عالم الغد الجزء الثالث

الهمس في أثير الأزمان

بقلم طارق الحكيم

في جوف الليل، حينما تبلغ السكينة أوجها، وتتوارى عن الأنظار كل زخارف الدنيا، كان "أحمد" جالساً في صحرائه، يحدق في السماء المرصعة بالنجوم. لم تكن هذه مجرد ليالي تأمل عادية بالنسبة له. منذ اكتشاف "بوابة الأزمان"، كان يشعر بأن عالمه قد اهتز بعمق، وأن الواقع الذي اعتاد عليه قد أصبح هشاً كزجاج.

كانت الرؤى التي تلاحقه تتكشف ببطء، كقطع أحجية متناثرة. رأى في إحداها مدينة ضخمة، تتلألأ بمعادن غريبة، وتنبض بحياة لا تشبه الحياة البشرية. وفي أخرى، وجوه قلقة، تتحدث بلغة لم يفهمها، ولكن كان شعور الخوف ينبعث منها كالنار.

"ما هذا الذي يحدث؟" همس أحمد لنفسه، وهو يفرك صدغه. "هل هي مجرد هلوسات بسبب الإجهاد، أم أنها رسائل حقيقية؟"

كان "يوسف"، على الرغم من عبقريته، يميل إلى تفسير كل شيء بمنطق العلم. أما أحمد، فقد كان يرى ما وراء الأرقام والمعادلات. كان يرى الروح، والقدر، والقوى الخفية التي تحكم الكون.

فجأة، شعر برعشة خفيفة تسري في الهواء. لم يكن صوت رياح، بل كان أشبه بهمهمة خفيفة، كأنها قادمة من بعيد جداً. رفع رأسه، وشعر بنبضات قلبه تتسارع. هل كانت البوابة؟ هل كانت تناديه؟

"لا بد أن أخبر يوسف،" قال لنفسه، وقد تيقن أن ما يشعر به ليس وهماً. "هذا يتجاوز مجرد الاكتشاف العلمي."

استجمع شجاعته، وارتدى عباءته، وتوجه نحو سيارته القديمة التي تركها عند حافة الصحراء. كانت الرحلة إلى قصر "النور" طويلة، ولكن قلق أحمد كان أكبر من طول الطريق.

في تلك الأثناء، داخل قصر "النور"، كانت "ليلى" تسهر مع يوسف في مختبره. كانت الأجواء مشحونة بالترقب. لقد تمكن يوسف من فك رموز جزء صغير من البيانات التي تم جمعها من البوابة، وكانت هذه الرموز تتحدث عن "تيارات زمنية" متدفقة، وعن "مستويات وعي" مختلفة.

"يوسف،" قالت ليلى، وهي تشير إلى شاشة تعرض أنماطاً معقدة، "هذه الأنماط لا تبدو عشوائية. إنها تشبه لغة، ولكنها لغة ليست بشرية. يبدو أن البوابة ليست مجرد مسار، بل هي كيان يتواصل."

ذهل يوسف. كان يرى كل شيء من منظور فيزيائي، ولكن كلمات ليلى فتحت أمامه آفاقاً جديدة. "كيان يتواصل؟ ولكن كيف؟ ومن؟"

"ربما لا نتحدث عن كينونات مادية،" أجابت ليلى، وعيناها تلمعان بشغف، "ربما نتحدث عن وعي جمعي، عن ذكريات الكون، عن أشياء لا نستطيع إدراكها بحواسنا وحدها."

في هذه اللحظة، دخلت "زينب" إلى المختبر، وفي وجهها تعابير قلق. "يوسف، أحمد في الخارج. يبدو عليه أنه رأى شيئاً."

توقف يوسف عن العمل، ونظر إلى زينب. كان يعرف أن أحمد نادراً ما يقلق، وعندما يقلق، فالأمر جلل.

عندما دخل أحمد، بدا مرهقاً، ولكن عينيه كانتا تحملان بريقاً غريباً. "لقد حدث شيء. شعرت به. كأن شيئاً ما يستيقظ."

جلس الجميع، وشرح أحمد ما شعر به، وما رآه في أحلامه. كان يوسف يستمع بانتباه، رغم شكوكه الطبيعية. "أحمد، قد تكون هذه مجرد هلوسات. البوابة قوية، وتؤثر على عقولنا."

"لا يا يوسف،" قاطعه أحمد بحزم. "هذه ليست هلوسات. هذه رسائل. أشعر أن هناك من يحاول إخبارنا بشيء. وأن هذا الشيء خطير."

نظرت ليلى إلى أحمد، وشعرت بأن كلامه يطابق حدسها. "أحمد على حق يا يوسف. لقد تحدثت مع زينب عن مخاوفي. يبدو أن هناك قوى تعمل معنا، وربما ضدنا."

"قوى؟" تساءل يوسف، وقد بدأ الشك يتسلل إلى عقله. "ما هي هذه القوى؟"

"لا أدري بالضبط،" قال أحمد. "ولكنها ليست من عالمنا. هي أقدم، وأقوى. أشعر بأن البوابة هي جسر، ولكن ليس فقط بين الأزمان. بل بين العوالم."

كان الحديث عن "عوالم" أخرى يتجاوز فهم يوسف للعلم. لكن الإلحاح في صوت أحمد، والبريق في عيني ليلى، جعلانه يفكر.

"ماذا تقترحون؟" سأل يوسف، وهو يشعر بأن سيطرته على الوضع تتلاشى.

"يجب أن نذهب إلى البوابة،" قال أحمد. "يجب أن نرى ما إذا كان هذا الهمس ما زال موجوداً. وأن نفهم طبيعته."

"ولكن هذا قد يكون خطيراً للغاية!" اعترضت زينب.

"الحياة كلها خطر يا زينب،" رد أحمد بهدوء. "وإذا كان هناك شيء يمكن أن يؤثر على مستقبلنا، وعلى ديننا، وعلى كل ما نؤمن به، فلا بد أن نواجهه."

اتخذ يوسف قراراً. كانت معركته الداخلية بين العلم والشك، وبين المغامرة والمسؤولية، قد وصلت إلى ذروتها. "حسناً. سنذهب. ولكن بحذر شديد."

في صباح اليوم التالي، ومع أول شعاع شمس يكسر ظلام الصحراء، توجه يوسف، وأحمد، وليلى، وزينب، نحو موقع "بوابة الأزمان". كانت الصحراء صامتة، وكأنها تحبس أنفاسها.

عندما وصلوا إلى البوابة، كانت لا تزال تلمع بضوئها الغامض. كانت الهمهمة الخفيفة التي شعر بها أحمد قد اختفت، ولكن كان هناك شعور بالوجود، شعور بأن شيئاً ما يراقبهم.

"انظروا!" صاحت ليلى، وهي تشير إلى سطح البوابة. بدأت تظهر نقوش غريبة، كأنها آيات من لغة كونية، تتماوج وتتغير.

"هذه ليست نقوشاً من صنع الإنسان،" قال يوسف، وقد ذهل.

"إنها تشبه ما رأيته في أحلامي!" قال أحمد، وقد شعر بقشعريرة تسري في جسده. "هذه رسائل!"

بدأ يوسف، بمساعدة ليلى، يحاول فك رموز هذه النقوش. كانت المسألة معقدة، ولكن كل رمز جديد كان يفتح أمامهم بعداً جديداً للمعلومات.

"إنهم يتحدثون عن… صراع،" قال يوسف بصوت خافت. "عن صراع بين قوى النور والظلام. وأن البوابة هي نقطة عبور."

"وما دورنا نحن؟" سألت زينب.

"دورنا،" قال أحمد، وهو يحدق في النقوش، "هو أن نختار. أن نختار أي جانب سنقف معه."

في هذه اللحظة، بدأ ضوء البوابة يزداد سطوعاً، وكأنها تستجيب لهم. شعروا بقوة هائلة تنبعث منها، قوة لم تكن مجرد طاقة، بل كانت قوة إرادة.

"إنها تجبرنا على الاختيار،" همس يوسف. "الاختيار النهائي."

لقد أصبح الوضع نقطة اللاعودة. هم الآن في مواجهة مباشرة مع قوى قد لا يفهمونها، ولكنها بالتأكيد ستغير حياتهم، وتاريخهم، ومستقبلهم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%