عالم الغد الجزء الثالث

لقاء محمود وحقائق الماضي

بقلم طارق الحكيم

وصلت ليلى وجدتها إلى حي "الواحة القديمة"، وبدأت السيدة عائشة تسأل عن محمود. كان الحي أشبه بمتاهةٍ من الأزقة الضيقة والبيوت المتراصة. كانت الوجوه التي تظهر من النوافذ تراقب الغريبتين باهتمام. بعضهم كان يبتسم، وبعضهم كان ينظر بارتياب.

"أتذكر أنه كان يعيش بالقرب من المسجد الكبير،" قالت السيدة عائشة وهي تشير بإصبعها. "كان له دكانٌ صغيرٌ لبيع الأعشاب النادرة. ولكن يبدو أن المكان قد تغير كثيراً."

بعد فترةٍ من البحث، توقفت السيدة عائشة أمام بابٍ خشبي قديم، مزخرفٌ بنقوشٍ بسيطة. كان الباب مغلقاً، ولكن كان هناك ضوءٌ خافتٌ يتسلل من خلال شقٍ صغير.

"هذا هو المكان،" قالت السيدة عائشة. "كان له بيتٌ بجوار دكانه."

دقّت ليلى الباب برفق. بعد لحظات، سمعتا صوت خطواتٍ قادمة. ثم انفتح الباب ببطء، ليكشف عن رجلٍ عجوز، ذي لحيةٍ بيضاء طويلة، وعينين نافذتين تحملان ذكاءً لا يزال متقداً. كان يرتدي جلباباً بسيطاً.

"نعم؟" قال الرجل بصوتٍ أجش. "من أنتما؟ وماذا تريدان؟"

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،" قالت السيدة عائشة بوقار. "هل أنت محمود؟"

"نعم، أنا هو،" أجاب الرجل. "ومن أنتما؟"

"أنا عائشة، زوجة سليمان،" قالت السيدة عائشة. "وأنا ابنة المرحوم سليمان، وليلى. كنا نبحث عنك."

اتسعت عينا محمود قليلاً، وظهر على وجهه مزيجٌ من الدهشة والحنين. "عائشة؟ ابنة سليمان؟ سبحان الله! لقد مرت سنونٌ طويلة! ولكن لماذا تبحثان عني؟"

"نحن نبحث عن معلوماتٍ عن الأستاذ سليم،" قالت ليلى. "سمعنا أنك كنت صديقاً مقرباً له، وأنه ترك وراءه بعض الأعمال التي قد تكون ذات قيمة."

أشار محمود بيديه إلى الداخل، ودعاهم للدخول. "تفضلوا، تفضلوا. الحديث عن سليم دائماً ما يثير في نفسي ذكرياتٍ عميقة. لقد كان رجلاً استثنائياً. تفضلوا، اجلسوا."

داخل البيت، كان الأثاث بسيطاً ولكنه مرتب. كانت هناك رفوفٌ مليئةٌ بالكتب القديمة، وأوراقٌ مبعثرةٌ على طاولة. كانت رائحة البخور القوية تملأ المكان.

جلسوا، وبدأ محمود يحكي عن صداقته مع سليم. "لقد تعرفت على سليم في الجامعة. كنا نتشارك نفس الشغف بالمعرفة، ونفس القلق على مستقبل أمتنا. كان سليم رجلاً لا يخشى قول الحق، وكان يمتلك رؤيةً ثاقبةً تتجاوز عصره."

"لقد كان يعمل على مشروعٍ خاص،" قالت السيدة عائشة. "مشروعٌ يتعلق بـ... بالعالم الجديد الذي ظهر."

"نعم،" قال محمود وهو يومئ برأسه. "لقد كان سليم يتوقع ظهور هذا العالم. كان يرى أن التكنولوجيا تتطور بوتيرةٍ متسارعة، وأن هناك حاجةً ماسةً لإعداد أنفسنا. لقد كان يجمع المعلومات من كل حدبٍ وصوب. كان يعتقد أن البشرية تقف على مفترق طرق، وأن القرارات التي نتخذها اليوم ستشكل مستقبل الأجيال القادمة."

"هل لديك أيٌ من أبحاثه؟" سألت ليلى. "أو أيٌ من الوثائق التي تركها؟"

"كان سليم رجلاً حذراً،" أجاب محمود. "لقد كان يعلم أن عمله قد يجعله هدفاً. قبل وفاته بفترةٍ قصيرة، سلمني بعضاً من ملفاته الهامة. طلب مني أن أحافظ عليها، وأن أبحث عن شخصٍ جديرٍ بها إذا ما جاء الوقت المناسب."

نهض محمود، وتوجه نحو خزانةٍ خشبيةٍ قديمة. فتحها ببطء، وأخرج منها صندوقاً معدنياً صغيراً. وضعه على الطاولة أمامهم.

"هذا هو الصندوق،" قال محمود. "لقد حافظت عليه طوال هذه السنوات. لم أكن متأكداً متى سيأتي الوقت المناسب لفتحه. ولكن رؤيتكما اليوم، تجعلني أؤمن بأن هذا هو الوقت."

فتحت ليلى الصندوق بحذر. كانت بداخله مجموعةٌ من الأقراص الرقمية القديمة، وبعض الخرائط، ودفتر ملاحظاتٍ صغير بخط يد سليم. كانت الأقراص تبدو قديمة، ولكن ليلى كانت متأكدةً من أنها ستمتلك الأدوات اللازمة لقراءتها.

"هذا الدفتر،" قالت ليلى وهي تتلمس الصفحات. "إنه مليءٌ بالرموز والمعادلات. هل فهمت يوماً ما كان يعنيه؟"

"كان سليم يعمل على نظريةٍ معقدة،" قال محمود. "نظريةٌ تتعلق بالانتقال عبر الأبعاد، وإمكانية التواصل مع عوالم أخرى. كان يعتقد أن هذا العالم الجديد ليس مجرد اختراع، بل هو اكتشافٌ لما هو موجودٌ فعلاً، ولكن لم نكن ندرك وجوده."

"ولكن لماذا هذا الاهتمام؟" سألت السيدة عائشة. "ما الذي كان يحاول سليم إثباته؟"

"كان سليم يؤمن بأن هناك كائناتٍ أخرى، وأن هناك حضاراتٍ قديمة،" قال محمود. "ولم يكن يخاف من هذا الاختلاف، بل كان يراه فرصةً للتعلم. لقد كان يعتقد أن مواجهة هذه العوالم يمكن أن تقدم للبشرية حلولاً لمشاكلها. ولكن أيضاً، كان يرى خطورةً في سوء استخدام هذه المعرفة. لقد كان يخشى أن تقع في الأيدي الخاطئة."

بينما كانت ليلى تتفحص الدفتر، لمحّت عبارةً معينة مكتوبةٌ بخطٍ كبير: "المفتاح ليس في القوة، بل في الفهم. والفهم الحقيقي يأتي من القلب."

"هذه الكلمات..." قالت ليلى بصوتٍ متأثر. "هذه الكلمات هي مبدأ جدي."

ابتسم محمود. "سليم كان يحترم جدك كثيراً. كانا يتشاركان الكثير من الأفكار. ربما لم يلتقيا مباشرةً، ولكن معرفتهما ببعضهما البعض كانت قوية."

"ولكن كيف توفي سليم؟" سألت السيدة عائشة. "كانت وفاته غامضة، أليس كذلك؟"

تنهد محمود. "لقد كان سليم يقترب من اكتشافٍ كبير. بدأ يتلقى تحذيرات. ولكن لم يكن يخشى. في إحدى الليالي، ذهب ليقابل شخصاً كان يعتقد أنه سيقدم له معلوماتٍ جديدة. لم يعد بعدها. تم العثور على سيارته مهجورةً في منطقةٍ نائية، ولم يتم العثور عليه أبداً."

شعرت ليلى بوخزةٍ من الحزن والأسى. لقد كان سليم رجلاً عظيماً، ضحى بحياته من أجل العلم والمعرفة.

"ماذا عن هذا العالم الجديد؟" سألت ليلى. "هل كان سليم يعرف عنه تفاصيل؟"

"كان سليم لديه نظرياتٌ حول طبيعة هذا العالم،" قال محمود. "لقد كان يعتقد أنه عالمٌ يجمع بين المادي والروحي، وأن التكنولوجيا التي نستخدمها فيه قد تكون مختلفةً تماماً عن تكنولوجيتنا. كان يخشى أن يتجه البشر نحو الاستغلال المادي فقط، وأن ينسوا الجانب الإنساني والأخلاقي."

"لقد أعطيتنا الكثير يا محمود،" قالت ليلى بامتنان. "سنحتفظ بهذه الأمانة، وسنسعى لفهمها. ولكن، هل هناك أيٌ من الأشخاص الذين كان سليم على اتصالٍ بهم، والذين ما زالوا على قيد الحياة، ويمكن أن يفيدونا؟"

"كان له بعض الزملاء،" قال محمود. "ولكن معظمهم اختفوا أو انقطع عنهم الاتصال. هناك رجلٌ واحدٌ فقط، كان يعتقد أنه على وشك تحقيق اكتشافٍ مماثل. اسمه الدكتور فارس. كان يعيش في مدينةٍ بعيدة، وكانت له آراءٌ متشددةٌ بعض الشيء. لا أعلم إن كان ما زال على قيد الحياة، أو أين يمكن إيجاده."

"الدكتور فارس،" كررت ليلى. "سنبحث عنه. شكراً جزيلاً لك يا محمود. لقد أزحت عن كاهلنا عبئاً ثقيلاً، وفتحت لنا آفاقاً جديدة."

عندما خرجت ليلى وجدتها من بيت محمود، كان الظلام قد بدأ ينتشر في أزقة "الواحة القديمة". كانت ليلى تشعر بثقلٍ جديد، ثقل المعلومات والحقائق التي كشفتها. لقد كان ماضي سليم متعلقاً ارتباطاً وثيقاً بمستقبلهم. وكان نداء الواجب يزداد قوةً في قلبها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%