النجوم والأرض الجزء الثالث
رسائلُ منَ اللا مكانِ
بقلم بلال الصادق
كانَ صمتُ الليلِ في "واحةِ الأسرارِ" أعمقَ وأثقلَ منْ أيِّ وقتٍ مضى. لمْ تُخترقْ سكينتَهُ إلا همساتُ الرياحِ الضعيفةِ التي تداعبُ أوراقَ النخيلِ، ونبضاتُ قلبِ "ليلى" المتسارعةِ التي كانتْ تُشبهُ طبولَ حربٍ تُقرعُ في صدرِها. كانتْ تقفُ بجوارِ جدتِها "مريم" في شرفةِ القصرِ، تُشاهدانِ "حزامَ الظلامِ" وهوَ يتمددُ كوحشٍ أسطوريٍّ، يُغطي نجمةَ الصباحِ، ويُطفئُ بريقَ أقربِ النجومِ.
"لقدْ وصلَ الوقتُ الذي حذرتْنا منهُ الأساطيرُ يا 'ليلى'. إنّ 'حزامَ الظلامِ' ليسَ مجردَ منطقةٍ منَ الفضاءِ، بلْ هوَ كيانٌ واعٍ، يُغذّي نفسهُ منَ الخوفِ والفوضى." قالتْ "مريم" بصوتٍ بالكادِ يُسمعُ، وعيناها تُشعانِ بقوةٍ غريبةٍ.
"لكنّني لا أفهمُ يا جدتي، ما هوَ الشيءُ الذي يُحفّزُهُ؟ ولماذا يبدأُ الآن؟" سألتْ "ليلى"، وشعرتْ بيدِها تُمسكُ بقلادتِها بقوةٍ.
"إنّ 'حزامَ الظلامِ' كانَ دائماً موجوداً، لكنّهُ كانَ نائماً. ما أيقظَهُ، هوَ اكتشافُ 'أنسٍ' لما وراءَ حدودِ كونِنا المعروفِ. لقدْ وصلَ إلى مكانٍ لمْ يجرؤْ أحدٌ على الوصولِ إليهِ منْ قبل، وكشفَ عنْ سرٍّ كانَ يجبُ أنْ يبقى مدفوناً."
"ما هوَ هذا السرّ؟"
"إنّ 'حزامَ الظلامِ' هوَ السجنُ الذي وُضِعَ فيهِ كيانٌ قديمٌ، كيانٌ قويٌّ جداً، يُقالُ إنّهُ كانَ يُهدّدُ توازنَ الكونِ بأسرِهِ. وقدْ بدأتْ طاقةُ هذا الكيانِ تتسربُ، بدأتْ تُحاولُ كسرَ قيودِها، وبدأتْ تستمدُ قوتَها منْ أيِّ فراغٍ أوْ خوفٍ تجدُهُ."
شعرتْ "ليلى" بالدوارِ. كلُّ ما كانتْ تعتقدُ أنّهُ علمٌ واستكشافٌ، كانَ يتكشفُ الآنَ عنْ وجهِهِ الآخرِ، وجهٍ مُرعبٍ وغامضٍ. "وهلْ 'أنسٌ' على علمٍ بكلِّ هذا؟"
"نعم، أعتقدُ ذلك. لقدْ وجدَ 'أنسٌ' دليلاً على وجودِ هذا الكيانِ، ودليلاً على أنّ 'حزامَ الظلامِ' ما هوَ إلا حاجزٌ هشٌّ. ولكيْ يُبقيَ هذا الكيانَ محبوساً، ولحمايةِ عالمِنا، فعلَ ما كانَ عليهِ القيامُ بهِ، حتى لوْ كلّفَهُ ذلكَ ثمناً باهظاً."
فجأةً، توهجتْ قلادةُ "ليلى" بضوءٍ فضيٍّ قويٍّ، وانتشرَ الوهجُ في أرجاءِ الشرفةِ. بدأتْ رموزٌ قديمةٌ تظهرُ على سطحِ القلادةِ، رموزٌ لمْ ترها "ليلى" منْ قبل، لكنّها شعرتْ بأنّها تفهمُ معناها.
"ما هذا؟"
"إنّها رسالةٌ يا ابنتي. رسالةٌ منْ 'أنسٍ'. إنّهُ يتواصلُ معكِ منْ مكانٍ بعيدٍ جداً. إنّهُ يُرسلُ لكِ مفتاحَ فهمِ كلِّ شيء."
بدأتْ "مريم" تُفسّرُ الرموزَ التي تظهرُ على القلادةِ. لقدْ كانتْ إحداثياتٌ، معَ مجموعةٍ منَ الرموزِ التي تُشبهُ لغةً قديمةً. "هذهِ الإحداثياتُ تُشيرُ إلى نقطةٍ في عمقِ 'حزامِ الظلامِ'، مكانٍ لمْ يصلْ إليهِ أحدٌ. وهذهِ الرموزُ، إنّها لغةُ 'السديمِ الأزرقِ'، المكانِ الذي وُضِعَ فيهِ السجنُ الأصليُّ."
"وهلْ 'أنسٌ' هناكَ الآن؟"
"نعم، أعتقدُ ذلك. لقدْ وجدَ شيئاً هائلاً هناك، شيئاً يُمكنُ أنْ يُساعدَنا على إغلاقِ 'حزامِ الظلامِ' مرةً أخرى، أوْ على الأقلّ، على فهمِ طبيعةِ التهديدِ."
بينما كانتْ "ليلى" تُحاولُ استيعابَ ما تسمعُهُ، وصلَ إلى القصرِ صوتُ محركاتِ سفينةٍ فضائيةٍ. كانتْ سفينةُ "سلطانٍ".
خرجتْ "ليلى" و"مريم" لاستقبالِهِ. كانَ "سلطانٌ" يبدو مُنهكاً، لكنّ عينيهِ كانتا تُشعانِ بتصميمٍ قويٍّ.
"يا 'ليلى'، هلْ هناكَ أيُّ أخبارٍ؟ لقدْ رأيتُ 'حزامَ الظلامِ' يتمددُ منْ بعيدٍ، وأدركتُ أنّ الأمورَ أصبحتْ خطيرةً جداً."
"نعم يا 'سلطان'. الأمورُ أسوأُ مما نتخيلُ. 'أنسٌ' في خطرٍ، و'حزامُ الظلامِ' يتمددُ. ولكنّني تلقيتُ رسالةً منهُ. لقدْ اكتشفَ شيئاً هائلاً في عمقِ 'حزامِ الظلامِ'."
شرحتْ "ليلى" لـ"سلطانٍ" ما اكتشفتهُ، وما رأتهُ منْ رموزٍ على قلادتِها. كانَ "سلطانٌ" يست