عالم الغد الجزء الثالث
وهج الحقيقة في السوق المظلم
بقلم طارق الحكيم
كانت رائحة التوابل الغريبة والقماش الفاخر تمتزج مع هسيس الآلات القديمة وأصوات الباعة المتجولين، ليخلقوا لحناً مميزاً لسوق "الظل"، حيث تلتقي الأضواء الخافتة بالظلال العميقة، وحيث تباع الأشياء التي لا تباع في عالم "الاتحاد" الرسمي. كان هذا هو المكان الذي يلجأ إليه الخارجون عن القانون، والباحثون عن الممنوع، والمتاجرون بالأسرار.
"يزيد"، نادى صوت هامس من بين حشد من الناس. التفت يزيد، فوجد "سارة"، زميلته في البحث عن الحقيقة، تقف خلف طاولة تعج بالأجهزة الإلكترونية المستعملة. كانت ترتدي وشاحاً يغطي شعرها الأسود الفاحم، وعينيها الرماديتين تلمعان بذكاء وثقة.
"هل وجدت شيئاً؟" سألت سارة بصوت خفيض، وهي تأخذ القرص الأزرق من يزيد. "هذا الرمز... إنه غريب. لم أره في قواعد بياناتنا."
"إنه من 'المشروع الأول'. أعتقد أن هذا القرص يحوي معلومات سرية عن بداية الأركاديا." رد يزيد، وهو يمسح حبات العرق المتناثرة على جبهته. "لقد كدت أن أُمسك. لم تكن الأمور سهلة."
"لا شيء سهل حين يتعلق الأمر بـ 'الاتحاد'. هم يحكمون بأيدي من حديد، وبأعين لا تغفل." قالت سارة، وهي تنظر إلى القرص بعناية. "سنحتاج إلى 'الخبير' ليحلل هذا. هو الوحيد الذي لديه المعرفة اللازمة لقراءة هذه اللغة القديمة."
"هل أنت متأكدة؟ 'الخبير' رجل خطير، وسمعته تسبقه." قال يزيد بقلق.
"أجل، ولكنه يملك مفتاح هذه المعلومات. لا أحد آخر يستطيع ذلك." أجابت سارة بحزم. "سنذهب إلى مخبئه في القطاع الرابع. كن حذراً، هناك الكثير من العيون في هذا السوق."
تحركا عبر السوق، متجنبين عيون الحراس والمتطفلين. كان كل شيء في هذا السوق ممنوعاً، وكل شيء يباع. كانت هناك أسلحة قديمة، وأجهزة تعقب، ووثائق مسروقة، وحتى أجزاء من تكنولوجيا ممنوعة. كان "الخبير"، واسمه الحقيقي "عادل"، رجل غامض، عاش معظم حياته في الظلام، يتعلم ويتعلم، ويجمع المعرفة التي يعتبرها "الاتحاد" خطراً على نظامه.
وصلوا إلى زقاق مظلم، ورائحة العفن تملأ المكان. كان هناك باب حديدي صدئ، لا يختلف عن الأبواب الأخرى في هذا الحي. طرق عادل ثلاث طرقات متباعدة، ثم انتظر. بعد لحظات، انفتح الباب بصوت أزيز.
"تفضلوا"، قال صوت عميق، بدا وكأنه خرج من أعمق الآبار.
كان عادل رجلاً ضخماً، بلحية رمادية كثيفة، وعينين ثاقبتين. كان يجلس في غرفة مليئة بالكتب القديمة، والأجهزة المكدسة، والأسلاك المتشابكة. كانت رائحة الورق القديم والكهرباء تتداخل في هذا المكان.
"ماذا لديكم لي؟" سأل عادل، وهو يضع نظارته السميكة.
عرضت سارة القرص عليه. نظر إليه عادل بتفحص، ثم وضعه في جهاز قديم. بدأت الشاشات تتوهج، وتظهر الرموز القديمة.
"هذا... هذه لغة 'السومريين القديمة'؟" قال عادل بدهشة. "لم يعتقد أحد أن هذه اللغة لا تزال موجودة، ناهيك عن أن تستخدم في وثائق سرية."
"هل يمكنك قراءتها؟" سأل يزيد بلهفة.
"بالطبع. قضيت عقوداً في دراسة اللغات المندثرة. هذه ليست لغة، إنها مفتاح." قال عادل، وهو يبدأ في ترجمة المحتويات.
كانت الوثائق تتحدث عن "البوابة"، بوابة قديمة، ليست مجرد باب، بل هي تقنية تسمح بالسفر عبر الزمان والمكان. كانت هذه البوابة هي السر وراء بناء الأركاديا، والسر وراء قدرة "الاتحاد" على التحكم في كل شيء.
"يقولون هنا أن البوابة كانت قوى خارقة، يمكنها أن تغير مسار التاريخ. لقد خافوا منها، فقرروا إخفاءها." قال عادل، وهو يقرأ بتركيز. "ولكنهم لم ينجحوا في إخفائها بالكامل. هناك إشارات إلى 'الحراس'، مجموعة من البشر المكلفين بحماية البوابة."
"الحراس؟" تكرر يزيد الكلمة. "هل هم جزء من 'الاتحاد'؟"
"لا، على الأقل ليس في البداية. كانوا مستقلين، ثم أصبحوا تحت سيطرتهم. ولكن هناك شيء آخر." قال عادل، وهو يتابع القراءة. "البوابة تتطلب طاقة هائلة، وطاقة لا يمكن توليدها إلا من مصدر واحد: 'قلب الأرض'."
"قلب الأرض؟" سألت سارة.
"نعم. إنها طاقة غامضة، مستمدة من جوهر كوكبنا. 'الاتحاد' يحاول السيطرة على هذه الطاقة، ولكنهم لم ينجحوا بعد. لذلك، يريدون إيجاد البوابة، ليستخدموها لتوليد هذه الطاقة، ومن ثم حكم العالم." كشف عادل.
"إذاً، 'المشروع الأول' لم يكن مجرد بناء مدينة، بل كان بحثاً عن البوابة." قال يزيد، وقد تشابكت أفكاره.
"بالضبط. وهم يخفون هذا السر عن الجميع. يخافون من أن يعرف الناس بالحقيقة، وأن يستخدموا البوابة لصالحهم." وأضاف عادل: "ولكن، يبدو أن هناك خللاً في نظامهم. هؤلاء الحراس، لم يعودوا تحت سيطرتهم بالكامل. هناك من يريد أن يمنعهم من الوصول إلى البوابة."
"هل هناك أي معلومات عن موقع البوابة؟" سأل يزيد.
"هناك إشارة واحدة، ولكنها مشفرة. تتحدث عن 'النجم الذي يبكي'. لا أعرف ما معناها." قال عادل.
"النجم الذي يبكي..." همس يزيد. "علينا أن نعرف ما هذا. إنها قد تكون مفتاح كل شيء."
"هل أنتم مستعدون لمواجهة 'الاتحاد'؟" سأل عادل، بنبرة فيها تحدٍ. "هذه المعركة ليست سهلة. إنها معركة بين النور والظلام، بين الحقيقة والكذب."
"نحن مستعدون." قال يزيد، وعيناه تلمعان بعزم. "لن ندعهم يسرقون مستقبلنا."
أعطى عادل ليزيد وسارة نسخة مشفرة من المعلومات. وبينما كانا يستعدان للمغادرة، نظر عادل إلى يزيد وقال: "كن حذراً يا بني. المعرفة سلاح ذو حدين. وقد تكون هذه المعرفة أكبر من أن يتحملها قلب واحد."
خرج يزيد وسارة من السوق المظلم، وقلوبهم تحمل ثقل الحقيقة المرة. لقد عرفوا الآن جزءاً من الأسرار، ولكن الأسئلة كانت تتكاثر، والمخاطر كانت تتزايد. النجم الذي يبكي... ما هي حقيقته؟ وماذا ينتظرهم في رحلتهم القادمة؟