النجوم والأرض الجزء الثالث
همساتُ الماضي في أروقةِ المستقبل
بقلم بلال الصادق
كانَ ضوءُ الشمسِ يتسللُ بخجلٍ عبرَ نوافذِ مختبرِ "أنسٍ" الفسيحِ، مُلقياً بأشعةٍ ذهبيةٍ على الأجهزةِ العلميةِ المعقدةِ، وعلى الشاشاتِ التي تعرضُ رسوماً بيانيةً لمفاهيمَ فلكيةٍ لم تُعرفْ من قبل. وبينما كانَ "أنسٌ" يُدقّقُ في بياناتٍ جديدةٍ وصلتْ منَ "المرصدِ النجميِّ الأقصى"، شعرَ بأنّ ثقلَ المسؤوليةِ يزدادُ يوماً بعدَ يوم. لقدْ عادَ من رحلتهِ الأخيرةِ إلى "مجرةِ القوسِ" محمّلاً بمعلوماتٍ خطيرةٍ، ومعرفٍةٍ تُغيّرُ مسارَ فهمِ البشريةِ للكون.
لمْ يكنْ صمتُ "ليلى" هوَ ما يُقلقهُ، بلْ كانَ صمتُ الكونِ نفسه. كانتْ البياناتُ التي حصلَ عليها تُشيرُ إلى وجودِ تداخلٍ غريبٍ في مجالِ الطاقةِ الخاصِّ بـ"حزامِ الظلامِ"، تداخلٌ لا يُمكنُ تفسيرهُ بالفيزياءِ المعروفة. والأكثرُ إثارةً للقلقِ، هوَ أنّ هذهِ الظاهرةَ بدأتْ تتوسعُ، وتُؤثّرُ على استقرارِ الأقمارِ الصناعيةِ، وعلى أنظمةِ الملاحةِ في السفنِ الفضائيةِ.
"أتمنى لوْ كنتُ أستطيعُ أنْ أُشارككِ كلّ شيءٍ يا 'ليلى'." تمتمَ "أنسٌ" لنفسهِ، وهوَ يُمسكُ بقلادةٍ فضيةٍ تُشبهُ قلادةَ "ليلى"، كانتْ هديتهُ لها. كانتْ هذهِ القلادةُ تحملُ نقشَ الهلالِ والنجومِ، وهيَ رمزٌ قديمٌ لعائلةِ "ليلى"، يُقالُ إنّهُ يحملُ أسراراً دفينةً.
تذكرَ "أنسٌ" حديثاً قديماً معَ جدّ "ليلى" قبلَ وفاته. كانَ الشيخُ "عبدَ الرحمنِ" رجلاً حكيماً، لهُ معرفةٌ واسعةٌ بالعلومِ القديمةِ، وبالأساطيرِ التي تُروى عنْ أجدادِهم. يومَها، سألهُ "أنسٌ" عنْ معنى القلادةِ، وعنْ الأسرارِ التي تُحيطُ بعائلةِ "ليلى".
"يا بنيّ، هذهِ القلادةُ ليستْ مجردَ زينةٍ. إنّها مفتاحٌ. مفتاحٌ لعالمٍ آخر، ولحقائقَ لمْ تُكتشفْ بعد. عائلةُ 'ليلى' كانتْ دائماً على اتصالٍ معَ قوى خفيةٍ، معَ نجومٍ تتجاوزُ فهمَنا." قالَ الشيخُ "عبدَ الرحمنِ" حينها، وعيناهُ تلمعانِ ببريقٍ غامض.
"وما هيَ هذهِ القوى يا عمّي؟" سألَ "أنسٌ" بفضول.
"هيَ همساتُ الماضي، التي تُشكّلُ مستقبلَنا. هيَ الحقيقةُ التي تكمنُ وراءَ الظاهرِ. ابنتي 'ليلى' تحملُ في دمِها جزءاً منْ هذهِ المعرفةِ. وهيَ، وحدها، قدْ تكونُ قادرةً على فهمِ ما لا نستطيعُ فهمهُ."
عادَ "أنسٌ" إلى واقعهِ، إلى شاشاتِ الحاسوبِ التي تُظهرُ خريطةً ثلاثيةَ الأبعادِ لـ"حزامِ الظلامِ"، مليئةً بالبقعِ الحمراءِ التي تُشيرُ إلى مناطقَ غيرِ مستقرةٍ. كانَ يعلمُ أنّ "ليلى" لنْ تفهمَ حجمَ الخطرِ إذا لمْ يُشاركها ما يعرفُهُ. لكنّ المخاطرةَ كانتْ كبيرةً.
في مكانٍ آخرَ منَ المدينةِ، في قصرِ "الرمالِ الذهبيةِ"، كانَ "سلطانٌ" يتلقى تقريراً مُفصلاً عنْ آخرِ المستجداتِ. السفينةُ الفضائيةُ التي اختفتْ بالقربِ منَ "حزامِ الظلامِ" كانتْ تحملُ شحنةً سريةً، يُعتقدُ أنّها مرتبطةٌ بالظواهرِ الغامضةِ التي تحدثُ في تلكَ المنطقة.
"ما هيَ طبيعةُ هذهِ الشحنةِ؟" سألَ "سلطانٌ" بجدية.
"لا نزالُ نُحاولُ معرفةَ ذلكَ يا سيدي. التقاريرُ الأوليةُ تُشيرُ إلى أنها مادةٌ غيرُ معروفةٍ، ولها خصائصُ غريبةٌ. لقدْ أُرسلتْ هذهِ السفينةُ في مهمةٍ سريةٍ للغايةِ، ولمْ يُشاركْ تفاصيلَها سوى عددٍ قليلٍ منَ الأشخاصِ." أجابَ "خالدٌ"، رئيسُ الاستخباراتِ.
"وماذا عنْ 'أنسٍ'؟ هلْ هناكَ أيُّ أخبارٍ عنْهُ؟"
"لا يا سيدي، لمْ تصلْ أيُّ إشارةٍ. لكنّ هناكَ تكهناتٌ بأنّ مهمةَ 'أنسٍ' قدْ تكونُ مرتبطةً بهذهِ الشحنةِ، أوْ بما اكتشفتهُ السفينةُ المفقودةُ."
تنهدَ "سلطانٌ"، وشعرَ بثقلِ المسؤوليةِ يزدادُ. لقدْ كانَ يعرفُ أنّ "أنسٌ" يمتلكُ ذكاءً خارقاً، وشجاعةً لا تُضاهى. لكنّ مواجهةَ المجهولِ في أعماقِ الفضاءِ ليستْ بالأمرِ الهيّن.
"يجبُ أنْ نستعدَّ لكلِّ الاحتمالاتِ يا 'خالد'. إذا كانتْ هذهِ الشحنةُ خطيرةً، فقدْ تكونُ تهديداً لنا جميعاً. وعلينا أنْ نتأكدَ منْ سلامةِ 'أنسٍ' ورفاقهِ. هلْ هناكَ أيُّ فرصةٍ لإرسالِ بعثةِ إنقاذٍ؟"
"إنّ 'حزامَ الظلامِ' منطقةٌ شديدةُ الخطورةِ يا سيدي. أيُّ سفينةٍ تدخلُها قدْ لا تعودُ. لكنّنا سنُحاولُ إيجادَ حلٍّ."
في جناحِ "فاطمة"، كانتْ تجلسُ معَ والدتِها "الجوهرة"، تُحاولُ أنْ تستعيدَ هدوءَها. كانتْ تُصلي وتدعو لأخيها.
"يا أمي، أشعرُ بخوفٍ غريبٍ. وكأنّ السماءَ نفسها تهمسُ لي بأنّ هناكَ شيئاً ما على وشكِ الحدوث." قالتْ "فاطمةٌ" وهيَ تحتضنُ طبقَ العشاءِ الفارغ.
"لا تخافي يا ابنتي. 'أنسٌ' سيواجهُ أيَّ صعابٍ. لقدْ تربّى على الشجاعةِ والقيمِ النبيلةِ. والأهمُّ منْ ذلكَ، أنّهُ لديهِ 'ليلى'. حبهُ لها سيُعطيهِ القوةَ التي يحتاجها."
"أتمنى ذلكَ يا أمي. لكنّني قلقةٌ منْ هذا الصمتِ الطويلِ. صمتٌ يُخفي وراءهُ الكثيرَ منَ الألغازِ."
كانتْ "الجوهرةُ" تنظرُ إلى ابنتِها، وترى فيها الشغفَ والأملَ. كانتْ تعلمُ أنّ مستقبلَ العائلةِ، ومستقبلَ شعبِهم، يعتمدُ على قراراتٍ تُتخذُ الآن، وعلى شجاعةٍ تتجلّى في أحلكِ الظروفِ.
وعلى الرغمِ منْ بُعدِ "أنسٍ" ومشاغلهِ، لمْ تنسَ "ليلى" وعدها لهُ. قضتْ تلكَ الليلةَ في قراءةِ الكتبِ القديمةِ التي ورثتها عنْ جدّها، بحثاً عنْ أيِّ معلومةٍ قدْ تُساعدُها على فهمِ ما يحدث. وجدتْ في أحدِ الكتبِ إشارةً غامضةً إلى "حزامِ الظلامِ" وإلى "بلورةٍ كونيةٍ" تُقالُ إنّها تُسيطرُ على طاقةِ المجرةِ.
"هلْ يمكنُ أنْ تكونَ هذهِ البلورةُ هيَ السببُ في التغييراتِ التي تحدث؟" تساءلتْ "ليلى" بصوتٍ خافتٍ، وقلبُها يخفقُ بشدة.
لمْ تكنْ تدركُ أنّ هذهِ الهمساتِ القديمةَ، وهذهِ الألغازُ التي بدأتْ تتكشفُ، ستُغيّرُ حياتَها وحياةَ كلِّ منْ تُحبّ إلى الأبد. ففي أروقةِ المستقبلِ، كانتْ أصداءُ الماضي تُعيدُ نفسها، مُشكّلةً مصيراً لمْ يكنْ يتوقعهُ أحد.