النجوم والأرض الجزء الثالث

غيومٌ في سماء الوعد

بقلم بلال الصادق

كانت نسماتُ الليلِ تداعبُ أوراقَ النخيلِ المتمايلةَ على ضفافِ النهرِ، حاملةً معها عبيرَ الياسمينِ الذي يعبقُ في فناءِ القصرِ. في غرفةِ "ليلى"، وبينما كانتْ تُرتّبُ أوراقَ البحثِ التي تخصّ رحلةَ "أنسٍ" إلى مجرّةِ "القوسِ"، شعرتْ بأنّ ثقلاً ما قد استقرّ على صدرِها. لم يكنْ ثقلَ القلقِ المعهودِ الذي ينتابُها كلّما غابَ "أنسٌ" أياماً طويلةً في مهماتِ استكشافٍ بعيدة، بل كانَ شيئاً أعمق، شعوراً غريباً بالاضطرابِ يختلطُ فيهِ الحنينُ بالخشية.

تلاشتْ صورُ المجراتِ البعيدةِ عن شاشةِ الحاسوبِ العاكسةِ، واستبدلتْ بصورةِ وجهِ "أنسٍ" المتعبِ لكنّ المشعّ ببريقِ الشغفِ وهو يصفُ لها ما رآهُ من عجائبَ لم ترها عينٌ بشريةٌ من قبل. كانتْ تفتقدُ صوتهُ العميقَ الذي يروي لها قصصَ النجومِ، وتفتقدُ دفءَ يدهِ التي كانتْ تمسكُ بيدِها بكلّ حبٍّ واطمئنان. ولكنْ، منذُ عودتهِ الأخيرِ، كانَ هناكَ حاجزٌ غيرُ مرئيٌّ يبتعدُ بها عنه. لم يكنْ ذلكَ بسببِ فتورٍ في الحبّ، بل كانَ بسببِ أسرارٍ جديدةٍ يحملُها على جناحيهِ، أسرارٌ لا تبوحُ بها شفتاهُ، ولا تُشاركُها عيناهُ المنهكتانِ.

قررتْ أنْ تُنهيَ ما بدأتهُ في غرفةِ المكتبةِ، وأدارتْ ظهرَها لشاشةِ الحاسوبِ الضخمةِ، وتوجهتْ نحو نافذةِ الغرفةِ المطلّةِ على حديقةِ القصرِ. كانتْ القمرُ قد اكتملَ بدراً، مُلقياً بضوئهِ الفضيّ على أرجاءِ الحديقةِ، راسماً ظلالاً طويلةً للأشجارِ والزهورِ. أمسكتْ بقلادةٍ فضيةٍ تزينُ عنقَها، كانتْ هديةً من جدّها، تحملُ نقشَ هلالٍ صغيرٍ تحيطُ بهِ سبعةُ نجومٍ. تذكرتْ كيفَ كانتْ جدّتها تُحدّثُها عن هذهِ القلادةِ، وأنّها تحملُ سرّاً قديماً، سرّاً يتعلقُ بعلاقةِ الأجدادِ بالسماءِ.

"ما الذي يشغلُ بالكِ يا ابنتي؟"

جاءَ الصوتُ الحنونُ لوالدتِها، "أمينة"، التي وقفتْ على عتبةِ البابِ، حاملةً صينيةً صغيرةً عليها كوبٌ من الشايِ بالنعناعِ. ابتسمتْ "ليلى" ابتسامةً خفيفةً، وشعرتْ براحةٍ تزحفُ إلى قلبِها كلّما رأتْ والدتَها.

"لا شيءٌ يا أمي، مجردُ تفكيرٍ في أمورٍ بعيدة."

"أعلمُ أنّ 'أنسًا' يشغلُ بالَكِ. لقدْ رأيتُ في عينيهِ بعدَ عودتهِ أمراً لم أعهدهُ من قبل. وكأنّهُ حملَ عبءَ الأرضِ والسماءِ على كتفيهِ."

جلستْ "أمينة" بجوارِ "ليلى" على الكرسيّ المريحِ، ووضعتْ يدَها على يدِ ابنتِها. "الأمرُ ليسَ مجردَ رحلاتٍ استكشافيةٍ يا حبيبتي. هناكَ أمورٌ تتجاوزُ فهمَنا. أنتِ تعرفينَ مدى إخلاصِ 'أنسٍ' لعملهِ، ومدى حبّهِ لنا. لكنْ، أحياناً، تكونُ الأسرارُ ضروريةً لحمايةِ من نحبّ."

"لكنْ، يا أمي، كيفَ أستطيعُ أنْ أتقبلَ غيابَ روحي دونَ أنْ أعرفَ سبباً؟ نحنُ مخطوبانِ، وسنتزوجُ قريباً. أليسَ من حقّي أنْ أشاركَه تفاصيلَ حياتِهِ، خاصةً تلكَ التي تُبقيهِ بعيداً عنّي؟"

"الحبّ يا ابنتي ليسَ فقطْ مشاركةَ الأفراحِ، بلْ هوَ أيضاً مشاركةُ الأحزانِ، وفهمُ الصمتِ. 'أنسٌ' يحبّكِ أكثرَ من أيّ شيءٍ في هذا الوجودِ. وثقتهُ فيكِ كبيرةٌ. ربما، يأتي الوقتُ المناسبُ لتُدركي لماذا يختارُ أنْ يُبقيَ بعضَ الأمورِ دفينةً."

نظرتْ "ليلى" إلى والدتِها، ورأتْ في عينيها حكمةَ السنينِ، وفهماً عميقاً لطبيعةِ الرجالِ. لم تفهمْ تماماً كلماتِ والدتِها، لكنّها شعرتْ بأنّ هناكَ بصيصَ أملٍ، وأنّ الصبرَ قد يكونُ مفتاحَ كلّ شيء.

في تلكَ الليلةِ، وبينما كانتْ "ليلى" تحاولُ أنْ تغفو، لم تستطعْ أنْ تُبعدَ عنْ عقلِها صورةَ "أنسٍ" وعينيهِ الغامضتينِ. هلْ كانتْ تلكَ الأسرارُ هيَ السببُ في التغييرِ الذي طرأَ عليه؟ هلْ كانتْ رحلاتهُ تحملُ في طياتِها ما هوَ أبعدُ منْ استكشافِ كواكبَ جديدة؟

في قصرِ "الرمالِ الذهبيةِ" في قلبِ الصحراءِ، حيثُ تلتقي الأمجادُ بالغموضِ، كانَ "سلطانٌ" ينظرُ إلى نجومِ الليلِ وهيَ تتلألأُ في سماءٍ صافية. كانَ يجلسُ في شرفةِ جناحِهِ، يتأملُ خريطةً قديمةً للنجومِ، وعليها علاماتٌ غريبةٌ لم يفهمْ معناها حتى الآن. وصلهُ تقريرٌ جديدٌ عنْ اختفاءِ إحدى السفنِ الفضائيةِ التابعةِ لـ"وكالةِ الفضاءِ الموحدةِ" في منطقةٍ قريبةٍ منَ "حزامِ الظلامِ" الذي يُحيطُ بمجرّتِهم.

"هلْ هناكَ أيّ أخبارٍ عنْ سفينةِ 'أنسٍ'؟" سألَ "سلطانٌ" بصوتٍ هادئٍ، وعيناهُ مثبتتانِ على الخريطةِ.

"لا يا سيدي، لمْ تصلْ أيّةُ إشارةٍ منذُ خروجهِ." أجابَ "خالدٌ"، كبيرُ حرسِ القصرِ، الذي كانَ يقفُ على بُعدٍ منهُ.

"أتمنى أنْ يكونَ بخير. إنّ 'حزامَ الظلامِ' منطقةٌ خطيرةٌ، مليئةٌ بالألغازِ والمخاطرِ التي لا تُحصى. وما زادَ الطينَ بلةً، هوَ الاختفاءُ المتزايدُ للسفنِ في تلكَ المنطقةِ. إنّ الأمرَ لا يبدو طبيعياً."

"هلْ تعتقدُ يا سيدي أنّ هناكَ علاقةً بينَ اختفاءِ السفينةِ وبينَ الاختفاءاتِ الأخرى؟"

"لديّ شكوكٌ قويةٌ يا 'خالد'. هناكَ شيءٌ ما يحدثُ في الظلامِ، شيءٌ يُحاولُ أنْ يُخفيَ نفسهُ، وأنْ يُخفيَ ما اكتشفهُ 'أنسٌ' ورفاقهُ. لقدْ أشرتْ التقاريرُ الأوليةُ إلى أنّ سفينةَ 'أنسٍ' كانتْ تحملُ شحنةً غامضةً، وأنّها كانتْ في مهمةٍ حساسةٍ."

تنهدَ "سلطانٌ"، ومدّ يدهُ ليُمسكَ بخريطةِ النجومِ، ويُمسحَ عليها بأصابعهِ. "أشعرُ بأنّنا نقفُ على حافةِ اكتشافٍ عظيمٍ، أوْ على شفا كارثةٍ لا يُمكنُ تخيلُها. يجبُ أنْ نبقى يقظينَ، وأنْ نُعدّ أنفسَنا لأيّ احتمال."

كانَ "سلطانٌ" يشعرُ بمسؤوليةٍ كبيرةٍ تجاهَ شعبِهِ، وتجاهَ المستقبلِ الذي يُشكّلُهُ 'أنسٌ' ورفاقهُ. لقدْ رأى في "أنسٍ" شاباً واعداً، يحملُ في قلبِهِ حبّاً حقيقياً للعلمِ، وشجاعةً نادرةً. لكنّ هذهِ الشجاعةَ قدْ تقودهُ إلى مواجهةِ قوى لا يُمكنُ للعقلِ البشريّ استيعابُها.

في زاويةٍ أخرى منَ القصرِ، وبينما كانتْ "فاطمة"، خطيبةُ "سلطانٍ" وأختُ "أنسٍ"، تُحدّثُ والدتَها، "الجوهرة"، عنْ قلقِها على أخيها، شعرتْ بأنّ الأرضَ تهتزُّ من تحتِها. لم يكنْ زلزالاً، بلْ كانَ ارتجاجاً عميقاً في كيانِها.

"يا أمي، قلبي لا يطمئنّ. أشعرُ بأنّ هناكَ شيئاً سيئاً قدْ حدثَ لأخي." قالتْ "فاطمةٌ" بصوتٍ مُرتعشٍ.

"اهدئي يا ابنتي. 'أنسٌ' قويٌّ وشجاعٌ. سوفَ يعودُ إلينا سالماً بإذنِ الله." حاولتْ "الجوهرةُ" أنْ تُهدّئَ من روعِ ابنتِها، لكنّها شعرتْ بنفسِ القلقِ الذي كانَ يُساورُ ابنَتها. كانتْ قدْ رأتْ في عينيّ "سلطانٍ" ذاتَ النظرةِ التي تُشبهُ نظرتَها.

"لكنْ يا أمي، 'سلطانٌ' يبدو قلقاً جداً. هلْ هناكَ شيءٌ لمْ يُخبرونا بهِ؟"

"دعينا نُصلّي يا ابنتي. الدعاءُ هوَ أقوى سلاحٍ لدينا الآن."

وبينما كانَ الليلُ يزدادُ عمقاً، كانتْ السماءُ تشهدُ على تداخلِ الأقدارِ، وعلى بدايةِ فصلٍ جديدٍ منْ حياةِ الأبطالِ، فصلٌ يمتلئُ بالتحدياتِ، وبالأسئلةِ التي لا إجابةَ لها بعد، وبغموضٍ يُخيّمُ على المستقبلِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%