رحلة بين النجوم الجزء الثالث
لغز "الصدى" ووشوشات الماضي
بقلم بلال الصادق
كانت الأجهزة تعطي قراءات متضاربة، والإضاءة تومض بنمط غريب، كأن السفينة الفضائية "الأثير" نفسها تعاني من تشنجات لا يمكن تفسيرها. داخل مختبر الأبحاث، وقف فهد مراقباً، وقلبه مثقلاً بالشكوك. كانت نورا، التي بدت غارقة في عالمها العلمي، تتجاهل وجوده تقريباً. كان الدكتور خالد، بابتسامته الواثقة، هو الشريك الذي تستمع إليه.
"يبدو أن هذا الانقطاع ليس مجرد عطل تقني بسيط يا نورا." قال خالد، وهو يمسح جبينه بظهر يده. "هناك نمط في هذه الاضطرابات، نمط يبدو وكأنه... استجابة."
"استجابة لأي شيء؟" سألت نورا، وعيناها لا تزال مثبتة على الشاشات. "لم نقم بأي تجارب قد تثير رد فعل كهذا."
"ربما ليس شيئاً فعلناه، بل شيئاً اكتشفناه. ربما 'الأثير' تستشعر شيئاً ما."
في هذه اللحظة، وصل صوت ليلى عبر جهاز الاتصال. "فهد، لدينا قراءات غريبة من قطاع 'الصدى'. يبدو أن هناك طاقة غير طبيعية تنبعث من هناك. لم تكن موجودة في سجلات السفينة."
"قطاع 'الصدى'؟" تمتم فهد. "لم ندخل هذا القطاع من قبل. كان مغلقاً بأوامر من القائد القديم."
"ولماذا كان مغلقاً؟" سألت نورا، وقد التفتت إليه أخيراً، وعيناها تحملان فضولاً علمياً ممزوجاً بالخوف.
"لا أحد يعرف بالضبط." أجاب فهد، متذكراً القصص التي سمعها عن القائد "الراحل" الذي كان يحكم "الأثير" قبل وصولهم. "كان رجل غريب الأطوار، وكان لديه أسرار كثيرة."
"قد يكون هذا 'الصدى' هو مفتاح فهم ما يحدث." قال خالد، وهو ينظر إلى نورا. "إذا كانت هذه الطاقة غير طبيعية، فقد تكون مرتبطة بالاضطرابات التي نراها هنا."
شعرت نورا بشيء من الحيرة. كانت تشعر بقوة جذب نحو هذا المجهول، ولكن في الوقت ذاته، كانت هناك قشعريرة تسري في جسدها. كانت تعلم أن فهد يشعر بالاستياء من تقاربها مع خالد، ولكنها كانت ترى في خالد شريكاً علمياً لا يقدر بثمن في هذه اللحظة الحرجة.
"ماذا تقترح يا خالد؟" سألت فهد، وقد ألقت نظرة سريعة على أخيه.
"أقترح أن نذهب إلى قطاع 'الصدى'. يجب أن نفهم مصدر هذه الطاقة. ربما هناك معلومات مخبأة هناك."
تردد فهد. الذهاب إلى قطاع مغلق، يحمل طاقة غير مفهومة، كان خطوة جريئة. ولكن لم يكن لديه خيار آخر. فكر في القلق الذي سيساور والدته لو علم بما يحدث، ولكن كانت أولوية سلامة الطاقم هي الأهم.
"سنتحضر للذهاب." قال فهد، بنبرة حاسمة. "ليلى، قومي بإعداد مركبة استكشاف صغيرة. وسنأخذ معنا المعدات اللازمة."
عاد فهد إلى مكتبه، وأمسك بصورة والدته، ودعا الله أن يحفظهم. كان يشعر بثقل المسؤولية، وبضغوط لا تطاق. كانت حياته، وحياة كل من على "الأثير"، على المحك.
في تلك الأثناء، كان الدكتور خالد يشعر بنشوة لا توصف. كان يشعر أنه على وشك اكتشاف شيء سيغير مجرى التاريخ. وكانت نورا بجانبه، تتشارك معه هذا الحماس. رأى فيها عقلاً لامعاً، وشريكاً حقيقياً في مسيرته العلمية. لم يكن الأمر يتعلق بالحب بالمعنى التقليدي، بل كان هناك تقدير متبادل، وشغف مشترك بالاكتشاف.
"هل تعتقدين أننا سنكتشف شيئاً مهماً يا نورا؟" سألها خالد، وهو يقف بجانب نافذة "الأثير" الضخمة.
"أعتقد ذلك يا خالد. أشعر أن 'الأثير' تحتفظ بأسرار أكثر بكثير مما نعتقد." أجابت نورا، ونظرت إلى عيني خالد، وشعرت براحة غريبة في حضوره.
"هذه الأسرار قد تكون هي مفتاح بقائنا. أو ربما تكون هي نهايتنا." قال خالد، بابتسامة غامضة.
في الظلام، كان القائد "الراحل" يراقب. لم يكن لديه جسد مادي، ولكنه كان كياناً يتكون من ذكريات وطاقة. كان يسكن في عمق "الأثير"، يراقب ما يحدث، ويستشعر المخاطر. كان يعلم أن قطاع "الصدى" يحمل شيئاً لا ينبغي إيقاظه.
"إنهم يقتربون." همس صوت خافت، يتردد في فراغ لا يسمعه أحد. "يجب أن يتوقفوا."
كانت "الأثير" تحمل أسراراً قديمة، أسراراً من حضارة ضاعت. وكان هذا القطاع المغلق، "الصدى"، هو مخزن هذه الأسرار. كانت القراءات التي ترصدها ليلى، والاضطرابات التي شعر بها الجميع، هي مجرد همسات خافتة من هذا الماضي العميق، تحاول تحذيرهم، أو ربما دعوتهم.
عندما استعد فهد ورفاقه للتوجه إلى قطاع "الصدى"، كانت نورا تشعر بالتردد. كانت تتطلع إلى الاكتشاف، ولكنها كانت تشعر بقلق متزايد. هل كانت هذه المغامرة مجرد استكشاف علمي، أم أنها كانت ستجرهم إلى ما هو أعمق وأخطر؟
"هل أنت متأكدة يا نورا؟" سألها فهد، بينما كانوا يرتدون بزاتهم الفضائية.
"أنا متأكدة يا فهد. ولكن... يجب أن نكون حذرين." قالت نورا، وعيناها تلتقيان بعيني فهد.
في تلك اللحظة، شعر فهد بلحظة من الارتباك. هل كانت حذرة منه، أم منه؟ ولكن لم يكن هناك وقت للتفكير. كان يجب عليهم التحرك.
"هيا بنا." قال فهد، بنبرة قوية. "لنرى ما الذي يخفيه هذا 'الصدى'."
وهكذا، انطلقت رحلة جديدة، رحلة إلى قلب المجهول، رحلة قد تغير كل شيء. كانت "الأثير" تتنفس، وأسرارها تهمس، والغد كان مجهولاً، مليئاً بالتشويق والغموض، وبين هؤلاء البشر، تتشابك المصائر، وتتصارع المشاعر، في رحلة لا رجعة فيها بين النجوم.