عالم الغد الجزء الثالث
سراديب الزمن ونداء الواجب
بقلم طارق الحكيم
استقبلت فاطمة، وهي سيدةٌ تجاوزت الأربعين من عمرها، الخبر بقلبٍ ممتلئٍ بالقلق، ولكنه أيضاً يحمل قدراً من الفخر. لم تكن ليلى مجرد ابنتها، بل كانت فلذة كبدها، وروحها الثانية. لقد رأت فيها منذ صغرها لمعاناً خاصاً، قدرةً على فهم الأمور بعمقٍ وتفكيرٍ استراتيجي لا يتوافر للكثيرين. قرار ليلى بالمضي قدماً في مهمةٍ قد تحمل مخاطر جمة، كان في الوقت ذاته تأكيداً على قوتها وشجاعتها.
"يا ليلى،" قالت فاطمة بصوتٍ يحمل رجفةً خفيفة، "قلبي لا يزال يخفق بقوة. إن كانت هذه هي إرادتك، فليكن. ولكن تذكري دائماً أن الأمان هو أغلى ما نملك. العالم الذي سنعود إليه ليس كالعالم الذي تركناه. إنه عالمٌ يتغير بسرعة، ويحمل معه تحدياتٍ لم نعهدها."
"أعلم يا أمي،" أجابت ليلى، وهي تمسك بيد والدتها بقوة، "ولكن ما فائدة الأمان إذا لم نكن ندافع عن القيم التي نؤمن بها؟ إذا لم نسعَ لإصلاح ما فسد؟ جدي ترك لنا إرثاً عظيماً، وإذا لم نأخذ على عاتقنا مسؤولية الحفاظ عليه وتنميته، فمن سيفعل؟"
كان بدر، الذي كان يستمع إلى حديثهما، يشعر بحماسٍ يملؤه. كان يرى في قرار ليلى دليلاً على نضجها، وعلى قدرتها على تحمل المسؤولية. كان يتوق لمواجهة المجهول، لا بدافع الطيش، بل بدافع الإيمان بأنه جزءٌ من هذه القضية.
"أمي،" قال بدر، "سأكون بجوار أختي. لن أتركها وحدها. أنا أيضاً أريد أن أساهم. أريد أن أتعلم. وأن أبني مستقبلاً يليق بنا."
ابتسمت فاطمة ابتسامةً خفيفة، ورأت في عيني بدر إصراراً لا يلين. "بارك الله فيكما يا أبنائي. سأدعو الله أن يحفظكما. ولكن يجب أن نكون حذرين. أرى أننا بحاجةٍ إلى معلوماتٍ أكثر عن هذا العالم الجديد. كيف يمكننا الحصول عليها؟"
هنا، دخلت جدة ليلى، السيدة عائشة، وهي امرأةٌ وقورةٌ ورزينة، تحمل في عينيها حكمة السنين. كانت صامتةً في البداية، تستمع إلى حديث أبنائها وأحفادها.
"يا فاطمة،" قالت السيدة عائشة بصوتٍ هادئ ولكنه قوي، "الوقت ليس وقت التردد، بل وقت العمل. لقد مرت سنونٌ طويلة، والعالم يتغير. يجب أن نبحث عن المصادر الموثوقة. أعلم أن هناك من كان لديه علاقاتٌ في السابق مع بعض الأطراف التي كانت تعمل خارج مدينتنا. قد يكون لديهم بعض المعلومات. ولكن الحذر واجب."
"من تقصدين يا جدتي؟" سألت ليلى باهتمام.
"أتحدث عن الأستاذ سليم،" أجابت السيدة عائشة. "كان رجلاً واسع المعرفة، وكان له اهتمامٌ كبيرٌ بالأحداث التي تجري خارج حدودنا. فقد حياته في ظروفٍ غامضة قبل سنوات. ولكنه ترك وراءه بعض الوثائق والأبحاث. أعتقد أن شيئاً منها قد يكون محفوظاً لدى بعض أصدقائه القدامى."
"وهل تعرفين أين يمكننا العثور على هؤلاء الأصدقاء؟" سأل بدر بحماس.
"هذا هو التحدي،" قالت السيدة عائشة. "لقد تفرقوا. ولكن أعتقد أن هناك رجلاً يدعى محمود، كان مقرباً من الأستاذ سليم. يقال أنه يعيش الآن في حي "الواحة القديمة"، بالقرب من سوق العطارين. إنه رجلٌ كبيرٌ في السن، ولكن لديه ذاكرةً قوية."
شعرت ليلى بأن هذه فرصةٌ ثمينة. الحصول على معلوماتٍ من شخصٍ كان قريباً من الأستاذ سليم، قد يفتح لهم أبواباً كانت مغلقة. "سأذهب لأبحث عنه،" قالت ليلى بحزم. "غداً في الصباح الباكر."
"لا يا ابنتي،" قالت السيدة عائشة. "الأمر ليس بهذه البساطة. هذا الحي قد لا يكون آمناً تماماً. سأذهب معك. وقد أحضر معي بعض الأشياء التي قد تكون مفيدة."
فهمت ليلى كلام جدتها. السيدة عائشة لم تكن مجرد جدة، بل كانت امرأةً قوية، لديها خبرةٌ في الحياة، وتدرك جيداً المخاطر المحتملة.
في تلك الليلة، استعدت ليلى بشكلٍ مختلف. لم تكن مجرد تجهيزاتٍ للمرحلة القادمة، بل كانت تجهيزاتٍ نفسية. ارتّبت أوراقها، وراجعت ما لديها من معرفة. تذكرت الدروس التي تعلمتها من جدها، ومن والدتها، ومن كل شخصٍ مر في حياتها.
في الصباح التالي، مع أول خيوط الشمس، كانت ليلى والسيدة عائشة مستعدتين للخروج. ارتدت ليلى ملابسها التي تناسب رحلةً إلى مكانٍ غير مألوف، مع إخفاء بعض الأدوات التقنية التي كانت تمتلكها. أما السيدة عائشة، فقد ارتدت ملابسها التقليدية، ولكنها وضعت في حقيبتها بعض الأغراض التي بدت عادية، ولكنها كانت تحمل في طياتها أسراراً.
"تذكري يا ليلى،" قالت السيدة عائشة وهي تضع يدها على كتفها، "الأمر ليس مجرد استعادة معلومات. إنه فهمٌ للسياق. لماذا كان الأستاذ سليم يهتم بهذه الأمور؟ وما الذي كان يسعى إليه؟ هذه الأسئلة هي مفاتيح الحقيقة."
انطلقت ليلى مع جدتها نحو حي "الواحة القديمة". كان الحي قديماً، ببيوته الطينية المتلاصقة، وشوارعه الضيقة الملتوية. كان الهواء فيه يحمل عبق التاريخ، ورائحة البخور والبهارات. كانت الوجوه التي تلتقي بها غريبة، ولكنها كانت تحمل قصصاً.
وبينما كانتا تمشيان، كانت ليلى تشعر بأنها تسير في دروبٍ لم تطأها قدماها من قبل. لم يكن الأمر مجرد بحثٍ عن معلومات، بل كان رحلةً لاستكشاف سراديب الزمن، ونداءً داخلياً يذكرها بواجبها تجاه عالمٍ بحاجةٍ إلى بصيرةٍ وأمل. شعرت بأنها تدخل مرحلةً جديدة، مرحلةً تتطلب منها كل ما لديها من قوةٍ وعزم.