النجوم والأرض الجزء الثالث

وساوس السَّراب

بقلم بلال الصادق

كانت ليلةً داكنةً، سدل فيها الليل ستارَهُ الأسود على أزقَّةِ المدينةِ العتيقةِ، ولم يبقَ سوى وميضِ النُّجومِ الخافتِ كسُقاةٍ لوحدتِها. في أحدِ أركانِها المنسيَّةِ، حيثُ تختبئُ الأسرارُ وتتراقصُ الظِّلالُ، جلسَ "عمران" كعادته، أمامَ شاشاتِ جهازِهِ المُضيءِ، وعيناهُ زائغتانِ، غارقتانِ في بحرٍ من البياناتِ الرقميَّةِ والأرقامِ المتلاطِمةِ. لم يكُنْ مجردَ عملٍ، بل كانَ إدمانًا، وسرابًا يَعِدُهُ بالثَّراءِ السَّريعِ، بالوصولِ إلى قمَّةٍ يرجو منها استعادةَ مجدٍ قديمٍ، أو ربما، استعبادَ مصيرٍ تغلَّبَ عليهِ مرارًا.

كانَ "عمران" شابًا ذكيًا، ذو فِطنةٍ نادرةٍ وقدرةٍ استثنائيةٍ على فكِّ ألغازِ المعقَّدِ. وُلدَ في بيتٍ كريمٍ، واحتضنتهُ العائلةُ بالحبِّ والرِّعايةِ، ولكنَّ جشعَ العصرِ، وبريقَ المالِ الذي تسلَّلَ إلى نفوسِ الكثيرينَ، غيَّرَ مسارَهُ. بدأَ الأمرُ بصفقاتٍ صغيرةٍ، ثمَّ تضخَّمَ ليصبحَ عالمًا افتراضيًّا يستنزفُ وقتَهُ وروحَهُ. تركَ دراستهُ، وأهملَ عائلتَهُ، بلْ، ونسيَ "ليلى"، خطيبتهُ، تلكَ الفتاةَ النقيةَ التي كانتْ تُجسِّدُ لهُ كلَّ ما هوَ جميلٌ وأصيلٌ في هذهِ الدُّنيا.

كانتْ "ليلى" تنتظرُهُ، قلبُها يُشعُّ بالأملِ، وبأنَّ عودتَهُ الحقيقيَّةَ ليستْ بعيدةً. كانتْ تعلمُ بمساراتِهِ المتشعبةِ، وبمحاولاتِهِ اليائسةِ لخلقِ واقعٍ أفضلَ لهُ ولها، ولكنَّها لم تكنْ تتوقَّعُ أنْ يغوصَ في هذا الوحلِ الرقميِّ إلى هذا الحدِّ. في أحدِ الأيامِ، بينما كانتْ تُقلِّبُ أوراقَ ذكرياتٍ قديمةٍ، وجدَتْ رسالةً بخطِّ يدِ "عمران"، كُتبتْ قبلَ خطوبتِهما بفترةٍ قصيرةٍ. كانتْ تحملُ وعدًا بالحبِّ، وبالعطاءِ، وبالسَّيرِ معًا نحو مستقبلٍ مشرقٍ. نظرتْ إلى الرسالةِ، والدموعُ تتجمَّعُ في عينيها، تساءلتْ: أينَ اختفى ذلكَ الشابُّ الذي كتبَ هذهِ الكلماتِ؟ أينَ ضاعَ في زحامِ الأرباحِ والخسائرِ؟

في تلكَ الليلةِ، لم تكُنْ "ليلى" وحدها. كانتْ "أمُّ عمران"، السيدةُ "فاطمة"، جالسةً في غُرفتِها، تُرتِّلُ آياتٍ من القرآنِ الكريمِ، تستجدي ربَّها أنْ يهديَ ابنَها. كانَ قلبُها يحترقُ ألَمًا على حالِهِ، ترى فيهِ بريقَ الشَّبابِ الذي يتبدَّدُ، والروحَ التي تذبلُ. تذكَّرتْ أيامَ طفولتِهِ، ابتسامتَهُ البريئةَ، نداءَهُ لها "يا أمِّي". كانتْ تشعرُ بأنَّ شيئًا ما قدْ انكسرَ في روحِهِ، شيئًا لا يستطيعُ المالُ أنْ يعوِّضهُ.

في مكانٍ آخرَ، كانَ "خالد"، صديقُ "عمران" القديمُ، يتابعُ بصمتٍ. كانَ "خالد" شابًا مُجتهدًا، يعملُ في تجارةِ العقاراتِ، وبنى نفسَهُ بنفسِهِ بشرفٍ وأمانةٍ. كانَ يشعرُ بالأسفِ على "عمران"، ويرى فيهِ ضياعَ موهبةٍ عظيمةٍ. حاولَ أنْ يتواصلَ معهُ مراتٍ عديدةً، أنْ يُذكِّرَهُ بماضيهِما المشتركِ، وبأحلامِهما التي تتقاسمُها. ولكنَّ "عمران" كانَ قدْ أغلقَ أبوابَ قلبِهِ، وأصبحَ أسيرًا لعالمِهِ الافتراضيِّ.

ذاتَ مساءٍ، بينما كانَ "عمران" غارقًا في عملِهِ، تلقَّى رسالةً غامضةً. كانتْ نصًّا قصيرًا، يحملُ تحذيرًا مبطَّنًا. "احذرْ منْ الطريقِ الذي تسلُكُهُ، فالصَّعودُ الوهميُّ نهايتُهُ السُّقوطُ المريرُ." شعرَ "عمران" بقشعريرةٍ تسري في جسدِهِ. لم يدرِ مصدرَ الرسالةِ، ولكنَّها أيقظتْ فيهِ قلقًا دفينًا. هلْ كانَ ذلكَ تحذيرًا منْ خصمٍ في عالمِ المالِ، أمْ شيئًا آخرَ؟

في خضمِّ هذهِ المعركةِ الداخليَّةِ، بدأَ "عمران" يشعرُ بالوحدةِ. كانَ يرى أصدقاءَهُ يتزوجونَ، يبنونَ أسرًا، ويُحقِّقونَ نجاحاتٍ في حياتِهمُ الواقعيَّةِ. ولكنَّهُ هوَ، ظلَّ وحيدًا، مُحاطًا بشاشاتٍ صمَّاءَ، وبأرقامٍ لا تمنحُ دفءًا ولا حنانًا. كانتْ "ليلى" لا تزالُ في حياتِهِ، ولكنَّ المسافةَ بينَهُما أصبحتْ شاسعةً، حتى ولو كانتْ أجسادُهُما في نفسِ الغرفةِ. كانَ جسدُهُ هنا، ولكنَّ روحَهُ كانتْ تتجوَّلُ في عوالمَ افتراضيَّةٍ، تبحثُ عنْ شيءٍ لا يُمكنُ إيجادُهُ.

بدأتْ الابتزازاتُ تظهرُ. لم تكُنْ ابتزازاتٍ ماليةً بالمعنى التقليديِّ، بلْ كانتْ وساوسَ شيطانيَّةً تُلقي بهِ في دوَّامةٍ منَ الشَّكِّ والارتيابِ. بدأتْ تظهرُ معلوماتٌ عنْ خصومِهِ، تفاصيلُ دقيقةٌ عنْ حياتِهمُ الشخصيَّةِ، وثغراتٌ في أمنِهمُ الرقميُّ. وشعرَ بأنَّهُ قادرٌ على استغلالِها. ولكنَّ ضميرَهُ كانَ يُخاطبُهُ، يُذكِّرُهُ بأنَّ هذا الطريقَ لا يؤدي إلى خيرٍ.

في إحدى الليالي، وبينما كانَ يتابعُ صفقةً كبيرةً، رأى "عمران" معلوماتٍ عنْ رجلِ أعمالٍ ثريٍّ، يُدعى "سعيد". كانَ "سعيد" منافسًا قويًّا، ولديهِ مشاريعُ كبيرةٌ في قطاعِ التكنولوجيا. وبدأَ "عمران" يشعرُ برغبةٍ جامحةٍ في كشفِ أسرارِ "سعيد"، في تحطيمِهِ، ليسَ فقطْ لكسبِ المالِ، بلْ لأسبابٍ أخرى غامضةٍ. ربما كانَ شعورًا بالنَّقصِ، أو رغبةً في إثباتِ ذاتِهِ.

في تلكَ الليلةِ، لم يكُنْ "عمران" يعلمُ أنَّهُ كانَ يتجهُ نحوَ منحدرٍ خطيرٍ. أنَّ الطريقَ الذي يختارُهُ، مليءٌ بالذِّئابِ المفترسةِ، وأنَّ ثمنَ ما يرجوهُ قدْ يكونُ أغلى مما يتصوَّرُ. بدأتْ شخصيتُهُ تتآكلُ، بدأتْ تتلاشى الحدودُ بينَ الصَّوابِ والخطأِ. وكانَ السَّرابُ يزدادُ لمعانًا، يُضلِّلُ عينيهِ عنِ الحقيقةِ.

في غُرفتِها، كانتْ "ليلى" تنظرُ إلى صورةٍ تجمعُها بـ "عمران" في بدايةِ علاقتِهما. كانا يضحكانِ، يبتسمانِ للحياةِ. شعرتْ ببردٍ مفاجئٍ، وكأنَّ شيئًا ما قدْ انتهى. ولكنَّ إيمانَها لم ينكسرْ. كانتْ تعرفُ أنَّ "عمران" بداخلِهِ شابٌّ طيبٌ، وأنَّهُ لم يفقدْ كلَّ شيءٍ. كانتْ هناكَ بقايا نورٍ، تنتظرُ أنْ تُوقدَ.

وبينما كانتْ الشمسُ تغربُ، مُلقيةً بآخرِ خيوطِها الذهبيَّةِ على المدينةِ، كانَ "عمران" لا يزالُ جالسًا، تتطايرُ أمامهُ الأرقامُ، وتتوالى الشَّاشاتُ. لم يدرِ أنَّ حياتَهُ كانتْ تتشعبُ إلى مساراتٍ جديدةٍ، مساراتٍ ستُغيِّرُ كلَّ شيءٍ. وأنَّ هذهِ الليلةَ، كانتْ بدايةَ فصلٍ مظلمٍ، يحملُ في طياتِهِ أحداثًا لم تكُنْ في الحسبانِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%