاضراً بكلِّ كيانِهِ. ولا تنسَ أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى خلقَ لنا كلَّ هذهِ النعمِ لنستمتعَ بها في الواقع، لا لنراها عبرَ شاشةٍ زجاجية." قالتْ، ثمّ ابتسمتْ لهُ ابتسامةً دفعتْهُ إلى التفكيرِ العميق.

بعدَ أنْ غادرتْ والدتُهُ، عادَ "أنس" إلى هاتفِهِ. لمْ يستطعْ أنْ يقاومَ.فتحَ تطبيقَ "إنستغرام"، وبدأَ يتصفحُ صورَ "ليلى" الجديدة. كانتْ صورةٌ لها وهي تقفُ بجانبِ شجرةِ زيتونٍ عتيقة، عيناها تشعّانِ بـ "البراءةِ والصفاءِ"، وابتسامتُها تحملُ "سحرَ الطبيعةِ الخلّابة". شعرَ بِـ "جذبٍ" غريبٍ نحوها، انجذابٌ أعمقُ وأكثرُ صدقاً منْ أيّ شيءٍ شعرَ بهِ في عالمهِ الافتراضيّ.

لكنّ هذهِ المشاعرَ الجديدةَ لمْ تخففْ منْ قلقِهِ، بلْ زادتهُ تعقيداً. كانَ يخشى أنْ يفسدَ كلَّ شيءٍ بـ "ضعفِهِ". كانَ يخشى أنْ يرى "ليلى" على حقيقتِهِ، رجلاً مشتتاً، غارقاً في بحرٍ منْ "السطحيةِ الرقمية".

في إحدى الليالي، وبينما كانَ يتصفحُ بصمتٍ، وقعَ بصرُهُ على صورةٍ لشابٍّ يبدو عليهِ "الثراءُ والجاه"، يقفُ بجانبِ "ليلى" في مناسبةٍ عائلية. تعليقٌ بسيطٌ أسفلَ الصورةِ قالَ: "معَ غاليتي ليلى في حفلِ خطوبةِ ابنِ عمّي."

تجمدَ الدمُ في عروقِ "أنس". هلْ هيَ مخطوبةٌ؟ لماذا لمْ يخبرهُ أحد؟ هذهِ الفتاةُ التي استحوذتْ على تفكيرِهِ، تلكَ الشرارةُ التي أشعلتْ في قلبِهِ أملاً جديداً، هلْ كانتْ مجردَ وهم؟

اشتعلَ في داخلِهِ "لهيبٌ" منْ "الغضبِ والغيرةِ". لمْ يكنْ يفهمُ سببَ ردةِ فعلِهِ هذه. لقدْ اعتقدَ أنّهُ لمْ يكنْ يسعى لشيءٍ رسميّ معها، لكنّ رؤيةَ هذا المشهدِ أثارتْ فيهِ "مشاعرَ" لمْ يكنْ يتوقعها.

عادَ يتصفحُ صورَها بعينينِ زائغتين، يبحثُ عنْ أيّ دليلٍ يؤكدُ أو ينفي. لمْ يجدْ شيئاً ملموساً، لكنّ الشكَّ قدْ بدأَ ينهشُ في روحِهِ. هلْ كانَ يحلمُ؟ هلْ كانَ يبالغُ في تقديرِ مشاعرِهِ نحوها؟

في تلكَ اللحظة، قررَ "أنس" أنْ يغيرَ مسارَ حياتِهِ. لمْ يعدْ بإمكانِهِ الاستمرارُ في هذهِ الحياةِ المزدوجة. إمّا أنْ يواجهَ "واقعَهُ" بكلِّ ما فيهِ منْ آلامٍ وأحلام، أوْ أنْ يغرقَ أكثرَ فأكثرَ في "ضبابِ العالمِ الافتراضيّ".

لكنّ القرارَ لمْ يكنْ سهلاً. لقدْ أصبحَ "إدمانُهُ" أقوى منْ إرادتِهِ. هلْ سيستطيعُ التخلصَ منْ هذهِ "القيودِ الرقمية" التي تكبلُ روحَهُ؟ وهلْ سيمتلكُ الشجاعةَ لمواجهةِ "حقيقةِ" مشاعرهِ نحو "ليلى"؟

نظرَ مرةً أخرى إلى صورةِ "ليلى" بجانبِ الشجرةِ العتيقة. في تلكَ اللحظة، بدا لهُ أنَّ عينيها تسألانِهُ: "أينَ أنتَ يا أنس؟"

شعرَ بِـ "ثقلٍ" في صدرِهِ، ثقلٌ لمْ تكنْ فيهِ قهوةٌ باردةٌ أوْ إشعاراتٌ وهمية. كانَ ثقلَ "المستقبلِ المجهولِ"، وثقلَ "الحبِّ المحتملِ"، وثقلَ "الخوفِ منْ الضياع".

قررَ "أنس" أنْ يبدأَ فوراً. أغلقَ كلَّ التطبيقاتِ التي لا تعنيه، وأبقى فقطْ تطبيقَ "الواتساب" للتواصلِ معَ عائلتهِ وأصدقائهِ المقربين. ثمّ وضعَ الهاتفَ جانباً، وبدأَ بالبحثِ عنْ رقمِ "الدكتورِ النفسيّ" الذي نصحتْهُ بهِ والدتُهُ قبلَ فترة. كانتْ الخطوةُ الأولى، ربما، نحوَ "استعادةِ الذاتِ" و"الحياةِ الحقيقية". لكنّ شبحَ "ليلى" والشكَّ حولَ خطبتِها كانا لا يزالانِ يلقيانِ بظلالِهما على قرارهِ، مما يزيدُ منْ تعقيدِ "لعبةِ الهوى الخفية" التي بدأتْ تتكشفُ خيوطُها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%