عالم الغد الجزء الثالث

نداء الواجب الجديد

بقلم طارق الحكيم

كانت شمس الظهيرة تلفح رمال الصحراء الممتدة أمام قصر "النور"، وترسم ظلالاً طويلة لأعمدة الحضارة المنسية. في الداخل، حيث الهواء العليل يحمل عبير الزهور التي تتحدى قسوة الطبيعة، جلس المهندس "يوسف" قبالة "زينب"، شقيقته الصغرى، وقلبه يعتصر ألماً. لقد بدأت الآثار المترتبة على اكتشاف "بوابة الأزمان" تتجلى، ولم تكن مجرد تحدٍ علمي، بل كانت مسؤولية تفوق ما تخيله.

"يا زينب،" بدأ يوسف بصوت حاول جهده أن يبقيه ثابتاً، "لقد تجاوزنا كل التوقعات. القوة التي وجدناها في البوابة ليست مجرد طاقة. إنها… مفتاح. مفتاح لفهم الماضي، وربما، للتأثير عليه."

رمشت زينب بعينيها الواسعتين، وقد ارتسم على وجهها قلق لم تعهده فيها من قبل. كانت دائماً رمزاً للتفاؤل والإيمان، ولكن في هذا اليوم، بدا أن الأماني وحدها لا تكفي. "وما الذي يعنيه هذا يا أخي؟ هل يمكن أن نغير ما حدث؟"

تنهد يوسف، وشعر بثقل العالم على كتفيه. "هذا هو السؤال الذي يؤرقني. هل يجب علينا؟ وهل لدينا الحق؟ لقد أمرنا جدنا، رحمه الله، أن نحفظ الأمانة، وأن نسعى للمعرفة، ولكن لم يخبرنا أبداً ماذا نفعل بها إذا اكتشفنا قوة كهذه."

كانت "بوابة الأزمان" أشبه بصدع في نسيج الواقع، يلمع بضوء غريب، ينبعث منه همس كأنه يحمل أصداء حكايات لم تُروَ. منذ اكتشافها، لم يغب يوسف عن تأملاتها، متقمصاً دور الحارس والمستكشف. كانت معادلاته المعقدة، ورسوماته التخطيطية الدقيقة، ترسم مسارات افتراضية لأحداث تاريخية، يستطيع بلمسة واحدة أن يعيد صياغتها.

"تذكر يا يوسف،" قالت زينب بهدوء، وكأنها تقرأ أفكاره، "أن قوة التغيير تأتي مع مسؤولية أعظم. إن التاريخ، بكل ما فيه من آلام وأفراح، قد صاغنا. قد نفتح أبواباً لا نريد أن نراها مفتوحة."

"أعلم،" أجاب يوسف، "ولكن ماذا عن أولئك الذين عانوا ظلماً؟ ماذا عن الظلم الذي لم يُصحح؟ ألا يحق لنا أن نعيد الأمور إلى نصابها؟"

دار في ذهنه وجه "ليلى"، الباحثة الشابة التي انضمت إلى فريقهم مؤخراً. كانت تمتلك روحاً شغوفة بالعدالة، وكانت دائماً ما تطرح أسئلة عميقة حول الأبعاد الأخلاقية لأبحاثهم. كانت ليلى، بطريقتها الهادئة والمؤثرة، قد بدأت تزرع بذور الشك في قلب يوسف نفسه. هل كان سعيه للمعرفة محض فضول علمي، أم كان مدفوعاً برغبة أعمق، رغبة في إصلاح العالم؟

"الأخلاق،" تابعت زينب، "ليست مجرد قواعد نتبعها، بل هي بوصلة توجهنا. إن الله سبحانه وتعالى لم يمنحنا العقل لكي نلعب بالزمن، بل لكي نفهم خلقته، ونسعى لنكون أفضل في زمننا هذا."

شعر يوسف بأن كلمات أخته تلامس وتراً حساساً في روحه. لقد كان مؤمناً قوياً، ولكن ضخامة الاكتشاف قد طغت على الكثير من تعاليم الدين التي تربى عليها. كان يتصارع مع مفهوم القدر، وإرادة الله، مقابل الإرادة البشرية في التصرف.

في تلك الأثناء، كانت "فاطمة"، والدتهما، قد دخلت الغرفة، وفي يديها صينية تحمل فناجين من القهوة العربية الأصيلة، وقطعاً من التمر. كانت حضورها دائماً ما يبعث الطمأنينة. "ما هذا الحديث الجاد يا أبنائي؟ هل هناك ما يقلقكم؟"

ابتسم يوسف ابتسامة باهتة. "لا شيء يا أمي، مجرد نقاش علمي عميق."

جلست فاطمة بجانبهما، ومدت يدها لتلمس وجه يوسف. "أرى القلق في عينيك يا بني. تذكر دائماً، أن أعظم قوة يمتلكها الإنسان ليست في العلم وحده، بل في القلب السليم والنوايا الطيبة. لا تدع قوة العلم تجعلك تنسى قيمك."

نظرت إلى زينب، وأضافت: "والفتاة ليلى، كيف هي؟ أرى فيها ذكاءً وفطنة، ولكن يبدو أن هناك شيئاً يثقل كاهلها."

تورد وجه زينب قليلاً. كان حبها الصامت لـ "أحمد"، زميلهم في فريق البحث، يشغل بالها. أحمد، الذي كان أكثر تردداً في الاقتراب من "بوابة الأزمان"، والذي بدا وكأن لديه تحفظات أعمق من مجرد الخوف. كان أحمد يمتلك حساً مرهفاً بالمسؤولية، وكان دائماً ما يطرح أسئلة حول الأبعاد الروحية للاكتشاف.

"ليلى بخير يا أمي،" أجابت زينب، "إنها مجتهدة ومخلصة. ربما تشعر بضغوط العمل فقط."

أما أحمد، فقد كان بعيداً عن هذا القصر المضيء. كان يمضي وقته في معتكف صحراوي صغير، متأملاً آيات الكون، ومستعيناً بالدعاء. لقد شعر بخطر كامن في "بوابة الأزمان" لم يستطع تفسيره بعد، خطر يتجاوز مجرد الفيزياء. كانت لديه أحلام غريبة، رؤى تحمل رموزاً قديمة، كأنها تحذيرات من كينونات غير مرئية.

كانت "الرؤى" التي تراوده تتزايد قوة، كأنها تدفعه نحو فهم أعمق لما تتضمنه البوابة. لم يكن مجرد آلة زمن، بل كان جسراً بين عوالم، بين حقائق، وبين كينونات. كان أحمد يؤمن بأن الاكتشاف قد يكون مفتاحاً لجولة جديدة من الصراع، صراع لا يقتصر على الأرض.

"أتساءل أحياناً،" قال يوسف، مقاطعاً صمت الغرفة، "ماذا لو لم نستخدم البوابة؟ ماذا لو تركناها كما هي؟ هل سنفقد فرصة لن نجدها مرة أخرى؟"

"الفرص يا أخي،" ردت فاطمة بحكمة، "ليست كلها خيراً. بعض الفرص تكون اختباراً، وبعضها الآخر فخاً. الأهم أن نختار ما يرضي الله، وما يحفظ كرامتنا وكرامة ديننا."

نظرت زينب إلى يوسف، ورأت في عينيه صراعاً داخلياً. لقد كان إنساناً نبيل الأخلاق، ولكن قوة الاكتشاف كانت مغرية، والمسؤولية كانت ثقيلة. كانت تعلم أن قرار يوسف سيحدد مسارهم جميعاً.

"يوسف،" قالت بهدوء، "لقد أثبتت للعالم أنك عقل لامع. ولكن أثبت أيضاً أن قلبك كبير. لا تدع أحداً، ولا حتى فضولك، يقودك بعيداً عن هذا الطريق."

كانت كلماتها بمثابة بلسم لروحه المضطربة. لقد كان يعلم أن لديه دائماً عائلته، وإيمانه، ليعود إليه. لكن "بوابة الأزمان" كانت قد بدأت تلقي بظلالها الطويلة، وظلالها لم تكن مجرد ظلال في الصحراء، بل ظلال على المستقبل.

في الأفق، بدأت النجوم تتلألأ، كأنها شهود صامتون على القرارات المصيرية التي ستُتخذ. شعر يوسف أن النداء الجديد قد بدأ، نداء الواجب، ونداء المسؤولية، وربما، نداء المعركة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%