النجوم والأرض الجزء الثالث
خُيوطُ الأملِ المُتَشابِكَةِ
بقلم بلال الصادق
ارتسمَ فجرٌ جديدٌ على الأفقِ، مُلوِّنًا السَّماءَ بلونٍ ورديٍّ باهتٍ، كأنَّهُ يُبشِّرُ بتغييرٍ وشيكٍ. في منزلِ "عمران" القديمِ، حيثُ اعتادتِ السَّكينةُ أنْ تسكنَ، كانَ هناكَ بعضُ الحراكِ. السيدةُ "فاطمة"، بقلبٍ يعتصرهُ القلقُ، كانتْ تُعدُّ فطورًا خفيفًا، عيناها تترقَّبُ خروجَ ابنِها منْ غُرفتِهِ. لم يكُنْ "عمران" قدْ غادرَ غُرفتَهُ منذُ أيامٍ، مُنغلقًا على نفسِهِ، وعلى شاشاتِهِ المُضيئةِ.
خرجَ "عمران" أخيرًا، وجهُهُ شاحبٌ، وعيناهُ تحملانِ ثقلَ ليلةٍ طويلةٍ منَ التَّفكيرِ. رأى والدتَهُ، فابتسمَ ابتسامةً باهتةً، وقالَ: "صباحُ الخيرِ يا أمِّي." "صباحُ النُّورِ يا بني،" أجابتْ السيدةُ "فاطمة"، مُحاولةً أنْ تُخفيَ قلقَها. "هلْ أنتَ بخيرٍ؟" سألتْ، ونبرةُ صوتِها تحملُ حنانًا عظيمًا. "أنا بخيرٍ، مجردُ بعضِ الإرهاقِ." قالَ "عمران"، ولكنَّ عينيهِ كانتا تُخفيانِ شيئًا أعمقَ.
لقدْ كانَ "عمران" في تلكَ الليلةِ قدْ اتَّخذَ قرارًا. قرارًا شجاعًا، ومُحفوفًا بالمخاطرِ. بعدَ أنْ اكتشفَ خيانةَ "فارس" ومُخطَّطاتِ "سعيد"، أدركَ أنَّهُ لا يستطيعُ أنْ يبقى صامتًا. وأنَّ واجبَهُ الوطنيَّ والدينيَّ يفرضُ عليهِ أنْ يتحرَّكَ. لم يكُنْ لديهِ دليلٌ دامغٌ، ولكنَّ لديهِ معلوماتٌ خطيرةٌ، معلوماتٌ كافيةٌ لإثارةِ الشَّبهاتِ، وللبدءِ في تحقيقاتٍ جادَّةٍ.
قرَّرَ "عمران" أنْ يتَّصلَ بـ "خالد". كانَ "خالد" هوَ الشَّخصُ الوحيدُ الذي يثقُ بهِ تمامًا، وكانَ لديهِ بعضُ العلاقاتِ في الأوساطِ المُختلفةِ. "خالد، أحتاجُ لمساعدتِكَ، وبشدَّةٍ،" قالَ "عمران" عندما ردَّ "خالد" على الهاتفِ. "ما الذي يحدثُ يا عمران؟" سألَ "خالد" بلهفةٍ. شرحَ "عمران" لـ "خالد" ما اكتشفَهُ، مُحذِّرًا إياهُ منْ خطورةِ الموقفِ.
"هذهِ أمورٌ خطيرةٌ جدًّا يا عمران،" قالَ "خالد" بعدَ أنْ استمعَ بصمتٍ. "يجبُ أنْ نكونَ حذرينَ جدًّا. أينَ أنتَ الآنَ؟" "أنا في المنزلِ، ولكنْ يجبُ أنْ نتقابلَ في مكانٍ آمنٍ، وسرِّيٍّ." قالَ "عمران".
اتَّفقَ "عمران" و"خالد" على الالتقاءِ في حديقةٍ عامَّةٍ بعيدةٍ عنْ أعينِ المتطفِّلينَ. التقيا تحتَ ظلِّ شجرةٍ وارفةٍ، وبدأَ "عمران" يُقدِّمُ لـ "خالد" كلَّ المعلوماتِ التي جمعَها، والأدلةَ التي حصلَ عليها. كانَ "خالد" يستمعُ بتركيزٍ شديدٍ، ووجهُهُ يعكسُ مزيجًا منَ الصَّدمةِ والإصرارِ.
"لقدْ رأيتُ أسماءً في هذهِ القوائمِ، يا عمران، أسماءً لشخصيَّاتٍ نافذةٍ،" قالَ "خالد" بصوتٍ مُنخفضٍ. "هذا يعني أنَّ الأمرَ أكبرُ مما نتصوَّرُ." "أعلمُ، ولكنْ لا نستطيعُ أنْ نسمحَ لهُم بفعلِ ما يُريدونَ. يجبُ أنْ نُقدِّمَ هذهِ المعلوماتِ لجهةٍ مسؤولةٍ، لجهاتٍ تُحاربُ الفسادَ." قالَ "عمران".
"هناك شخصٌ واحدٌ أثقُ بقدرتِهِ على المساعدةِ،" قالَ "خالد". "سيِّدُ "أحمد"، رجلُ قانونٍ معروفٌ بنزاهتِهِ وشجاعتِهِ. لديَّ علاقةٌ بهِ. سأتَّصلُ بهِ، وسأُحاولُ أنْ أرتبَ لقاءً."
في هذهِ الأثناءِ، كانتْ "ليلى" لا تزالُ تشعرُ بالضِّيقِ الشَّديدِ. لم تستطعْ أنْ تتواصلَ معَ "عمران"، وبدأتْ تشعرُ بأنَّ شيئًا ما قدْ حدثَ لهُ. قرَّرتْ أنْ تزورَ منزلَ "عمران" مرَّةً أخرى. عندما وصلتْ، وجدَتْ السيدةَ "فاطمة" جالسةً في الصَّالونِ، تبدو عليها علاماتُ الحزنِ والقلقِ.
"يا أمَّاهِ، أينَ عمران؟" سألتْ "ليلى" بقلقٍ. "لقدْ خرجَ في الصَّباحِ، ولم يعُدْ حتَّى الآنَ." قالتْ السيدةُ "فاطمة"، وصوتُها يرتعشُ. "لم يتَّصلْ بي، ولم يُخبرني إلى أينَ ذهبَ."
شعرَتْ "ليلى" بأنَّ هناكَ