رحلة بين النجوم الجزء الثالث

صدى الذكريات النجمية

بقلم بلال الصادق

كان الفضاء المترامي الأطراف يمتد أمام "الأمل"، مركبة الفضاء المهيبة التي تجوب أعماق المجرة، كبحر لا قرار له، تتلألأ فيه النجوم كجواهر منثورة على عباءة الليل الأزلي. لم يكن هذا سوى فصل جديد في رحلة طويلة، رحلة بدأت ببشرى، وامتدت عبر السنين، تحمل على عاتقها آمال أمة بأكملها. على متن "الأمل"، كان القائد "عمران" يقف في جسر القيادة، عينيه مثبتتين على الشاشة البانورامية التي تعرض لوحات كونية تتغير باستمرار. كل نجمة، كل سديم، كان يحمل قصة، وكل قصة كانت ذكرى لرحلة سابقة، لخيار اتخذه، أو لمعركة خاضها.

لم يكن عمران مجرد قائد، بل كان حاملاً لذكرى. ذكرى أبيه، الذي بدأ هذه الرحلة، والذي رحل تاركاً وراءه وصية، وألغازاً، ووعداً بالعودة. كان قد تجاوز الأربعين، لكن الزمن بدا وكأنه لم يمسّه إلا ليمنحه وقاراً وحكمة. شعره الأسود بدأت خصلات الفضة تداعب صدغيه، وملامح وجهه، التي كانت في شبابها تميل إلى الشدة، اكتسبت عمقاً ودفئاً انعكاساً لتجارب الحياة. كان يرتدي بزته الرسمية، بلون أزرق داكن، يزينها شعار "الأمل"، الذي استقر على صدره كرمز لقسم أبدى.

"القائد عمران، أقتربنا من نقطة التحول المحددة،" جاء صوت "ليلى"، ضابطة الاتصالات، هادئاً ورصيناً. "المسح الأولي يشير إلى وجود اضطرابات طاقوية غير مسبوقة في المنطقة."

التفت عمران نحو ليلى، وجهها المضاء بوهج الشاشات أظهر تركيزاً شديداً. كانت ليلى، بجانب كونها خبيرة في مجال الاتصالات، تمثل ذراع عمران الأيمن، وعقلها المدبر في كثير من الأحيان. كانت أصغر منه بسنوات، لكن ذكاءها الحاد وقدرتها على استيعاب أدق التفاصيل جعلتها عنصراً لا غنى عنه. عيناها الواسعتان، بلون العسل، كانت تعكس قلقاً لم تفلح في إخفائه.

"اضطرابات طاقوية؟ هل هذا ما توقعه الأب؟" سأل عمران، وهو يقترب من شاشتها.

"التنبؤات تشير إلى ذلك، سيدي. هذه الاضطرابات قد تكون علامة على تجاوز الخطوط الفاصلة التي رسمها القدماء، أو ربما… بداية لشيء لم نتوقعه."

"شيء لم نتوقعه"… هذه العبارة كانت كافية لإثارة قشعريرة في روح أي شخص يعيش على هذه المركبة. فقد كانت رحلة "الأمل" مليئة بالمخاطر والتحديات، وكل تحدٍ كان يدفعهم إلى ما وراء حدود المعرفة البشرية.

"الأب ترك لنا أدلة، ليلى، وليس مجرد تخمينات. إذا كان هناك شيء ينتظرنا، فمن المؤكد أنه لم يكن صدفة." قال عمران، وهو يعود بنظره إلى الشاشة الرئيسية.

كانت "الأمل" في الواقع أكثر من مجرد مركبة فضاء. كانت بيتاً، وملاذاً، ومهجراً لقسم من البشر اختاروا أن يتركوا الأرض خلفهم، بحثاً عن مستقبل جديد، وملاذاً من فوضى كادت أن تلتهم عالمهم. لقد استغرقت الرحلة عقوداً، ولكن كل ذلك كان في سبيل تحقيق حلم واحد: العثور على "أرض الميعاد"، الكوكب الأسطوري الذي تحدثت عنه الأساطير القديمة، والذي كان يحمل في طياته وعداً بالسلام والرخاء.

فجأة، انبعث ضوء ساطع من قلب السديم أمامهم، ضوء لم يشبه أي ضوء نجوم رأوه من قبل. لم يكن وهجاً طبيعياً، بل كان ينبض بقوة، وكأنه قلب كوني ينبض بالحياة. اهتزت "الأمل" قليلاً، وأصدرت أجهزة الإنذار صفارات متقطعة.

"ما هذا؟" صاح "خالد"، كبير المهندسين، وهو يهرع نحو جسر القيادة. كان رجلاً ضخم الجثة، شعره الأشيب دليل على خبرة سنوات قضاها في إصلاح كل ما يمكن أن يتعطل على متن "الأمل".

"لا أعرف، خالد،" أجاب عمران، وهو يحاول السيطرة على اهتزاز المركبة. "أجهزة الاستشعار في حالة ارتباك تام. لا يمكننا تحديد طبيعة هذا المصدر."

"إنها طاقة غير مصنفة، سيدي. تفوق كل ما لدينا من معرفة."

"حافظ على استقرار المركبة، خالد. ليلى، هل يمكنك تتبع مصدر هذا الضوء؟"

"أحاول، سيدي. ولكن هناك تشويش شديد. يبدو أن هناك… شيئاً يمتص الطاقة المحيطة."

"يمتص الطاقة؟" كرر عمران، وشعر بقلق يتسلل إلى صدره. كل ما فعله والده قبل رحيله الغامض كان يكتنفه الغموض. تركت رسائل مشفرة، وخريطة نجوم غير مكتملة، وإشارات إلى "حارس الأبواب". هل هذا الحارس هو ما كانوا يواجهونه الآن؟

"القائد! هناك شيء يخرج من الضوء!" صاحت ليلى، وصوتها يعلوه التوتر.

على الشاشة، بدأ شكل غامض يتشكل ببطء من قلب الوهج. لم يكن كائناً عضوياً، ولا مركبة فضاء مألوفة. كان شيئاً أشبه بالبلورات المتشابكة، تتراقص في الفراغ، ثم بدأت تتقارب، لتشكل جسماً ضخماً، يشع بضوء أبيض نقي.

"هذا… مستحيل،" تمتم خالد، وهو يحدق بعينين واسعتين. "لم نر شيئاً كهذا في أي قاعدة بيانات."

"لا يمكننا الاستسلام للمفاجآت،" قال عمران، وقد استعاد رباطة جأشه. "استعدوا للدفاع. ليلى، شغلي مجال الطاقة. خالد، جهز المدافع."

"لكن سيدي، نحن لا نعرف طبيعة العدو!"

"ليس عدواً بالضرورة، خالد. ولكنه بالتأكيد ليس صديقاً. في هذه الرحلة، لا مكان للثقة العمياء. يجب أن نكون مستعدين لكل شيء."

تسللت موجة من البرد إلى قلب عمران، موجة لم تكن بسبب فراغ الفضاء، بل بسبب الشعور بأنهم قد وصلوا إلى مفترق طرق حاسم. لم تكن هذه مجرد رحلة استكشافية. كانت مواجهة. مواجهة مع المجهول، ومواجهة مع أسرار الماضي. كان صدى الذكريات النجمية يتردد في أذنيه، يذكرانه بوعد أبيه، وبالأمل الذي يحمله. وكان عليه الآن أن يدافع عن هذا الأمل بكل ما أوتي من قوة.

"إنها تتجه نحونا بسرعة، سيدي،" قالت ليلى، وصوتها يرتعش قليلاً.

نظر عمران إلى الشاشة، إلى الكيان البلوري المتلألئ الذي يتقدم نحوهم بخطى ثابتة، وكأنه كائن حي قرر أن يعبر عن وجوده. شعر بثقل المسؤولية على كتفيه. لم يكن يقاتل من أجل نفسه فقط، بل من أجل كل من على متن "الأمل"، ومن أجل مستقبل البشرية.

"لن نسمح لها بالاقتراب،" قال عمران، وعيناه تلمعان بالعزم. "ليلى، أطلقي شعاع الاستكشاف. أريد أن أعرف ما هو بالضبط."

"حاضر، سيدي."

انطلق شعاع أزرق رفيع من "الأمل"، وتوجه نحو الكيان البلوري. للحظة، بدا وكأن الشعاع اختفى عند ملامسة السطح، لكن بعد ذلك، انبعث من الكيان ضوء خافت، تلاه صوت غريب، أشبه بنغمات موسيقية متداخلة، وكأنها لغة غريبة تحاول أن تتواصل.

"القائد، الأجهزة ترصد… أشكالاً هندسية معقدة للغاية،" قالت ليلى. "إنها تتغير باستمرار. وكأنها… تفكر."

"تفكر؟" كرر عمران، مدهوشاً. "هل يمكن أن يكون هذا ذكاءً اصطناعياً؟"

"لا، سيدي. يبدو الأمر أعمق من ذلك. إنها… روح، ربما؟"

"روح؟"

كانت الكلمة تحمل وزناً ثقيلاً في قاموس عمران. كان قد نشأ على تعاليم الدين، وعلى فهم عميق للإيمان بالخالق وبوحدانيته. فكرة روح كائن نجمي كانت تتجاوز حدود تفكيره، ولكن في الفضاء اللامتناهي، ربما لم يكن هناك حدود لما يمكن أن يوجد.

"إذا كانت روحاً، فلماذا الهجوم؟" سأل عمران، وهو ينظر إلى الكيان الغريب الذي أصبح أقرب بكثير.

"لا أعتقد أنها هجوم، سيدي،" قالت ليلى. "إنها… استكشاف. إنها تقترب لتفهمنا، ولتُفهمنا."

"ولكن باستخدام الطاقة؟"

"ربما هذه هي لغتها، سيدي. لغة الطاقة. لغة الكون."

شعر عمران بأن رأسه يدور. كانت كل الحقائق التي عرفها تتزعزع. كان هنا، في أعمق نقطة في الفضاء، يواجه شيئاً يتحدى كل مفاهيمه. كان عليه أن يختار. هل يقاتل، أم يحاول التواصل؟ ولكن كيف يمكنه أن يتواصل مع روح بلورية؟

"القائد، الطاقة المتصاعدة من الكيان تزداد،" قال خالد. "إنها تؤثر على أجهزة المركبة."

"إذاً، نحن في خطر،" قال عمران، وقد اتخذ قراره. "ليلى، هل يمكنك فصل المحركات الرئيسية؟ سنعلق في مكاننا. خالد، جهز جهاز الإرسال متعدد الأطياف. سنحاول إرسال رسالة. رسالة سلام، ورسالة استغاثة."

"استغاثة؟"

"نعم، خالد. لأننا، ربما، وجدنا حارس الأبواب، لكننا لم نعد قادرين على المرور. ولأننا، ربما، وجدنا أنفسنا في مواجهة مع قدر أكبر مما توقعنا."

وقف عمران، وقام بخطوات قليلة نحو الشاشة التي تعرض الكيان البلوري. كانت عيناه تتوهجان بتصميم جديد، تصميم ليس مبنياً على القتال، بل على الفهم، وعلى البحث عن معنى. لقد بدأت رحلة "الأمل" للتو، وكانت بدايتها أكثر غموضاً وروعة مما تخيله أحد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%