النجوم والأرض الجزء الثالث

صدى الأسرار

بقلم بلال الصادق

كان الهواء في "نبراس" أثقل من ذي قبل، محمّلاً بعبق التراب الممزوج برائحة الأوزون التي سبقت العاصفة. كانت "ليلى" و"علي" يتحركان عبر الأزقة المتعرجة، يتبعون مسالك الظلام التي يعرفانها جيداً. لم يكن الهدف مجرد الوصول إلى "الجوهر"، بل الوصول إليه قبل "صقر"، قبل أن تتحول هذه القوة الهائلة إلى أداةٍ للدمار.

"هل أنت متأكد من أن 'صقر' لا يعرف الطريق؟" سألت "ليلى"، وهي تتفقد محيطها بحذر. كل زاويةٍ مظلمة، كل ظلٍ متحرك، كان يثير فيها قلقاً عميقاً.

"لا أعتقد ذلك." أجاب "علي"، وصوته كان أقرب إلى الهمس. "طريق 'الجوهر' ليس طريقاً عادياً. إنه محفوفٌ بالفخاخ، وفيه ألغازٌ لا يحلها إلا من يعرف أسرار 'نبراس' حقاً. و'صقر'، على الرغم من كل ما ادعاه، يبقى غريباً عن قلب المدينة."

"لكن ألن يستعين بـ'الآلة'؟"

"لقد فكرت في ذلك." قال "علي". "لكن 'الآلة' تحتاج إلى طاقةٍ هائلة، وطاقة 'نبراس' نفسها بدأت تتضاءل مع اقتراب 'الخطر من الأعماق'. لا أعتقد أنه سيتمكن من استخدامها بكامل طاقتها. بالإضافة إلى ذلك، 'الآلة' ليست مجرد آلة. إنها تحتاج إلى 'مفتاح'. والمفتاح الوحيد هو 'شفرة الحارس' التي اكتشفها 'الشيخ عمار' قبل سنوات، والتي لم يخبر بها أحداً سوى أنا."

"ما هي هذه الشفرة؟"

"إنها ليست مجرد كلمات." قال "علي". "إنها... طاقة. طاقةٌ تتناغم مع 'الجوهر'. سأستخدمها لفتح الطريق. ولكن الأمر سيحتاج إلى تركيزٍ هائل."

شعرت "ليلى" بتصاعد التوتر في جسدها. لقد كان "علي" يحمل عبئاً ثقيلاً. ليس فقط مسؤولية حماية "نبراس"، بل أيضاً مسؤولية كشف أسرارٍ لطالما دفنت.

"أتذكر عندما كنتِ طفلة، وكيف كنتِ تخافين من أصوات الرياح في 'السرداب الكبير'؟" سأل "علي" فجأة، محاولاً كسر حدة الموقف.

ابتسمت "ليلى" ابتسامةً خافتة. "نعم. كنت أعتقد أن الأشباح تسكنه."

"والآن... ربما تكون هناك أشباحٌ حقيقية." قال "علي"، ثم استدار ليوجه حديثه إليها بجدية. "لكن الأشباح الحقيقية ليست ما نتخيله. الأشباح الحقيقية هي الأسرار التي دفناها. والأخطاء التي لم نعترف بها."

"وما هي أشباحنا يا علي؟" سألت، وتشعر أن الحديث يتجه نحو منحنىً شخصيٍ وعميق.

"أشباح خوفنا من المجهول." أجاب "علي". "خوفنا من أن نفقد كل ما نملك. خوفنا من أن نكون وحدنا في مواجهة كل هذا."

"لسنا وحدنا." قالت "ليلى"، واثقةً في كلماتها. "ولدينا ما يكفي من الإيمان."

"الإيمان وحده لا يكفي أحياناً يا ليلى." قال "علي"، وهو يقودها نحو مدخلٍ ضيقٍ مغطى ببعض الأخشاب المتعفنة. "نحن نحتاج إلى معرفة. ونحتاج إلى شجاعة. والآن، سنواجه أعمق الأسرار. أسرار 'الشيخ عمار'، وأسرار 'نبراس' نفسها."

بدأ "علي" يزيل الأخشاب ببطء. كان المدخل يؤدي إلى ممرٍ ضيقٍ منحدر، يتخلله ضوءٌ خافتٌ قادمٌ من مصابيح زيتية قديمة. كانت رائحة الرطوبة والعفن تملأ المكان.

"هذا هو الطريق إلى 'الكهف الخفي'." قال "علي". "حيث يحتفظ 'الشيخ عمار' ببعض من أدواته ومخطوطاته. وأين... 'الجوهر'."

"الجوهر؟ هنا؟" استغربت "ليلى". ظنت أنه موجودٌ في مكانٍ أكثر قداسةً أو حراسةً.

"بالنسبة لـ'الشيخ عمار'، لم يكن 'الجوهر' مجرد قوة. كان... معتقد. كان تجسيداً لأمل 'نبراس'." أجاب "علي". "وقد وضعه في مكانٍ قريب، ليكون شاهداً على حياتنا، وعلى نضالنا."

بدأ الاثنان بالنزول في الممر. كان السكون مخيفاً، لا يكسره سوى صوت خطواتهما. ومع كل خطوة، كان الوعي بمدى خطورة الموقف يتزايد.

"أخبرني يا علي، عن 'صقر'." قالت "ليلى"، تحاول استيعاب فداحة الخيانة. "كيف حدث هذا؟"

تنهد "علي" بعمق. "لقد كان 'صقر' دائماً طموحاً. كان يريد دائماً أن يكون في المقدمة. وأن يحصل على التقدير. حين اكتشفنا 'الآلة'، ورأينا الإمكانات الهائلة لها، رأى فيها 'صقر' فرصته. لكنه لم يكن يفهم. كان يرى فيها مجرد وسيلة للقوة. لم يفهم أن 'الآلة' تحتاج إلى روح، وتحتاج إلى هدفٍ نبيل."

"ولماذا لم يخبره 'الشيخ عمار'؟"

"ربما رأى 'الشيخ' ذلك في 'صقر'." قال "علي". "رأى فيه ظلاماً لم يستطع أن يروضه. لقد حاول 'الشيخ' توجيهه، لكن 'صقر' كان أذكى من أن ينكشف. لقد تظاهر بالولاء، بينما كان يجمع المعلومات، وينتظر الفرصة المناسبة."

"متى بدأت الفرصة؟"

"عندما بدأنا نقترب من 'الجوهر'." قال "علي". "لقد شعر 'صقر' بأننا على وشك اكتشاف شيءٍ عظيم. وشعر بأن هناك من ينافسه. فبدأ بخطته. خطة بث الفوضى، وإثارة الشكوك، واستغلال خوف الناس من 'الأعماق'."

"لقد كان يعلم أن 'الأعماق' قادمة؟"

"نعم." أجاب "علي". "لقد استطاع التجسس على اتصالاتنا بـ'حراس الكون'. لقد سمع بكل شيء. بل... لقد حاول التواصل معهم هو أيضاً. بطريقته الخاصة."

"وماذا قال لهم؟"

"حاول إقناعهم بأنه هو 'الحارس' الجديد. وأنه يستطيع أن يحمي "نبراس" منهم... مقابل السيطرة الكاملة على 'الجوهر'."

"يا إلهي." تمتمت "ليلى". "إنه لا يخشى شيئاً."

"بل يخشى. يخشى أن تفلت الأمور من يده." قال "علي". "ولهذا السبب، عندما اكتشف أننا سنذهب إلى 'الجوهر'، قرر أن يأتي ورائنا. ليواجهنا هناك. ولينتزع 'الجوهر' منا بالقوة."

وصلوا إلى نهاية الممر، حيث بدأت تتسع الغرفة. كان الضوء القادم من المصابيح الزيتية القديمة يلقي بظلالٍ راقصة على الجدران. في وسط الغرفة، كان هناك منصةٌ حجرية، وعليها... شيءٌ يلمع.

"هذا هو 'الجوهر'؟" سألت "ليلى"، وعيناها مثبتتان على الشيء اللامع.

كان شيئاً يشبه البلورة الضخمة، لكنها كانت تتشكل وتتغير باستمرار. كانت تحمل نوراً ساطعاً، لكنه نورٌ هادئ، كأنه روحٌ تتنفس.

"نعم." قال "علي"، وقد اتخذ موقفاً دفاعياً. "وهذا هو المكان الذي سنواجه فيه 'صقر'."

في تلك اللحظة، سمعوا صوتاً قادماً من مدخل الغرفة. صوتٌ كان مألوفاً، ولكنه الآن يحمل نبرةً من الشر.

"هل اعتقدتم حقاً أنكم ستصلون إليه قبلي؟"

وقف "صقر" عند المدخل، محاطاً ببضعة رجالٍ يرتدون ملابس سوداء. كانت عيناه تلمعان بالحقد، وابتسامته كانت قاسية.

"يا 'صقر'." قال "علي"، وصوته كان مليئاً بالحدة. "لقد تجاوزت كل الحدود."

"الحدود يا 'علي'؟" سخر "صقر". "الحدود هي ما يصنعه الضعفاء. وأنا لست ضعيفاً. أنا 'الحارس' الجديد. وأنا من سيقرر مصير 'نبراس'."

"لن تسمح لك بذلك." قالت "ليلى"، وشعرت بقوةٍ غريبةٍ تسري في عروقها.

"حقاً؟" ضحك "صقر". "وما الذي ستفعلينه؟ تواجهينني بسيفك القديم؟ أم ستتوسلين إلى 'حراس الكون'؟"

"سنواجهك بصدقنا، وبإيماننا." قال "علي".

"الإيمان؟" هزه، ثم أشار بيده إلى 'الجوهر'. "هذه هي القوة الحقيقية يا 'علي'. ولن تمنعني أي عقيدةٍ من الحصول عليها."

بدأ "صقر" بالتقدم نحو 'الجوهر'، ورجاله يتقدمون خلفه.

"تراجع يا 'صقر'." قال "علي". "هذا ليس لك. هذا لأجل 'نبراس'."

"أجل 'نبراس'؟" سأل "صقر" بسخرية. "بل لأجل 'نبراس' القوية التي سأبنيها. قوةٌ لا تعتمد على الأساطير، بل على السلاح."

"السلاح الذي سيدمرك." رد "علي".

"هذا ما سنرى." قال "صقر". ثم أشار إلى رجاله. "أمسكوا بهما!"

اندلع القتال. كان "علي" يقاتل ببسالة، مستخدماً كل ما لديه من مهارةٍ وقوة. "ليلى" كانت تقاتل بجانبه، تدافع عنه، وتصد هجمات رجال "صقر". كان 'الجوهر' يتوهج بقوةٍ أكبر، وكأنما يستشعر الصراع الذي يدور حوله.

وفي وسط الفوضى، لاحظت "ليلى" أن "صقر" لم يكن يهتم بـ"علي" بقدر اهتمامه بـ'الجوهر'. كان يحاول الاقتراب منه، مد يده باتجاهه، كما لو كان يريد امتصاص قوته.

"علي! 'صقر' يحاول الوصول إلى 'الجوهر'!" نادت "ليلى"، وهي تتفادى ضربةً موجعة.

نظر "علي" إلى "صقر"، وشعر بقشعريرةٍ تسري في جسده. لقد كان "صقر" على وشك تحقيق هدفه.

"لن ندعك تفعل ذلك!" صاح "علي"، واندفع نحو "صقر"، محاولاً صده.

لكن "صقر" كان أسرع. في لحظةٍ خاطفة، وصل إلى 'الجوهر'، ولمست أصابعه سطحه اللامع.

وفجأة، انبعث نورٌ هائل من 'الجوهر'، نورٌ أعمى الأبصار، وأشعر الجميع بذبذباتٍ غريبة.

"ماذا حدث؟!" صرخ "علي"، وهو يحاول استيعاب ما يجري.

كان 'الجوهر' يتوهج بشكلٍ جنوني، وكأنه ينفجر. وفي قلب هذا الانفجار النوري، بدأ جسد "صقر" يتغير. لم يعد بشراً. لقد أصبح شيئاً آخر. شيئاً مظلماً، مشوهاً.

"لقد... نجحت؟" تمتم "صقر" بصوتٍ غريب، مشوه. "لقد أصبحت... أقوى."

لكن كلماته لم تكن كلمات انتصار. كانت كلمات خوفٍ ورعب.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%