عالم الغد الجزء الثالث
همس الأثير في جبال الروح
بقلم طارق الحكيم
كانت "جبال الروح" تتربع على حافة الأركاديا، منطقة منسية، بالكاد تطالها أضواء المدينة المتلألئة. جبال صخرية قاحلة، تخترقها أودية سحيقة، تتناثر فوقها بقايا حضارة قديمة، تهمس بأسرارها لمن يجرؤ على الاستماع. هنا، كان "الاتحاد" قد بنى محطات مراقبة سرية، تحرس ما يعتقدون أنه مجرد طاقة خاملة. ولكن، كان يزيد يعرف أكثر.
"النجم الذي يبكي"، قال يزيد، وهو ينظر إلى الخريطة ثلاثية الأبعاد التي عرضتها سارة على جهازها اللوحي. "هذه ليست مجرد عبارة مجازية. إنها تشير إلى موقع محدد."
"كيف عرفت؟" سألت سارة، وهي تضع يدها على ذراع يزيد. "لم نجد شيئاً في الأرشيف يوحي بوجود نجم يتساقط في هذا القطاع."
"في الأرشيفات التي استوليت عليها، وجدت مذكرات قديمة، تتحدث عن ظاهرة كونية نادرة، تحدث كل ألف عام. وهي انفجار سديمي، يطلق كميات هائلة من الطاقة، ويبدو كنجمة تبكي في السماء." أوضح يزيد. "وتشير المذكرات إلى أن هذا الانفجار يتزامن مع وجود 'البوابة' في منطقة معينة. وهذا الموقع، في جبال الروح، هو المنطقة الأكثر احتمالاً."
"ولكن، كيف نصل إلى هناك؟" قالت سارة. "هذه المنطقة محظورة. 'الاتحاد' يفرض رقابة صارمة عليها."
"لدينا صديق هناك. 'الناسك'. هو رجل غريب الأطوار، يعيش وحيداً في هذه الجبال، ولديه معرفة عميقة بالمنطقة. إذا استطعنا الوصول إليه، فقد يرشدنا." قال يزيد.
"الناسك؟" سألت سارة، بقليل من الشك. "هل تثق به؟"
"لقد ساعدني في الماضي. لديه ولاء خاص به، ولاء للأرض، وليس لـ 'الاتحاد'. يمكننا الوثوق به." أكد يزيد.
جهزوا معداتهم، وبدأوا رحلتهم نحو جبال الروح. كانت الرحلة محفوفة بالمخاطر. كانت هناك دوريات طائرة، ومحطات مراقبة مخبأة، وقوات أمن خاصة تنتشر في المنطقة.
"علينا أن نتسلل. لا يمكننا مواجهة 'الاتحاد' مباشرة." قالت سارة، وهي تراقب السماء بعينيها الحادتين.
"لدي خطة." قال يزيد، وهو يخرج جهازاً صغيراً آخر من حقيبته. "هذا الجهاز يستطيع تعطيل أجهزة الرادار لفترة قصيرة. سنستخدمه للتسلل عبر أقصر طريق."
بدأت سارة بتشغيل الجهاز، وتدفقت موجات خفية في الهواء. أخذ يزيد زمام القيادة، متسللاً بين الصخور، ومستغلاً التضاريس الوعرة. كانت الأجواء باردة، والهواء قارس. كانت جبال الروح تبدو وكأنها مكان مهجور، ولكنه كان يخفي أسراراً عظيمة.
بعد ساعات من التسلل، وصلوا إلى كهف مخبأ، يتوارى خلف شلال صغير. كان المدخل ضيقاً، ومخفياً عن الأنظار.
"هذا هو منزل الناسك." قال يزيد، وهو يشير إلى المدخل.
"هل نحن متأكدون أنه سيكون هنا؟" سألت سارة، وهي تشعر بالبرد يتغلغل في عظامها.
"إنه دائماً هنا." أجاب يزيد.
دخلوا الكهف، ووجدوا فيه ضوءاً خافتاً، ورائحة بخور غريبة. كان الناسك، رجلاً عجوزاً بلحية بيضاء طويلة، ووجه متجعد، يجلس أمام نار صغيرة. كان يرتدي ملابس بسيطة، ويبدو وكأنه ينسجم مع طبيعة المكان.
"لقد كنت في انتظاركم." قال الناسك بصوت هادئ، وكأنه يعرف كل شيء.
"كيف عرفت؟" سأل يزيد، بدهشة.
"روحي تتواصل مع روح الأرض. أشعر بوجودكم، وأشعر بالأسرار التي تحملونها." أجاب الناسك. "لقد رأيت نور الحقيقة يتسلل إلى عالم الظلام. أنتم تسعون وراء 'البوابة'."
"نعم. ونحن نعتقد أن 'النجم الذي يبكي' يشير إلى موقعها." قال يزيد.
"النجم الذي يبكي... إنه ليس نجمة. إنه ظاهرة تحدث في 'القلب العميق' للأرض. وعندما يحدث، تظهر البوابة لفترة قصيرة." أوضح الناسك. "ولكن، يتطلب الوصول إلى 'القلب العميق' مفتاحاً. مفتاحاً ليس مصنوعاً من معدن، بل من إيمان."
"إيمان؟" سألت سارة.
"نعم. قديماً، كان الحراس يبنون معابدهم في أماكن خاصة، تتطلب إيماناً لا يتزعزع للوصول إليها. ومن بين هذه المعابد، كان هناك معبد 'الهدوء'، حيث كان يتم تخزين مفتاح البوابة." قال الناسك. "وهذا المعبد، موجود هنا، في هذه الجبال."
"أين؟" سأل يزيد بحماس.
"في 'وادي الصدى'. إنه مكان مقدس، لا يدخله إلا من كان قلبه نقياً." أجاب الناسك. "ولكن، 'الاتحاد' يعلم بوجود هذا المكان. لديهم خططهم الخاصة."
"هل يمكنك إرشادنا؟" طلب يزيد.
"سأرشدكم إلى الطريق. ولكن، الرحلة بأنفسكم، تتطلب شجاعة وإيماناً. 'الاتحاد' لن يترككم تصلون إليه بسهولة." قال الناسك.
أعطى الناسك ليزيد وسارة خريطة قديمة، مرسومة على جلد حيوان. كانت الخريطة تحمل رموزاً غريبة، وعلامات لم يعرفوها من قبل.
"هذا هو طريق 'التطهير'. يجب عليكم أن تجدوا 'الصخرة المتحدثة'، و'الشلال المضيء'. ثم، ستجدون الطريق إلى 'وادي الصدى'." قال الناسك. "ولكن، كونوا على حذر. 'الاتحاد' يراقب كل شيء."
خرج يزيد وسارة من الكهف، وهم يشعرون بالإرهاق، ولكن بإصرار متجدد. لقد عرفوا الآن الوجهة، وعرفوا أن الطريق لن يكون سهلاً. النجم الذي يبكي، البوابة، القلب العميق، ومعبد الهدوء. كانت هذه الكلمات تشكل ألغازاً، ولكنها كانت تحمل في طياتها وعداً بمستقبل أفضل.