النجوم والأرض الجزء الثالث

بزوغُ الخطرِ في رحمِ الظلام

بقلم بلال الصادق

امتدَّ ظلامُ الليلِ كوشاحٍ أسودَ على سماءِ "واحةِ الأسرارِ"، ولمْ تُنِرْها سوى نجومٌ بعيدةٌ مُتفرقةٌ، وبصيصُ قمرٍ خجولٍ يكادُ يختفي خلفَ غيومٍ نادرةٍ. في قلبِ الواحةِ، حيثُ يرتفعُ قصرُ "البدرِ الساطعِ" كقلعةٍ شامخةٍ، كانتْ "ليلى" تُحاولُ أنْ تُركّزَ أفكارَها. لقدْ أمضتْ أياماً وليالٍ في البحثِ، تقرأُ في مخطوطاتٍ قديمةٍ، وتُحلّلُ بياناتٍ فلكيةٍ غريبةٍ وصلتها سراً منَ "المرصدِ النجميِّ الأقصى".

كانَ "أنسٌ" قدْ بعثَ إليها برسالةٍ مشفرةٍ قبلَ أيامٍ، ألمحتْ فيها إلى اكتشافٍ قدْ يُغيّرُ مسارَ البشريةِ، وأخبرَها بأنّهُ في طريقهِ إلى مكانٍ ما بالقربِ منَ "حزامِ الظلامِ"، وأنّ خطراً داهمًا يُحدقُ بهِ. لقدْ أغلقَ بعدها كلَّ قنواتِ الاتصالِ، تاركاً "ليلى" في دوامةٍ منَ القلقِ والترقب.

"يجبُ أنْ أفهمَ ما الذي يحدثُ." قالتْ "ليلى" بصوتٍ خافتٍ، وهيَ تُقلّبُ ورقةً قديمةً عليها رموزٌ لمْ تفهمْ معناها. كانتْ تجلسُ في مكتبتِها الخاصةِ، وهيَ غرفةٌ تُشبهُ المعبدَ، مليئةٌ بالكتبِ والمخطوطاتِ النادرةِ، وبالأدواتِ الفلكيةِ القديمةِ.

فجأةً، اهتزَّتْ أرجاءُ الغرفةِ. لمْ يكنْ زلزالاً، بلْ كانَ اهتزازاً عميقاً، وكأنّ الأرضَ تئنُّ منْ ألمٍ. سقطتْ بعضُ الكتبِ منْ على الرفوفِ، وتناثرتْ أوراقُها على الأرضِ. انتفضتْ "ليلى" واقفةً، وشعرتْ بأنّ هناكَ شيئاً عظيماً قدْ حدث.

"ما هذا؟" تساءلتْ، وهيَ تُمسكُ بقلادتِها الفضيةِ.

في تلكَ اللحظةِ، سمعتْ صوتَ جدتِها، "مريم"، يأتي منَ الخارجِ. كانتْ "مريم" سيدةً جليلةً، تتمتعُ بحكمةٍ عميقةٍ، وبقدرةٍ غريبةٍ على الشعورِ بالأحداثِ قبلَ وقوعِها.

"ليلى! يا ابنتي! تعالي إلى هنا فوراً!"

ركضتْ "ليلى" نحو صوتِ جدتِها، لتجدَها تقفُ في بهوِ القصرِ، وعينُها مُتسمّرةٌ على نافذةٍ ضخمةٍ تُطلُّ على سماءِ الليلِ. كانتْ "مريم" تُشيرُ بيدِها إلى نقطةٍ بعيدةٍ في السماءِ.

"انظري هناكِ يا ابنتي!"

رفعتْ "ليلى" رأسَها، لتُشاهدَ منظراً لا يُصدّق. نقطةٌ صغيرةٌ منَ الضوءِ بدأتْ تتوهجُ في سماءِ الليلِ، ثمّ بدأتْ تتضخمُ وتُصبحُ شيئاً هائلاً، شبيهٌ بالدُخانِ الأسودِ المُتشابكِ، والذي يُحيطُ بهِ وهجٌ أحمرُ غريب.

"ما هذا الشيءُ يا جدتي؟" سألتْ "ليلى" بصوتٍ مُرتعشٍ.

"هذا هوَ 'حزامُ الظلامِ' يا ابنتي. لقدْ بدأَ يتمددُ. بدأَ يُحيطُ بنا." أجابتْ "مريم" بصوتٍ مُتعبٍ، لكنْ مليءٍ بالعزم. "لقدْ حذرتْنا الأساطيرُ منْ هذهِ اللحظةِ. لحظةٍ بزوغِ الخطرِ منْ رحمِ الظلامِ."

"ولكنْ، كيفَ؟ وكيفَ يُمكنُنا إيقافُهُ؟"

"القوةُ التي تُحرّكُ 'حزامَ الظلامِ' ليستْ مجردَ قوةٍ طبيعيةٍ، بلْ هيَ قوةٌ قديمةٌ، قوةٌ تُحاولُ استعادةَ سيطرتِها على الكونِ. إنّها قوةٌ تسعى إلى إطفاءِ نورِ النجومِ، وإلى سحقِ كلِّ ما هوَ جميلٌ ونبيلٌ."

ثمّ التفتتْ "مريم" إلى "ليلى"، وقالتْ بعينينِ تفيضُ بالحزنِ والأملِ: "لقدْ انتظرتُ هذهِ اللحظةَ منذُ زمنٍ طويلٍ. انتظرتُ أنْ تأتيَ أنتِ، يا 'ليلى'، لتُدركيَ حقيقةَ ما ورثتهُ عائلتُكِ. أنتِ تحملينَ مفتاحَ الحقيقةِ، ومفتاحَ النجاةِ."

"لكنّني مجردُ طالبةِ علمٍ يا جدتي. لا أمتلكُ أيّةَ قوةٍ خاصة."

"القوةُ الحقيقيةُ يا ابنتي، لا تكمنُ في السلاحِ، بلْ في المعرفةِ. وفي القدرةِ على رؤيةِ ما لا يراهُ الآخرونَ. أنتِ ابنةُ 'النجومِ والأرضِ'. لقدْ ورثتِ القدرةَ على فهمِ لغةِ الكونِ. والآن، حانَ الوقتُ لتُظهريَ للعالمِ ما تستطيعينَ فعلهُ."

في تلكَ الأثناءِ، في قصرِ "الرمالِ الذهبيةِ"، كانَ "سلطانٌ" يُتابعُ تطوراتِ الأحداثِ بقلقٍ بالغ. التقاريرُ الواردةُ منَ "المرصدِ النجميِّ الأقصى" كانتْ مُقلقةً للغاية.

"يا سيدي، 'حزامُ الظلامِ' يتمددُ بسرعةٍ غيرِ مسبوقةٍ. لقدْ بدأَ يؤثّرُ على أنظمةِ الاتصالاتِ في العديدِ منَ الكواكبِ. والمشكلةُ الأكبرُ، هوَ أنّنا لا نملكُ أيَّ تفسيرٍ علميٍّ لما يحدث." قالَ "خالدٌ"، رئيسُ الاستخباراتِ، وهوَ يُمسكُ بيدهِ جهازَ اتصالٍ مُعطّلاً.

"وهلْ هناكَ أيُّ أخبارٍ عنْ 'أنسٍ'؟" سألَ "سلطانٌ"، وعينُهُ مُثبتتانِ على الشاشةِ التي تُظهرُ خريطةً مُعقدةً للمجرّةِ.

"للأسفِ يا سيدي، لا. لقدْ اختفتْ آخرُ إشارةٍ لهُ منذُ ثلاثةِ أيامٍ، بالقربِ منَ المنطقةِ التي بدأَ فيها تمددُ 'حزامِ الظلامِ'."

شعرَ "سلطانٌ" باليأسِ يتسللُ إلى قلبِهِ. لقدْ كانَ يعلمُ أنّ "أنسٌ" في مهمةٍ بالغةِ الخطورةِ، لكنّهُ لمْ يتوقعْ أنْ تكونَ العواقبُ وخيمةً إلى هذا الحد.

"يجبُ أنْ نفعلَ شيئاً. لا يُمكنُنا الوقوفُ مكتوفي الأيدي بينما يلتهمُ الظلامُ مجرّتَنا." قالَ "سلطانٌ" بحزمٍ. "هلْ هناكَ أيُّ فرصةٍ للتواصلِ معَ 'ليلى'؟ قدْ تكونُ لديها معلوماتٌ تُساعدُنا."

"لقدْ حاولنا يا سيدي، لكنّ جميعَ خطوطِ الاتصالِ في تلكَ المنطقةِ مُعطلةٌ. يبدو أنّ 'حزامَ الظلامِ' يُعطّلُ كلَّ أنواعِ التكنولوجيا."

"إذنْ، علينا أنْ نُخاطرَ. سأذهبُ بنفسي إلى 'واحةِ الأسرارِ'. يجبُ أنْ أتحدثَ إلى 'ليلى'. إذا كانتْ هناكَ أيُّ فرصةٍ لفهمِ ما يحدثُ، فهيَ ستكونُ لديها."

وبينما كانَ "سلطانٌ" يُجهزُ سفينتَهُ الشخصيةَ، كانتْ "ليلى" تُشاهدُ "حزامَ الظلامِ" وهوَ يُغطّي السماءَ ببطءٍ. شعرتْ بأنّ الزمنَ ينفدُ، وأنّها يجبُ أنْ تتصرفَ بسرعةٍ. لقدْ فهمتْ الآن. لمْ تكنْ مجردَ ظاهرةٍ فلكيةٍ، بلْ كانتْ حرباً، حرباً بينَ النورِ والظلامِ، حرباً بدأتْ جذورُها في الماضي السحيقِ، وتمتدُ لتُهدّدَ مستقبلَ البشريةِ بأكملِها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%