النجوم والأرض الجزء الثالث

وِقْعُ الفِخاخِ

بقلم بلال الصادق

كانَ الشَّفقُ قدْ لبسَ المدينةَ ثوبَهُ الأرجوانيَّ، ونسماتُ المساءِ بدأتْ تُداعبُ أوراقَ الأشجارِ في ساحةِ منزلِ "عمران" القديمِ. داخلَ جدرانِ البيتِ، حيثُ كانَ يعيشُ الماضي بذكرياتِهِ العطرةِ، كانتْ السيدةُ "فاطمة" تُرتِّبُ فُسحةَ صالونِها، تُزيِّنُها ببعضِ الزُّهورِ التي قطفتْها منْ حديقتِها. كانتْ تنتظرُ، وقلبُها يرقُبُ، لا لـ "عمران" فحسب، بلْ لـ "ليلى" أيضًا. كانتْ تشعرُ بأنَّ ما يجمعُهما أقوى منَ أيِّ خلافٍ، وأنَّ حُبَّهما الصَّافيَّ قادرٌ على اجتيازِ أيِّ عاصفةٍ.

عندما دخلتْ "ليلى"، كانَ وجهُها يعكسُ مزيجًا منَ الحزنِ والأملِ. احتضنتْ السيدةُ "فاطمة" ابنتَها بالتبنِّي، وشعرتْ بالدفءِ الذي تبثُّهُ. "كيفَ حالُكِ يا ابنتي؟" سألتْ بصوتٍ حنونٍ، وعيناها تلمعانِ بالشُّوقِ. "الحمدُ للهِ يا أمَّاهِ، ولكنَّ قلبي لا يطمئنُّ." أجابتْ "ليلى"، والصوتُ يعتريهُ بعضُ الارتعاشِ. "أعلمُ، أعرفُ أنَّ قلبَكِ مُتعلقٌ بابني. ولكنَّ اللهَ معَ الصَّابرينَ." قالتْ السيدةُ "فاطمة"، مُمسكةً بيدِ "ليلى"، مُشعرَةً إياها بالرِّفقِ.

كانَ "عمران" قدْ عادَ أخيرًا إلى منزلِ العائلةِ، ولكنهُ لم يكُنْ هوَ "عمران" الذي عرفتهُ "ليلى" والسيدةُ "فاطمة". كانَ وجهُهُ شاحبًا، وعيناهُ غائرتينِ، تبدو عليهِ علاماتُ الإرهاقِ والقلقِ. بالكادِ استجابَ لتحيَّاتِ والدتِهِ، وقضى معظمَ وقتِهِ في غُرفتِهِ، مُنغلقًا على عالمِهِ الافتراضيِّ. لقدْ تعمَّقَ في غياهبِ الإنترنتِ، وبدأَ يكتشفُ خيوطًا مُعقدةً منَ المؤامراتِ الماليَّةِ، وممارساتٍ مشبوهةٍ تُديرُها شخصيَّاتٌ لا تعرفُ الرحمةَ.

في تلكَ الأيامِ، كانَ "عمران" قدْ بدأَ يغوصُ أعمقَ في شبكةِ "سعيد". اكتشفَ أنَّ "سعيد" لم يكُنْ مجردَ رجلِ أعمالٍ ناجحٍ، بلْ كانَ يتحكَّمُ في جزءٍ كبيرٍ منْ سوقِ التكنولوجيا، باستخدامِ أساليبَ غيرَ أخلاقيَّةٍ. كانتْ لديهِ معلوماتٌ عنْ كلِّ منافسيهِ، وكانَ يستخدمُها للتَّفاوضِ، أو للابتزازِ، أو للتَّخريبِ. بدأَ "عمران" يشعرُ بشعورٍ غريبٍ، مزيجٍ منَ الغضبِ والخوفِ. الغضبُ منَ الظُّلمِ الذي يمارسُهُ "سعيد"، والخوفُ منَ الوقوعِ في فخاخِهِ.

في إحدى الليالي، بينما كانَ "عمران" يتتبعُ حركةَ أموالٍ مشبوهةٍ تخصُّ "سعيد"، اكتشفَ شيئًا خطيرًا. كانتْ هناكَ صفقةٌ كبيرةٌ ستُجرى قريبًا، صفقةٌ تتعلَّقُ بتكنولوجيا حسَّاسةٍ، يمكنُ أنْ تُستخدمَ في أغراضٍ عسكريَّةٍ. لقدْ كانتْ خطيرةً على الأمنِ القوميِّ. وبدأَ "عمران" يشعرُ بأنَّهُ مُطالبٌ بأنْ يفعلَ شيئًا. ولكنْ ماذا؟ كانتْ معرفتُهُ محدودةً، ومكانتُهُ في هذا العالمِ غيرُ مؤكَّدةٍ.

توجَّهَ "عمران" إلى "خالد"، يبحثُ عنْ ملاذٍ، وعنْ مشورةٍ. كانَ "خالد" لا يزالُ يشفقُ عليهِ، ويرى فيهِ صديقَ الأمسِ. "يا عمران، ما الذي تفعلُهُ بنفسِكَ؟" قالَ "خالد" بلهجةٍ جادَّةٍ، بينما كانا جالسينَ في مقهى هادئٍ. "أرى أشياءً يا خالد، أشياءً خطيرةً. هناكَ فسادٌ كبيرٌ، وتدميرٌ مُخطَّطٌ لهُ." أجابَ "عمران"، وبصوتِهِ نبرةٌ منَ اليأسِ. "وما دخلكَ أنتَ بهذا؟ أنتَ لم تكُنْ يومًا رجلَ مشاكلٍ." قالَ "خالد"، مُحاولًا أنْ يجعلهُ يرى الأمورَ بعقلانيَّةٍ. "ربما لم أكُنْ، ولكنْ الآنَ، أشعرُ بمسؤوليَّةٍ. أشعرُ بأنَّ عليَّ أنْ أفعلَ شيئًا."

بدأتْ "ليلى" تشعرُ بأنَّ "عمران" يبتعدُ عنها أكثرَ فأكثرَ. عندما يتحدَّثُ إليها، يبدو شاردَ الذهنِ، وكأنَّهُ يعيشُ في عالمٍ آخرَ. في إحدى المراتِ، سألتْهُ عنْ خططِهما المستقبليَّةِ، عنْ زفافِهما. نظرَ إليها "عمران" بعينينِ فارغتينِ، وقالَ: "ليلى، أنا مشغولٌ جدًّا الآنَ. لا أستطيعُ التفكيرَ في شيءٍ آخرَ." شعرتْ "ليلى" بلسعةٍ في قلبِها. هلْ كانَ هذا نهايةَ كلِّ شيءٍ؟

في هذهِ الأثناءِ، بدأَ "سعيد" يشعرُ بوجودِ منْ يتتبعُهُ. كانتْ هناكَ "ثرثراتٌ" صغيرةٌ، "أخطاءٌ" في مساراتِ بياناتِهِ. بدأَ يتَّخِذُ إجراءاتٍ وقائيَّةً. أرسلَ إلى "عمران" رسالةً مُبطَّنةً، تحملُ تهديدًا واضحًا. "منْ يعبثُ بالنَّارِ، يحترقُ." كانتْ الرسالةُ قصيرةً، ولكنَّها كافيةٌ لزعزعةِ استقرارِ "عمران".

شعرَ "عمران" بأنَّهُ أصبحَ وحيدًا في هذا الصِّراعِ. والداهُ لا يفهمانِ حجمَ ما يحدثُ، و"ليلى" تبتعدُ عنه بسببِ إهمالِهِ. و"خالد" يحاولُ إعادتَهُ إلى الواقعِ، ولكنَّ الواقعَ الذي يعيشُهُ "عمران" أصبحَ مليئًا بالغموضِ والمخاطرِ. كانَ يشعرُ وكأنَّهُ يقفُ على حافةِ الهاويةِ، وكلُّ خطوةٍ تخطوها قدمُهُ، قدْ تكونُ الأخيرةَ.

في إحدى الليالي، وجدَ "عمران" نفسَهُ أمامَ خيارٍ صعبٍ. اكتشفَ طريقةً للوصولِ إلى معلوماتٍ حسَّاسةٍ جدًّا عنْ "سعيد"، معلوماتٍ تكفي لتدميرِهِ نهائيًّا. ولكنَّ هذهِ الطريقةَ كانتْ تتطلَّبُ اختراقَ أنظمةٍ أمنيَّةٍ قويَّةٍ، وهيَ جريمةٌ يعاقبُ عليها القانونُ بشدَّةٍ. كانَ عليهِ أنْ يقرِّرَ: هلْ يرتكبُ جريمةً لأجلِ تحقيقِ العدالةِ، أمْ يتركُ الشرَّ ينتصرُ؟

وقفتْ "ليلى" أمامَ نافذةِ غُرفتِها، تنظرُ إلى سماءِ الليلِ المرصَّعةِ بالنجومِ. كانتْ تتذكَّرُ عندما وعدَها "عمران" بأنَّ نجومَ السماءِ لنْ تفارقَ حياتَهُما. الآنَ، تبدو النجومُ بعيدةً، باهتةً، وكأنَّها تشهدُ على قصَّةِ حبٍّ بدأتْ تضيعُ في الظلامِ. هلْ سيبقى هناكَ أملٌ؟ هلْ سيجدُ "عمران" طريقَهُ إلى النورِ قبلَ فواتِ الأوانِ؟

في تلكَ الليلةِ، شعرَ "عمران" بثقلِ العالمِ على كتفَيهِ. لقدْ أدركَ أنَّ رغبتَهُ في الثَّراءِ السَّريعِ، قدْ قادتْهُ إلى مكانٍ مظلمٍ، وأنَّ إدمانَهُ على عالمِ الإنترنتِ، قدْ جعلهُ ينسى معنى الحبِّ، والعائلةِ، والشَّرفِ. هلْ كانَ قادرًا على التَّخلُّصِ منْ هذا الفخِّ، أمْ سيبقى أسيرًا لوساوسِ السَّرابِ؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%