النجوم والأرض الجزء الثالث
الفجر المتصدع
بقلم بلال الصادق
استحالت سماء "نبراس" الزرقاء الصافية لوحةً غائمةً بالشكوك. كانت "ليلى"، بعينيها اللتين طالما حملتا بريق الإيمان، تبحث في ثنايا وجه "علي" عن أي بادرة تريح قلبها المضطرب. لقد كانت الكلمات التي تفوه بها، وإن كانت خافتة، كصواعق نزلت على واحة أملها. "المعرفة التي اكتسبناها... ليست لنا وحدنا." لم تتسع لها الدنيا، ولم تفهم كيف يمكن لـ"علي"، رمز الأمان والصدق، أن يبوح بسرٍ كهذا، سرٍ يمس جوهر وجودهم، بل وجود كل من يعيش على هذه الأرض.
كانت "نبراس" مدينةً صُنعت بشقاء الأجداد، استقرت على حافة الفناء، تقتات على بقايا حضارة غابرة. لطالما علمهم "الشيخ عمار" عن "الوعد"، عن ضرورة الحفاظ على "الجوهر" كي لا يمحى أثرهم من الوجود. وكان "الجوهر" هو النور الذي يحافظ على استقرار "نبراس"، ويصدّ الأوبئة الروحية القادمة من "الأعماق". والآن، يقول "علي" أن هذا "الجوهر" ليس ملكهم، بل ملكٌ لغيرهم؟
"ماذا تقصد يا علي؟" سألت بصوتٍ مرتجف، وهي تشد على سترتها الصوفية السميكة، كأنها تحاول الاحتماء من بردٍ قاسٍ بدأ يتسلل إلى روحها. "أي معرفة؟ وأي 'جوهر' هذا الذي تتحدث عنه؟"
تقدم "علي" بخطواتٍ ثقيلة، كأن كل خطوة تحمل وزر العالم. كانت عيناه غائرتين، ووجهه شاحبًا، ترسم عليه خطوطٌ جديدة من الهم. "أتذكرين يا ليلى، حين كنا صغاراً، وقصص 'الشيخ عمار' عن 'النبتة التي تتنفس النجوم'؟"
أومأت "ليلى" برأسها. كانت تلك من أروع القصص التي رواها لهم "الشيخ"، قصة عن نباتٍ نادر ينمو في أعمق كهوف "نبراس"، يمتص الضوء النجمي، ويحتفظ به في جذوره، ثم يطلقه ليغذي "الجوهر" الذي يحمي المدينة.
"هذه النبتة... ليست مجرد أسطورة يا ليلى." قال "علي" بصوتٍ أجش. "إنها حقيقة. وقد وجدنا ما يكفي منها، وحصدنا ما يكفي من ضوئها، لنبقي 'نبراس' آمنة. لكن... 'الجوهر' ليس مجرد ضوء. إنه... وعي. وعي كائناتٍ كانت هنا قبلنا. كائناتٍ تحمل إرثاً من المعرفة أقدم من الزمن نفسه."
شعرت "ليلى" ببرودةٍ تسري في عروقها. "كائنات؟ تقصد... الأجداد؟"
"أعمق من ذلك." نفى "علي" برأسه. "أقدم. أعمق. يقول 'الشيخ' إنهم 'حراس الكون'. وإن 'الجوهر' هو شعلةٌ من وعيهم، وُضعت في 'نبراس' لتتغذى على الضوء النجمي، ولتحمي الأرض من... الظلام."
"لكن... هذا يعني أن 'الجوهر' ليس ملكنا! يعني أننا نستخدم ما ليس لنا!" تعالت نبرة "ليلى" بصوتٍ فيه خليطٌ من الذهول والغضب. "هل هذا ما اكتشفته؟ أننا... لصوص؟"
"ليس لصوصاً بالمعنى الذي تفكرين فيه." حاول "علي" تهدئتها، رغم أن صوته بدا غير مقنع حتى لنفسه. "بل... مستأجرون. أو وصاة. لكن... الوصاية انتهت. اكتشفنا أن 'حراس الكون' عادوا. وإنهم يطالبون بـ'الجوهر'."
"عادوا؟!" تكررت الكلمة على لسان "ليلى" كأنها تتعجب من استحالة الأمر. "وكيف اكتشفت ذلك؟ ومن هم هؤلاء 'الحراس'؟"
"من خلال 'الآلة'." أجاب "علي"، مشيراً إلى الغرفة التي يقع فيها الجهاز الغامض الذي عملوا عليه لشهور. "لقد استطعنا أخيراً فك شفرة بعض رسائلهم. هم ليسوا كائناتٍ مادية كما نظن. إنهم... طاقة. أو وعيٌ هائل. إنهم يرصدون ما يحدث في الكون. وقد شعروا بما نفعله بـ'الجوهر'."
"وماذا يريدون؟" سألت "ليلى"، تشعر أن هذه المحادثة تقودها إلى متاهةٍ لا مخرج منها.
"يريدون 'الجوهر'." كرر "علي" بأسى. "يريدون استعادته. لكن... الأهم من ذلك، أنهم يحذروننا. يحذروننا من استخدام "الجوهر" بطريقةٍ خاطئة. يقولون إن "الجوهر" ليس مجرد درع. إنه مفتاح. مفتاحٌ لقوى هائلة، قوى يمكن أن تدمر أو تبني. وقد اكتشفنا أن "الشيخ عمار" لم يكن مجرد حافظٍ للأسرار، بل كان... مُعدّاً. كان يُعدّنا لشيءٍ أكبر."
"مُعدّاً؟ لأي شيء؟"
"للتعامل مع "الخطر القادم"." قال "علي"، وعيناه تلتمعان بشيءٍ يشبه الرعب. "خطرٌ أكبر من أي شيءٍ تخيلناه. خطرٌ يتجاوز حدود "نبراس" والأرض. شيءٌ قادم من... 'الأعماق'."
"الأعماق" كانت كلمةً تحمل كل معاني الرعب والجهل. إنها المنطقة التي لا يصل إليها نور الشمس، والتي تتردد عنها الأساطير عن كائناتٍ مشوهة وأصواتٍ مخيفة.
"وما علاقة 'الجوهر' بهذا الخطر؟" سألت "ليلى"، تشعر أن خيوط الواقع بدأت تتفكك من حولها.
"إن 'الجوهر' هو السلاح. أو هو المفتاح الذي يفتح لنا الباب للنجاة." قال "علي"، وعينيه تتوجهان إلى الخارج، حيث بدأت تتجمع غيومٌ داكنة فوق "نبراس". "لقد وجدنا في رسائل 'حراس الكون' ما يشير إلى أن "الأعماق" ليست مجرد مكان. إنها... حالة. حالةٌ من الفوضى والدمار. وأن شيئاً ما يحاول اختراقها ليغزو عالمنا."
"اختراقها؟"
"نعم. وقد وجدنا طريقة... طريقة لصد هذا الاختراق. طريقة تتطلب استخدام "الجوهر" بطريقةٍ لم يتوقعها "الشيخ عمار" نفسه."
"وما هي هذه الطريقة؟"
"إنها... معقدة. وخطيرة." قال "علي"، ثم نظر إليها مباشرةً. "إنها تتطلب... اندماجاً. اندماج وعينا مع "الجوهر". وهذا الاندماج... قد يغيرنا إلى الأبد."
شعرت "ليلى" بقلبها يخفق بشدة. الاندماج؟ مع "الجوهر"؟ ما الذي يحدث؟ كل ما كانت تؤمن به، كل ما كانت تحلم به، بدأ يتهاوى أمام هذه الحقائق المروعة.
"لا أفهم." تمتمت.
"لا بأس." قال "علي"، ومد يده ليلمس وجهها. كانت يده باردة، لكن لمسته حملت دفئاً مألوفاً. "سأشرح لك كل شيء. لكن علينا أن نتصرف بسرعة. 'حراس الكون' ليسوا الوحيدين الذين يعلمون بما اكتشفناه. وهناك من يريد 'الجوهر' لأغراضٍ أخرى. أغراضٍ تدمر 'نبراس' أكثر مما تنقذها."
"من؟"
"شخصٌ كنا نظنه صديقاً." أجاب "علي"، بمرارةٍ واضحة في صوته. "الشخص الذي يقف وراء كل هذه الفوضى. 'صقر'."
"صقر؟" تكررت الكلمة كأنها صدىً لاسمٍ مشؤوم. "لكن... صقرٌ؟ إنه..."
"إنه الآن أخطر عدو لنا." قاطعها "علي". "لقد استطاع التسلل إلى 'نبراس'، مستغلاً حالة الفوضى التي خلقها. وهو يسعى للوصول إلى 'الجوهر' ليستخدمه في خطته الشريرة."
"وما هي خطته؟"
"أن يصبح هو 'حارس الكون' الجديد." قال "علي" بسخريةٍ مرة. "أن يسيطر على 'الجوهر'، ويستخدم قوته الهائلة ليحكم "نبراس" ثم الأرض. لكن قوته الحقيقية ليست في "الجوهر" نفسه، بل في قدرته على استغلال مخاوف الناس. لقد استغل خوفنا من "الأعماق" ليقنع الكثيرين بأنه المنقذ الوحيد."
"هذا جنون!"
"بل هو تلاعبٌ بارع." قال "علي". "ولم يعد لدينا وقت. يجب أن نتحرك. قبل أن يصل 'صقر' إلى 'الجوهر'، وقبل أن تنهار "نبراس" تحت وطأة هجمات "الأعماق"."
نظرت "ليلى" إلى "علي"، وشعرت بانتقالٍ هائل في مشاعرها. من الذهول والغضب، إلى الخوف، ثم إلى إحساسٍ جديدٍ بالواجب. لقد كان هذا الانهيار في عالمها، ليس نهايةً، بل بدايةً لشيءٍ جديد، شيءٍ يتطلب منها كل قوتها وشجاعتها.
"ماذا يجب أن نفعل؟" سألت، وعيناها تلمعان بتصميم.
"يجب أن نذهب إلى 'الجوهر' قبل 'صقر'." قال "علي"، وبدأ يسحب سيفه القديم. "يجب أن نستخدمه لحماية "نبراس"، حتى لو كلفنا ذلك كل شيء."
"ولكن... الاندماج؟"
"سنتحدث عن ذلك لاحقاً." قال "علي". "الأهم الآن هو مواجهة 'صقر'. والنجاح في مهمتنا. هل أنتِ مستعدة يا ليلى؟"
نظرت "ليلى" إلى وجهه، ورأت فيه انعكاساً لخوفها، ولكنه أيضاً انعكاسٌ لإصراره. كان عليها أن تكون مستعدة. كان عليها أن تقف بجانبه، مهما كان الثمن.
"نعم يا علي." قالت بصوتٍ ثابت. "أنا مستعدة."
في الخارج، كانت الرياح تزداد عصفاً، والغيوم الداكنة قد غطت السماء بالكامل، وكأنها تحمل نذير شؤمٍ لا يمكن تجنبه. لكن في قلب "ليلى" و"علي"، كان هناك شرارةٌ صغيرة من الأمل، شرارةٌ تولدت من واقعٍ مرير، ومن قرارٍ صلبٍ لمواجهته.