عالم الغد الجزء الثالث
قيود الوهم
بقلم طارق الحكيم
انسدل الليل على مدينة "الأندلس الجديدة" بستائر سوداء مزينة بنجوم باهتة، لكن الأضواء الساطعة للمباني الشاهقة وطائرات النقل العملاقة كانت تتحدى ظلام الكون. داخل برج "النبراس"، حيث تعيش عائلة المهندس "سليم" في جناح فاخر يطل على بحر من العمران المتلألئ، كانت الأجواء مشحونة ببرود لم تكن السماء وحدها سببه.
كان "نادر"، الابن الأكبر لسليم، يجلس في غرفته، محاطاً بشاشات متوهجة تعرض صوراً متحركة وأنماطاً هندسية معقدة. لم تكن هذه مجرد ألعاب أو وسيلة للتسلية؛ كانت عالمه، ملاذه، وإدمانه. "اليوتوبيا الرقمية"، كما كان يسميها، عالمٌ صنعه بنفسه، ينسج خيوطه من خيال جامح وبيانات لا نهائية، عالمٌ يمنحه شعوراً بالقوة والسيطرة الذي كان يفتقده في واقع الحياة.
مرت ساعات كأنها لحظات. لم يشعر بالجوع، ولا بالعطش، ولا بمرور الوقت. كان غارقاً في محاكاة معركة فضائية معقدة، يوجه أساطيل من سفن الفضاء الافتراضية، ويخطط لاستراتيجيات تتجاوز حدود الفيزياء المعروفة. على الشاشة الرئيسية، كان شعار "آفاق المستقبل"، شركته الناشئة التي وعدت بإحداث ثورة في عالم المحاكاة، يلمع ببريق زائف. كانت الشركة قد استنزفت معظم مدخرات والده، وكان "نادر" يدرك ذلك، لكنه كان يؤجل مواجهة الحقيقة، غارقاً في وهم النجاح السريع.
في الطابق السفلي، كانت والدته، "ليلى"، تتأمل صورة لابنها الأوسط، "فارس"، المفقود في مهمة استكشافية خارج الكوكب. كان وجهها يعكس قلقاً عميقاً، مزيجاً من الحنين والخوف. طرقت باب غرفة "نادر" برفق، على أمل أن تجد له وقتاً لها ولوالدته.
"نادر يا بني، هل أنت مشغول؟" قالت بصوت متردد.
لم يلتفت "نادر"، عيناه مثبتتان على الشاشة. "قليلاً يا أمي. في منتصف معركة حاسمة."
تنهدت "ليلى". "نحن قلقون عليك. لم ترَ الشمس منذ أيام. هل نسيت أن لدينا حياة خارج هذه الشاشات؟"
أخيراً، رفع "نادر" رأسه، وارتسم على وجهه تعبيرٌ يشوبه الاستياء. "أمي، هذه الشاشات هي مستقبلي. مستقبلنا. عندما تنجح 'آفاق المستقبل'، سنكون أغنى من أي وقت مضى. لن نحتاج للقلق على أي شيء."
"وماذا عن 'فارس'؟" قالت "ليلى" بحدة، وشعرت بلسعة ألم في قلبها. "هل نسيت أن لدينا ابناً آخر، ابناً لا يزال في المجهول، قد يكون بحاجة إلينا الآن؟"
جمد "نادر" للحظة. ذكر "فارس" كان دائماً نقطة ضعفه. تذكر كيف كانا يتنافسان، وكيف كان "فارس" دائماً يشجعه على تجاوز حدود الخيال، ولكن بطريقة صحية. الآن، شعر بأن "فارس" قد يكون محبطاً منه، كما هو محبط منه.
"أنا لا أنسى 'فارس' يا أمي"، قال بصوت خفيض. "لكني أحاول أن أبني شيئاً يفتخر به. شيء سيساعده عندما يعود."
"الافتخار يأتي من العمل الصادق، يا بني، وليس من الاختباء في عالم الوهم"، قالت "ليلى"، وكلماتها كانت تخترق حاجز الوهم المحيط به. "والدك يخاطر بكل شيء من أجل أحلامك. هل فكرت في ديونه؟ في الضغط الذي يشعر به؟"
تسرب شعور بالذنب إلى قلب "نادر"، لكنه سرعان ما تبدد أمام رغبته الجامحة في إثبات نفسه. "أنا أعرف، أمي. وسأعوضه. فقط أعطني المزيد من الوقت."
"الوقت يداهمنا يا 'نادر'. والديون تتراكم. والشركة تحتاج إلى تمويل إضافي. هل لديك خطة لذلك؟"
صمت "نادر". خطة؟ لم يكن يفكر في ذلك. كان غارقاً في تصميم المحاكيات، وفي ابتكار العوالم الافتراضية، ولم يكن لديه أدنى فكرة عن كيفية تأمين التمويل اللازم. كان يعتمد كلياً على مدخرات والده، وكان يعلم أن هذا الاعتماد لن يدوم إلى الأبد.
"سأجد حلاً، أمي"، قال، لكن صوته كان يفتقر إلى الثقة.
خرجت "ليلى" من الغرفة، وقلبها مثقل. عادت لتجلس بجوار زوجها "سليم"، الذي كان يراجع حسابات الشركة على جهاز لوحي. بدا الإرهاق واضحاً على وجهه، والتجاعيد تعمقت حول عينيه.
"ماذا قال 'نادر'؟" سأل "سليم" دون أن يرفع عينيه.
"نفس الكلام. الوعود والأحلام"، أجابت "ليلى" بحزن. "لقد استنزف كل شيء يا 'سليم'. لم يعد لدينا ما نعطيه."
رفع "سليم" رأسه، ونظر إليها. "أعرف. لقد استثمرت فيه كل شيء. كان يريد أن يبني إمبراطورية. وكنت أريد أن أرى ابني سعيداً."
"ولكنه لا يرى سعادته الحقيقية يا 'سليم'. إنه يبحث عنها في مكان خاطئ. إنه يدمن هذا العالم الرقمي."
"الإدمان؟" تردد "سليم". "ربما أنتِ محقة. لقد رأيت كيف يتغير. كيف يصبح منعزلاً. هل تعتقدين أنه بحاجة إلى مساعدة؟"
"أخشى ذلك. ولكنه يرفض الاعتراف."
في هذه اللحظة، اهتزت أرضية الجناح قليلاً. رفع الجميع رؤوسهم. على الشاشة الرئيسية في غرفة المعيشة، ظهرت نشرة إخبارية عاجلة. وجه المذيع كان متوتراً، وصوته بدا سريعاً.
"نحن نتلقى تقارير عاجلة من المحطة الفضائية 'الصقر'. يبدو أن هناك خللاً خطيراً في نظام دعم الحياة. وتشير المعلومات الأولية إلى احتمال وقوع حادث كارثي."
توقف قلب "ليلى". "الصقر". كانت هذه المحطة التي كان "فارس" على متنها.
"لا يمكن أن يكون الأمر كذلك"، همست "ليلى" وهي تشد على يد زوجها.
"هذا مجرد حادث بسيط يا ليلى"، حاول "سليم" أن يطمئنها، لكنه كان هو الآخر يشعر ببرودة تسري في عروقه.
لكن نشرة الأخبار استمرت، والمذيع بدا أكثر تأثراً. "لقد فقدنا الاتصال بالمحطة 'الصقر' بالكامل. لم يتمكن فريق الإنقاذ من تحديد سبب المشكلة. الوضع حرج جداً."
نظرت "ليلى" إلى "سليم" بعينين زائغتين، ثم رفعت عينيها إلى السماء المظلمة التي تفصلهم عن ابنهم. في هذه الأثناء، في غرفته، توقف "نادر" عن اللعب. لقد سمع الأخبار. شعر بأن العالم الرقمي الذي كان يغرق فيه قد انهار من حوله، وأن الحقيقة القاسية بدأت تطرق أبوابه بقوة. لقد بدأ الإدمان الذي بنى حوله جدرانه يتصدع، وكشف عن خوف أعمق بكثير من أي معركة فضائية: الخوف على حياة أخيه.