عالم الغد الجزء الثالث
رحلة البحث عن فارس ورياح التغيير
بقلم طارق الحكيم
بعد لقاء محمود، عادت ليلى وجدتها إلى بيتهما، وقلوبهما تعج بمشاعر مختلطة. لقد حصلوا على كنوزٍ من المعلومات، ولكنهم أدركوا أيضاً مدى تعقيد المهمة التي تنتظرهم. كانت كلمات سليم، وتجربة محمود، تزرع في نفوسهم بذرةً من الشك والقلق، ولكنها أيضاً أشعلت فيهم شعلةً من العزيمة.
"يا أمي،" قالت ليلى وهي تعود إلى غرفتها، "يبدو أن الأمر أكبر مما كنت أتوقع. سليم لم يكن مجرد باحث، بل كان رائداً، وكان يرى ما لا يراه الآخرون."
"نعم يا ابنتي،" قالت فاطمة وهي تجلس بجانبها، "لقد رأينا اليوم حقيقةً جديدة. حقيقةٌ تقول إن العالم الذي نعيش فيه، وعالم الغد الذي نتحدث عنه، ليسا مجرد تطورٍ طبيعي، بل قد يكونان نتيجةً لقراراتٍ وخطواتٍ اتخذها بشرٌ قبلك."
"والدكتور فارس،" قالت ليلى وهي تفتح دفتر ملاحظات سليم. "ما الذي تعتقده حوله؟ محمود ذكر أن له آراءً متشددة."
"كلمة "متشدد" قد تعني الكثير،" قالت فاطمة. "قد تعني أنه يؤمن بشدةٍ بقضيته، أو قد تعني أنه ينظر إلى الأمور بطريقةٍ جامدة. علينا أن نكون حذرين. البحث عن الحقيقة يتطلب انفتاحاً، لا إغلاقاً."
في الأيام التالية، بدأت ليلى وبدر في التحضير للرحلة. كان عليهما جمع المؤن، والأدوات اللازمة، والاستعداد للسفر إلى المدينة التي يعتقد أن الدكتور فارس يقيم فيها. كانت فاطمة تشرف على كل شيء، وتدعو لهما بالتوفيق.
"هل أنتِ مستعدة يا ليلى؟" سأل بدر وهو يحمل حقيبةً كبيرة. "رحلتنا تبدأ حقاً الآن."
"مستعدةٌ يا بدر،" أجابت ليلى وهي تتأكد من أن جميع أجهزة الاتصال تعمل بشكلٍ جيد. "لقد اتخذنا قرارنا، والآن علينا المضي قدماً."
أما السيدة عائشة، فقد سلمت ليلى قلادةً قديمة، كانت تحملها جدتها. "هذه القلادة، يا ابنتي، تحمل رمز بركةٍ من الأجداد. ارميها حول عنقك، وستذكرك دائماً بأنك لستِ وحدك. إنها تحمل دعاءً قوياً."
استقبلت ليلى القلادة بامتنان، ووضعتها بعناية. لقد شعرت بأنها تحمل على عاتقها مسؤوليةً كبيرة، ولكنها كانت تشعر أيضاً بوجود دعمٍ روحيٍ قوي.
بعد بضعة أيام، انطلقت ليلى وبدر في رحلتهما. كانت السيارة التي استقلوها قديمة، ولكنها كانت مجهزةً للعمل في ظروفٍ قاسية. كان الطريق طويلاً، يمر عبر صحاري شاسعة، وقرى متناثرة. كان بدر يروي لليلى حكاياتٍ عن المستقبل الذي يتخيله، وكيف سيساهمون في بنائه.
"أتخيل عالماً حيث لا يوجد فقر،" قال بدر بحماس. "حيث يحصل الجميع على تعليمٍ جيد، وحيث يمكننا السفر إلى أي مكانٍ نريده. أريد أن أكون جزءاً من بناء هذا العالم."
"هذه أحلامٌ جميلة يا بدر،" قالت ليلى. "ولكن بناء العالم يتطلب أكثر من مجرد الأحلام. يتطلب عملاً، وتضحية، وفهماً عميقاً للطبيعة البشرية. علينا أن نتذكر دائماً أن العالم الجديد الذي نتحدث عنه، يحمل معه تحدياتٍ أخلاقيةً كبيرة."
"وما هي هذه التحديات؟" سأل بدر.
"إن القدرة على التحكم في عوالم أخرى، أو على استخدام تقنياتٍ لم نعهدها، قد تدفع بعض الناس إلى الغرور، أو إلى الرغبة في السيطرة،" قالت ليلى. "علينا أن نتذكر دائماً تعاليم ديننا، وقيمنا الأصيلة. أن نحرص على أن يكون كل تقدمٍ نحققه في ميزان العدل والخير."
كانتكلماتهما هذه، تتناغم مع الرياح التي كانت تهب على الصحراء، وكأنها تحمل معها همساتٍ من الماضي، ونذيراً بالمستقبل.
بعد رحلةٍ استغرقت عدة أيام، وصلوا أخيراً إلى المدينة. كانت المدينة حديثةً، بناياتها شاهقة، وشوارعها مزدحمة. كانت مختلفةً تماماً عن واحتهم الهادئة.
بدأت ليلى في البحث عن الدكتور فارس. لم يكن الأمر سهلاً. كانت المعلومات قليلة، والاسم لم يكن معروفاً على نطاقٍ واسع. بعد استجواب العديد من الأشخاص، وبعد الكثير من التردد، حصلوا على عنوانٍ يبدو أنه يعود إلى الدكتور فارس.
كان العنوان في منطقةٍ راقيةٍ من المدينة، ولكنها كانت تبدو قديمةً ومنعزلة. وصلوا إلى فيلا كبيرة، محاطةً بحديقةٍ مهملة. كان المكان يوحي بالعزلة والغموض.
دقّت ليلى الباب. بعد لحظات، سمعوا صوت خطواتٍ قادمة. انفتح الباب، ليكشف عن رجلٍ في أواخر الخمسينات، ذي شعرٍ أشيب، وملامح صارمة، وعينين تبدوان ثاقبتين. كان يرتدي معطفاً داكناً.
"من أنتم؟" سأل الرجل بصوتٍ خشن.
"السلام عليكم،" قالت ليلى. "هل أنت الدكتور فارس؟"
نظر إليها الرجل بتمعن، ثم قال: "أنا هو. وماذا تريدان؟"
"نحن نبحث عن معلوماتٍ حول الأستاذ سليم،" قالت ليلى. "سمعنا أنك كنت تعرفه."
شحب وجه الدكتور فارس، وظهر عليه شيءٌ من الانزعاج. "سليم؟ لم أعد أتحدث عنه منذ سنوات. وما علاقة ذلك بكما؟"
"نحن جزءٌ من عائلته،" قالت ليلى. "ولقد ورثنا بعضاً من أبحاثه. أردنا أن نفهم ما كان يعمل عليه."
"أبحاث سليم؟" قال الدكتور فارس بتهكم. "لقد كان رجلاً يؤمن بالخرافات. كان يضيع وقته في أفكارٍ غير واقعية."
"ولكنه كان يؤمن بأن هناك عوالم أخرى،" قالت ليلى. "وكان يعتقد أن هذا العالم الجديد هو بدايةٌ لتغييرٍ كبير."
"العالم الجديد؟" قال الدكتور فارس بحدة. "إنه كارثةٌ! إنها نهاية كل ما نعرفه. البشرية لم تكن مستعدةً لهذه التغييرات. لقد فتحنا باباً لا يمكننا إغلاقه."
بدا أن الدكتور فارس ليس مجرد باحث، بل كان شخصاً يحمل عبئاً ثقيلاً، ويشعر بالندم.
"لماذا تقول ذلك؟" سأل بدر.
"لأنني رأيت،" قال الدكتور فارس ببرود. "لقد رأيت ما يمكن أن يحدث عندما تلعب بالقدر. سليم كان يحلم بالمستقبل، أما أنا، فرأيت كابوسه."
شعرت ليلى بأنها على وشك كشف سرٍ كبير. كانت كلمات الدكتور فارس، بنبرتها القاتمة، تزرع في نفسها قلقاً عميقاً. هل كان حقاً ما يراه الدكتور فارس هو المستقبل الذي ينتظرهم؟