عالم الغد الجزء الثالث
همسات الماضي
بقلم طارق الحكيم
بينما كان "نادر" يصارع رموز الرسالة الغامضة، كان "سليم" و"ليلى" يقفان بجانبه، يعيشان لحظة من الترقب المشوب بالخوف. كان التفكير في أن "فارس" قد يكون مختطفاً، وأن ما حدث لم يكن حادثاً عشوائياً، يزرع بذور الشك وعدم الثقة في قلوبهما. لقد كانت ظلال الماضي، التي طالما حاولوا تجاهلها، تلوح في الأفق، مشيرة إلى دوافع خفية وأعمال سرية.
"لقد نجحت في فك التشفير جزئياً!" صاح "نادر" فجأة، وكأن بصيص أمل قد تسرب إلى الظلام. "الرسالة تقول... 'ابنكم حي، ولكن ثمن حياته غالٍ. لقد حان وقت السداد'."
"السداد؟" تمتم "سليم" وهو يحاول استيعاب المعنى. "ما هو الثمن الذي يتحدثون عنه؟ نحن لم ندين أحداً بشيء. بل العكس، مدينون نحن."
"ربما لا يتحدثون عن الدين المالي يا أبي"، قال "نادر" بتفكير. "ربما يتحدثون عن دين قديم، عن صفقة تمت في الماضي، لم نكن نحن على علم بها."
"صفقة؟" تكررت "ليلى" الكلمة، وشعرت بأن قلبها يخفق بقوة. "لا أتذكر أي صفقة خطيرة عقدناها."
"ربما كانت صفقة تعود إلى أيام والدي يا أبي؟" سأل "نادر". "إلى أيام 'المؤسسة'؟"
هذه الكلمة، "المؤسسة"، كانت كافية لإثارة قشعريرة في أجسادهم. كانت "المؤسسة" رمزاً لماضي "سليم" الغامض، فترة كان يعمل فيها في مشاريع سرية، كان يحاول نسيانها.
"لقد أغلقت تلك الصفحة منذ زمن طويل"، قال "سليم" بصرامة، لكن نبرته كانت تحمل آثار قلق عميق. "لم يكن هناك شيء يستدعي السداد."
"ولكنهم يطالبون بالسداد، يا أبي. وهم يهددون 'فارس'."
في تلك اللحظة، أدرك "سليم" خطورة الموقف. لقد كان هناك احتمال كبير أن يكون ماضي "المؤسسة" قد عاد ليطارده.
"أتذكرين يا 'ليلى' عندما كنا في رحلة إلى الصحراء، قبل سنوات؟" سأل "سليم"، وعيناه تنظران إلى نقطة بعيدة. "كنا نختبر نموذجاً أولياً لسفينة تجريبية، وكان معنا فريق صغير. ولكن في تلك الرحلة، حدث شيء غريب. فقدنا الاتصال بشكل مفاجئ، وبعد ذلك... لم أتذكر الكثير. كنت مضطرباً، وكان هناك شخص ما، شخص غامض... لم أره بوضوح."
"أتذكر ذلك"، قالت "ليلى". "لقد كنت خائفاً جداً، ولم تتحدث عن التفاصيل. قلت إنها مجرد أعطال فنية."
"ربما لم تكن أعطالاً فنية يا 'ليلى'. ربما كانت عملية منظمة. ربما تم استخدامنا في شيء ما، أو تم سلب شيء منا. شيء لا أتذكره الآن."
"هل تعتقد أن هذا له علاقة بـ 'فارس'؟" سألت "ليلى" بقلق.
"لا أعرف. ولكن هذا الرمز الذي ظهر مع الرسالة... يبدو مألوفاً. كأنه كان جزءاً من شعار قديم رأيته في ذلك الوقت."
"يجب أن نعرف المزيد عن هذا الرمز"، قال "نادر"، وهو يعود إلى شاشاته. "سأقوم بالبحث في أرشيفات 'المؤسسة' القديمة، إذا كانت لا تزال متاحة."
"هذا خطر يا بني"، حذره "سليم". "أرشيفات 'المؤسسة' مليئة بالأسرار، وربما حتى الأعداء. لا أريدك أن تخاطر بنفسك."
"لقد خاطر 'فارس' بحياته من أجل استكشاف الكون، أبي. أما أنا، فأنا مستعد للمخاطرة بكل شيء لإنقاذه. ثم، إذا كان الأمر يتعلق بماضيك، فيجب أن أساعدك في تصحيحه."
في غضون ذلك، كانت "ليلى" قد بدأت تبحث في مقتنيات "فارس" القديمة. وجدت صندوقاً صغيراً، كانت "فارس" قد احتفظ به سراً. فتحته، ووجدت بداخله مفكرة جلدية قديمة، وصورة لـ "فارس" وهو طفل يقف بجانب شخص مجهول الهوية، وملف صغير يحتوي على بعض الوثائق.
فتحت المفكرة، ورأت بخط يد "فارس" بعض الملاحظات حول رحلاته الأخيرة، واهتماماته الغريبة ببعض التقنيات القديمة. ثم نظرت إلى الصورة. كان "فارس" طفلاً، يبتسم، ويمسك بيد شاب ذي وجه غامض، وابتسامة خبيثة. كان الشاب يرتدي ملابس رسمية، وعلى صدره دبوس يشبه الرمز الذي ظهر في رسالة "نادر".
"يا إلهي..." همست "ليلى". "هذه الصورة. وهذا الرمز. إنها نفس الشيء!"
"ماذا وجدتِ يا 'ليلى'؟" سأل "سليم"، وقد اقترب منها بسرعة.
أرتها "ليلى" الصورة. نظر إليها "سليم" بتمعن، وشعر بأن شيئاً ما في ذاكرته بدأ ينشط. "نعم... أتذكر هذا الشاب. كان اسمه... 'فراس'. كان يعمل معي لفترة قصيرة في 'المؤسسة'. كان شخصاً طموحاً، لكنه كان مخادعاً. لقد اختفى فجأة."
"وهذا الرمز؟" سأل "نادر"، وقد ظهر بجانبهم.
"هذا الرمز كان جزءاً من شعار شركته السرية. كان يدعى 'الظل'. لقد كان يعمل على مشاريع لم أكن أعلم تفاصيلها."
"هل تعتقد أن 'فراس' هو من يقف وراء اختطاف 'فارس'؟" سأل "ليلى".
"لا أستطيع التأكيد. ولكن وجوده في حياة 'فارس' منذ الطفولة، واستخدامه لنفس الرمز، يجعل هذا الاحتمال قوياً."
"لقد قرأت قليلاً من وثائق 'فارس' في الملف"، قالت "ليلى". "كان يتحدث عن 'الظل' و'مشروع الأفق'. ويبدو أن 'فارس' كان يحقق في شيء متعلق بهذه الأمور قبل رحلته الأخيرة."
"مشروع الأفق..." تمتم "سليم". "لقد سمعت بهذا الاسم من قبل. كان مشروعاً سرياً جداً في 'المؤسسة'. كان يتعلق بتقنية جديدة، تقنية يمكن أن تغير العالم. ولكن... لقد تم إلغاؤه بسبب مخاوف أخلاقية."
"هل تعتقد أن 'فراس' استولى على 'مشروع الأفق'؟" سأل "نادر". "وهل 'فارس' اكتشف ذلك؟"
"هذا ما يبدو. وإذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن 'فارس' ليس مجرد رهينة، بل هو مفتاح لحل هذا اللغز."
فجأة، اهتزت شاشات "نادر" مرة أخرى. هذه المرة، ظهرت صورة حية. كانت صورة لـ "فارس". كان يظهر في مكان مظلم، مقيداً. ولكنه لم يكن يبدو خائفاً. بل كان ينظر مباشرة إلى الكاميرا، بعينين تلمعان بالعزيمة.
"أنا بخير"، قال "فارس" بصوت ثابت، رغم أنه كان يبدو متعباً. "لا تقلقوا علي. أيتها العائلة، أنا أعرف أنكم تبحثون عني. أعرف أنكم قلقون. ولكنني سأعود. وأقول لكم، بأن هذا ليس مجرد حادث. إنها مؤامرة. لقد اكتشفت شيئاً عظيماً، شيئاً سيغير مستقبل البشرية، ولكنه يحمل أيضاً خطراً هائلاً. 'فراس' يريد الحصول عليه. ولكنه لن ينجح. تذكروا، 'مشروع الأفق'. ابحثوا عن الأفق. وأنا... سأفعل ما بوسعي لأعود إليكم."
انقطعت الصورة. ساد الصمت مرة أخرى، لكنه كان صمتاً مختلفاً. لم يعد صمتاً مليئاً بالخوف، بل صمتاً مليئاً بالعزيمة. لقد تلاشت قيود الوهم، وبدأت الحقائق المرة تتكشف، مشيرة إلى أن المعركة لم تكن فقط لإنقاذ "فارس"، بل لكشف مؤامرة قديمة، مؤامرة تهدد بتغيير مصير العالم.