النجوم والأرض الجزء الثالث

ظِلالُ الخِيانةِ

بقلم بلال الصادق

عادتِ الرِّياحُ تهبُّ، تحملُ معها برودةً لم تكُنْ متوقَّعةً في هذا الوقتِ منَ العامِ. كانتْ شمسُ الصَّباحِ تُحاولُ اختراقَ الغيومِ الرماديَّةِ التي سدلتْ سِتارَها على المدينةِ، كأنَّها تُحاكي عتمةً تتسلَّلُ إلى قلوبِ بعضِ سكَّانِها. في شقَّةِ "عمران" الحديثةِ، التي أصبحتْ معزولةً عنِ العالمِ الخارجيِّ، لم يكُنْ هناكَ سوى ضوءِ شاشاتِ الحاسوبِ المُتوهِّجِ، وصوتِ نقراتِ لوحةِ المفاتيحِ التي لا تنقطعُ. كانَ "عمران" قدْ تجاوزَ مرحلةَ الإدمانِ البسيطِ، ووصلَ إلى مرحلةٍ أعمقَ، حيثُ أصبحَ عقلُهُ أسيرًا للمعلوماتِ، وللتحليلاتِ المُعقَّدةِ، ولسباقِ محمومٍ لا يعرفُ نهايةً.

لم تكُنْ رؤيتُهُ للواقعِ واضحةً بعدَ الآنَ. الأرقامُ والأكوادُ أصبحتْ لغتَهُ الوحيدةُ، والأرباحُ والخسائرُ أصبحتْ مقياسَ نجاحِهِ الوحيدَ. كانَ يشعرُ بنشوةٍ غريبةٍ كلَّما اكتشفَ ثغرةً جديدةً، أو نجحَ في تجاوزِ إجراءٍ أمنيٍّ. تلكَ النَّشوةُ كانتْ تُنسيهِ كلَّ شيءٍ آخرَ، تُنسيهِ "ليلى"، وتُنسيهِ والدتَهُ، بلْ وتُنسيهِ نفسَهُ.

في تلكَ الأيَّامِ، كانَ "سعيد" قدْ بدأَ يشكُّ في "عمران" بشكلٍ أكبرَ. لم تكُنِ الأخطاءُ عشوائيَّةً، بلْ كانتْ مُنظَّمةً، ودقيقةً، وتُشيرُ إلى شخصٍ يمتلكُ ذكاءً استثنائيًّا وقدرةً على التَّخفِّي. بدأَ "سعيد" في تحريكِ خيوطِهِ، مُعتمدًا على شبكتِهِ الواسعةِ منَ العيونِ والآذانِ. كانَ يمتلكُ فريقًا منَ المُتخصِّصينَ في الأمنِ السيبرانيِّ، وأرسلَ إليهمُ الأمرَ بالبحثِ عنْ مصدرِ هذهِ "المشاكلِ".

في غُرفةِ "ليلى" الهادئةِ، كانَ الصَّمتُ هوَ المسيطرَ. كانتْ تُحاولُ جاهدةً أنْ تُحافظَ على رباطةِ جأشِها، ولكنَّ القلقَ بدأَ يتسلَّلُ إلى روحِها. لم يكُنْ "عمران" يتواصلُ معها إلا نادرًا، وكانتْ كلماتهُمُ قليلةً، باردةً. في إحدى الليالي، لم تستطعْ "ليلى" الصَّبرَ أكثرَ. اتَّصلتْ بـ "خالد"، تبحثُ عنْ طمأنينةٍ، أو ربما عنْ إجابةٍ.

"خالد، أرجوكَ، هلْ تستطيعُ مساعدتي؟" قالتْ "ليلى" بصوتٍ مُختنقٍ. "بالطَّبعِ يا ليلى، ما الذي يحدثُ؟" أجابَ "خالد" بقلقٍ. شرحتْ لهُ "ليلى" كيفَ أنَّ "عمران" غائبٌ، وكيفَ أنَّهُ أصبحَ غريبًا. "أنا قلقةٌ جدًّا عليهِ، أشعرُ بأنَّ شيئًا ما خطيرٌ يحدثُ."

"خالد" استمعَ بإنصاتٍ. كانَ يعلمُ أنَّ "عمران" في ورطةٍ، ولكنهُ لم يكُنْ يعرفُ مدى عمقِها. "لا تقلقي يا ليلى، سأحاولُ أنْ أتحدَّثَ إليهِ مرَّةً أخرى. ربما أستطيعُ أنْ أجعلهُ يرى الأمورَ بوضوحٍ." قالَ "خالد"، مُحاولًا أنْ يُطمئنَها.

في هذا الوقتِ، كانَ "عمران" قدْ اكتشفَ شيئًا مُرعبًا. لم تكُنِ الصفقةُ التي يُخطِّطُ لها "سعيد" مجردَ صفقةٍ تجاريَّةٍ، بلْ كانتْ عمليَّةَ تحويلِ تكنولوجيا عسكريَّةٍ سريَّةٍ إلى دولةٍ عدوَّةٍ. كانتْ خيانةً عُظمى للوطنِ. شعرَ "عمران" بالدَّمِ يتجمَّدُ في عروقِهِ. الآنَ، لم يكُنِ الأمرُ مجردَ سباقٍ من أجلِ المالِ، بلْ أصبحَ صراعًا من أجلِ الوطنِ.

ولكنْ، كيفَ يمكنُهُ أنْ يثبتَ ذلكَ؟ كيفَ يمكنُهُ أنْ يُقدِّمَ دليلًا قاطعًا؟ بدأَ "عمران" في البحثِ عنْ دليلٍ، كانَ يشعرُ بأنَّ الوقتَ يداهمُهُ. في أثناءِ بحثِهِ، عثرَ على معلوماتٍ عنْ شخصٍ مُقربٍ منْ "سعيد"، شخصٍ يعملُ كـ "مُستشارٍ" لديهِ، ولكنَّهُ في الحقيقةِ، كانَ عيْنَ "سعيد" في الخارجِ. كانَ هذا المُستشارُ، "فارس"، هوَ الذي يُديرُ جزءًا كبيرًا منَ العمليَّاتِ المُشبَّهةِ.

اكتشفَ "عمران" أنَّ "فارس" كانَ يمتلكُ حساباتٍ سرِّيَّةً، وكانَ يتواصلُ معَ جهاتٍ غامضةٍ. بدأَ "عمران" يتتبَّعُ "فارس"، وبدأَ يشعرُ بأنَّهُ يقتربُ منَ الحقيقةِ. ولكنْ، في المقابلِ، كانَ "فارس" و"سعيد" قدْ بدأا يشكُّانِ في "عمران" بشكلٍ كبيرٍ.

ذاتَ مساءٍ، استدعَى "سعيد" "عمران" إلى مكتبِهِ الفاخرِ. كانَ الجوُّ متوتِّرًا، والهواءُ ثقيلًا. "عمران، لقدْ لاحظتُ أنَّكَ تُظهِرُ اهتمامًا كبيرًا بالتَّفاصيلِ هذهِ الأيَّامِ،" قالَ "سعيد" بابتسامةٍ باردةٍ. "أنا فقطْ أحاولُ أنْ أُتقِنَ عملي، يا سيِّدي." أجابَ "عمران"، مُحاولًا أنْ يُخفيَ خوفَهُ. "ولكنَّ إتقانَ العملِ لا يعني التَّطفُّلَ على شؤونٍ لا تعنيكَ." قالَ "سعيد"، ووصلَ صوتُهُ إلى نبرةٍ تهديدٍ. "تذكَّرْ، عالمُنا هذا واسعٌ، وفيهِ الكثيرُ منَ الشَّرِّ. ومنْ يحاولُ أنْ يلعبَ بالنَّارِ، قدْ يحترقُ."

شعرَ "عمران" بأنَّهُ وقعَ في فخٍّ. لقدْ كانَ "سعيد" يعرفُ الكثيرَ. بدأَ يشعرُ بأنَّ هناكَ خيانةً ما تحدثُ، وأنَّ شخصًا ما يُمثِّلُ عليهِ. هلْ كانَ "فارس" يتجسَّسُ عليهِ؟ أو ربما، هلْ كانَ هناكَ شخصٌ قريبٌ منهُ يُقدِّمُ معلوماتٍ لـ "سعيد"؟

في غُرفتِهِ، كانَ "عمران" يُفكِّرُ. نظرَ إلى صورةٍ قديمةٍ لهُ معَ "خالد" و"ليلى". كانا يضحكانِ، مُتعاونينَ، يُشاركونَ أحلامَهم. الآنَ، يشعرُ بأنَّهُ فقدَ كلَّ شيءٍ. بدأَ يشكُّ في كلِّ شيءٍ، في كلِّ شخصٍ.

في تلكَ الليلةِ، حصلَ "عمران" على خيطٍ ذهبيٍّ. اكتشفَ أنَّ "فارس" قدْ أرسلَ رسالةً إلى "سعيد"، يُبلِّغُهُ فيها بأنَّ "عمران" أصبحَ يَكشِفُ بعضَ الأمورِ. والأهمُّ من ذلكَ، اكتشفَ "عمران" بأنَّ "فارس" كانَ يتواصلُ معَ جهةٍ خارجَ البلادِ، وكانَ يُقدِّمُ لها معلوماتٍ تفصيليَّةً عنْ خططِ "سعيد" وعنْ نقاطِ ضعفِهِ.

ولكنَّ الأمرَ لم يكُنْ بهذهِ البساطةِ. كلَّما اقتربَ "عمران" منَ الحقيقةِ، زادتِ المخاطرُ. شعرَ بأنَّهُ مُحاطٌ بالظِّلالِ، وأنَّ كلَّ خُطوةٍ يخطوها، قدْ تكونُ الأخيرةَ. هلْ كانَ "فارس" هوَ الشَّخصُ الوحيدُ الذي يُخونُ؟ أمْ أنَّ هناكَ خياناتٍ أخرى أكبرَ، وخفيَّةً؟

في هذهِ الأثناءِ، كانتْ "ليلى" قدْ قرَّرتْ أنْ تواجهَ "عمران". ذهبتْ إلى شقَّتِهِ، ولكنَّ البابَ كانَ مُغلقًا. حاولتْ الاتصالَ بهِ، ولكنَّ هاتفَهُ كانَ مغلقًا. شعرتْ ببردٍ عميقٍ يتسلَّلُ إلى قلبِها، وكأنَّها ترى نهايةَ كلِّ شيءٍ.

في غُرفتِهِ، كانَ "عمران" يرى كلَّ شيءٍ بوضوحٍ. لم يكُنْ هناكَ مكانٌ للشكِّ أو التَّردُّدِ. لقدْ اكتشفَ خيانةً كُبرى، خيانةً تهديدُ الوطنَ. والآنَ، عليهِ أنْ يتَّخِذَ قرارًا، قرارًا قدْ يُغيِّرُ مصيرَهُ، ومصيرَ بلادِهِ. هلْ سيُقاتلُ من أجلِ الحقيقةِ، أمْ سيستسلمُ للظلامِ؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%