عالم الغد الجزء الثالث
ظلال الماضي
بقلم طارق الحكيم
تسلل الخوف إلى أركان جناح "النبراس"، ملقياً بظلاله الثقيلة على قلوب سكانه. توقفت عجلة الحياة، وتجمدت عقارب الساعة، بينما انتظر الجميع أي خبر عن المحطة الفضائية "الصقر". كان "سليم" يتحدث باستمرار مع مسؤولين في القيادة الفضائية، ووجهه شاحب، وعيناه لا تفارقان شاشة الاتصال. "ليلى" كانت تقف بجانبه، تشد على يديه، تدعو بصمت.
أما "نادر"، فقد ترك غرفته واكتفى بالجلوس على الأريكة في غرفة المعيشة، يحدق في الشاشة التي تعرض صوراً ثابتة للمحطة "الصقر". كانت عيناه فارغتين، وقد تلاشت كل آثار الحماس والإدمان التي كانت تملأهما قبل ساعات. لقد واجهته الحقيقة بشكل مباشر، أقسى من أي فيروس رقمي أو هجوم فضائي. أخوه "فارس"، الذي كان يمثل له دائماً نقطة الارتكاز، ومرآة لحياته، كان الآن في خطر داهم.
"هل هناك أي أخبار؟" سأل "سليم" بصوت أجش.
"لا شيء حتى الآن"، أجاب المسؤول عن الاتصال، وصوته كان يخلو من أي أمل. "نحن نبذل قصارى جهدنا، ولكن الوضع خطير للغاية. يبدو أن الانفجار كان قوياً جداً، وأحدث أضراراً جسيمة في هيكل المحطة."
"انفجار؟" تكررت "ليلى" الكلمة كهمسة رعب. "هل هذا يعني..."
"لا نستطيع تأكيد أي شيء الآن"، قاطعها المسؤول. "لكن فرص البقاء على قيد الحياة تبدو ضئيلة."
انقطع الاتصال. ساد صمتٌ جليدي. رفعت "ليلى" عينيها إلى السماء، حيث كان "فارس" يحتضر. لقد كان تلميذاً متفوقاً في أكاديمية الفضاء، دائماً ما كان يتحدث عن اكتشاف عوالم جديدة، عن بناء جسور بين البشر والكواكب الأخرى. لطالما افتخر "سليم" به، ورأى فيه امتداداً لأحلامه.
"يجب أن نفعل شيئاً!" صاح "نادر" فجأة، كمن استيقظ من سبات عميق. "لا يمكننا الجلوس هكذا!"
نظر إليه "سليم" بإرهاق. "وماذا يمكننا أن نفعل يا بني؟ نحن لا نملك أي سفينة فضائية، ولا أي وسيلة للوصول إليهم."
"ولكن لدي 'اليوتوبيا الرقمية'!" قال "نادر"، وبدأت شرارة من الأمل، أو ربما اليأس، تشتعل في عينيه. "يمكننا أن ندخل إلى شبكة الاتصالات الخاصة بالمحطة. ربما يمكنني التواصل مع 'فارس' من هناك. أو ربما أجد طريقة لمساعدته من خلال المحاكاة."
"المحاكاة؟" سخر "سليم" بمرارة. "هل تظن أن عالماً افتراضياً يمكن أن ينقذ ابني من موت حقيقي؟"
"لا أعرف! ولكن يجب أن أحاول! إنها كل ما أملكه!" ارتفع صوت "نادر" بلهفة. "لقد كنت غبياً. غارقاً في أوهامي بينما كان 'فارس' في خطر. كان يجب أن أكون أكثر وعياً، أن أشارك والدي همومه، أن أكون سنداً له."
شعر "سليم" ببعض التقدير لصدق ابنه، حتى في لحظة الانهيار. كان يرى فيه أخيراً بذرة مسؤولية بدأت تنمو. "حسناً يا بني. حاول. لكن لا تبالغ في الأمل. لن يكون الأمر سهلاً."
عاد "نادر" إلى غرفته، لكن هذه المرة لم يكن يبحث عن الهروب. كان يبحث عن حل. فتح شاشاته، وبدأ يكتب بسرعة، يدمج خبرته في برمجة المحاكاة مع بيانات القيادة الفضائية. كان يحاول اختراق أنظمة المحطة، ليس للعب، بل لإنقاذ أخيه.
في غضون ذلك، كانت "ليلى" قد طلبت من "سليم" أن يفتح لها أرشيف ذكريات "فارس". جلست في غرفتها، محاطة بصور ابنها. صورة له في زي الأكاديمية، يبتسم بثقة. صورة له وهو يلوح بيديه من نافذة سفينة فضائية صغيرة. صورة له وهو يحتضن "نادر" عندما كانا صغيرين.
تذكرت كيف كان "فارس" دائماً يدفع "نادر" للخروج من عزلته، وكيف كان يشجعه على مشاركة أحلامه. لقد كان "فارس" هو الجسر بين "نادر" والعالم، وبين "نادر" ووالده.
"كان يجب أن أخبرك يا 'سليم' أكثر عن مخاوفي تجاه 'نادر' قبل فوات الأوان"، قالت "ليلى" وهي تنظر إلى صورة "فارس" و"نادر" معاً. "لقد كنت أرى فيه مجرد شغف، ولم أدرك أنه قد يتحول إلى إدمان. لقد كنت غافلة."
"كلنا كنا غافلين يا 'ليلى' قليلاً"، أجاب "سليم"، وهو يضع يده على كتفها. "كنا نركز على تحقيق أحلامنا، ولم ننتبه إلى أن أبناءنا قد يضلون الطريق في سعيهم لتحقيق أحلامهم الخاصة. ولكن الآن، علينا أن نجد طريق العودة."
بعد ساعات من العمل المتواصل، نجح "نادر" في اختراق بعض أنظمة المحطة. كان يرى البيانات الخام، يرى أعطالاً لا حصر لها، يرى أنظمة تحتضر. وفي لحظة، اكتشف شيئاً غريباً.
"أبي! أمي!" صرخ "نادر"، وأصواتهم اجتمعت في الغرفة. "لقد وجدت شيئاً. ليس انفجاراً كبيراً. بل يبدو وكأن أحداً قد قام بتفجير جزء من المحطة عمداً."
"عمداً؟" قال "سليم"، وشعر ببرودة أخرى تسري في عروقه. "لماذا؟ ومن؟"
"لا أعرف. لكن البيانات تشير إلى أن هذا التفجير كان يهدف إلى إتلاف نظام الاتصالات بشكل رئيسي، وإعاقة أي محاولة لإرسال إشارة استغاثة."
"ولكن هذا لا منطق له!" قالت "ليلى". "إذا أرادوا تدمير المحطة، لكانوا قد فعلوا ذلك بشكل كامل."
"ربما كان هدفهم ليس التدمير، بل العزل"، قال "نادر" بتفكير. "ربما أرادوا أن يسرقوا شيئاً، أو أن يختطفوا شخصاً، ثم يتظاهروا بوقوع حادث."
"اختطاف؟" قال "سليم" بقلق. "هل تعتقد أن 'فارس' قد يكون مختطفاً؟"
"لا أستطيع الجزم، ولكن هذا التفجير المتعمد والذكي، الذي يهدف إلى إعاقة الاتصالات، يجعلني أشك في رواية الحادث العرضي."
في هذه اللحظة، ظهرت رسالة نصية قصيرة على شاشة "نادر"، لم تكن جزءاً من أنظمة المحطة. بدأت الرسالة بـ "إلى عائلة..." ولم تكمل. كان الرمز الذي يرافقها رمزاً غريباً، لم يعرفه "نادر".
"ما هذا؟" قال "نادر" بتساؤل.
"ماذا هناك يا بني؟" سأل "سليم" وهو يقترب.
"رسالة. تبدو وكأنها موجهة إلينا. ولكنها مشفرة بطريقة غريبة."
بدأ "نادر" يعمل على فك تشفير الرسالة، بينما استمرت عينا "سليم" و"ليلى" معلقة بالشاشة. كانت ظلال الماضي، ظلال الشك والخوف، تتجسد أمام أعينهم، مهددة بتدمير ما تبقى من حاضرهم. لقد كان الخطر أكبر بكثير مما تخيلوا، ولم يكن يتعلق فقط بحياة "فارس"، بل ربما بأسرار أخطر تتجاوز حدود عالمهم.