رحلة بين النجوم الجزء الثالث

عمق "الصدى" ولحظة الحقيقة

بقلم بلال الصادق

انطلقت مركبة الاستكشاف الصغيرة، "البرق"، حاملة على متنها فهد، نورا، والدكتور خالد، وثلاثة من أفراد الأمن. كانت الرحلة إلى قطاع "الصدى" لا تتجاوز بضع دقائق، ولكنها كانت مليئة بالترقب. الإضاءة داخل المركبة كانت خافتة، وصوت المحركات كان هو الصوت الوحيد الذي يخترق الصمت المشحون.

"هل الأجهزة على ما يرام؟" سأل فهد، وهو ينظر إلى شاشة العرض أمامه.

"كل شيء يبدو سليماً يا فهد." أجاب خالد، وهو يعاين قراءات جهاز المسح الخاص به. "لكن مستوى الطاقة في هذا القطاع لا يزال مرتفعاً بشكل غير طبيعي."

نظرت نورا إلى خارج النافذة. كان قطاع "الصدى" محاطاً بحقل طاقة كثيف، يتلألأ بلون بنفسجي غريب. بدا الأمر وكأنهم يقتربون من قلب عاصفة كونية.

"هذا ليس حقل طاقة عادياً." قالت نورا، بانبهار ممزوج بالخوف. "لم أر شيئاً كهذا من قبل."

"لقد قيل أن القائد 'الراحل' كان يهتم بالأبعاد الأخرى." قال أحد أفراد الأمن، ويدعى "سعد"، بصوت مرتجف. "ربما يكون هذا مرتبطاً بذلك."

"الأبعاد الأخرى؟" سأل فهد، وهو ينظر إلى خالد.

"هذه مجرد نظريات يا فهد." أجاب خالد، بابتسامة هادئة. "ولكن من يدري. ربما 'الأثير' نفسها هي جسر بين الأبعاد."

عندما اخترقت "البرق" حقل الطاقة، شعرت المركبة باهتزازات عنيفة. الأضواء وامضت، وشعر الجميع بالغثيان. ثم، فجأة، هدأت الأمور. وجدوا أنفسهم في مساحة هائلة، تتلألأ بضوء خافت، كأنها مدينة ضائعة من النجوم.

"يا إلهي..." تمتمت نورا، وعيناها لا تزالان مفتوحتين على اتساعهما.

كانت هناك هياكل غريبة، تبدو وكأنها منحوتة من الضوء. كانت تتوهج بألوان متغيرة، وتنبض بإيقاع بطيء. لم يكن هناك أي أثر لحياة، ولكن الشعور بالحضور كان قوياً جداً.

"ما هذه الأماكن؟" سأل سعد، وهو يحاول التمسك بمقعده.

"لا أعرف." أجاب فهد، بذهول. "لكنها تبدو... قديمة جداً."

"لقد عثرت على شيء." قال خالد، وهو يشير إلى أحد الأجهزة. "هناك توقيع طاقة فريد هنا. يبدو أنه... تسجيل."

"تسجيل؟"

"نعم. تسجيل للماضي. كأن هذا المكان يحتفظ بذاكرة."

بدأ خالد في تشغيل الجهاز، وفي لحظة، امتلأت المركبة بوشوشات خافتة، كأنها أصوات من بعيد. كانت هناك أصوات بشرية، ولكنها كانت مشوشة، وغير مفهومة.

"هل هذه لغة قديمة؟" سألت نورا.

"لا أعتقد." أجاب خالد. "إنها أقرب إلى... صدى. صدى لأحداث وقعت هنا منذ زمن بعيد."

وبينما كانوا ينصتون إلى الوشوشات، بدأت الصور تظهر على شاشة العرض. كانت صوراً باهتة، لحضارة عظيمة، ولأشخاص يرتدون ملابس غريبة. كانوا يبنون هذه الهياكل المضيئة، ويتفاعلون مع الطاقة بطرق مذهلة.

"هؤلاء هم بناة 'الأثير'؟" سأل فهد، بصوت خفيض.

"ربما." أجاب خالد. "ربما لم تكن 'الأثير' مجرد سفينة، بل كانت... شيئاً أكثر. ربما كانت وسيلة لنقل حضارة بأكملها."

فجأة، ظهرت صورة لرجل، كان يرتدي ملابس رسمية، ويبدو أنه كان قائداً. كان يشبه إلى حد كبير القائد "الراحل" الذي سمع عنه فهد. ولكن كان هذا الرجل يبدو أصغر سناً، وأكثر قوة.

"إنه هو!" قال فهد. "إنه القائد 'الراحل' في شبابه!"

"ولكن لماذا يبدو مختلفاً؟" سألت نورا. "ولماذا يبدو كأنه يسجل هذه الرسالة؟"

بدأت الوشوشات تزداد وضوحاً، وبدأ الرجل في الكلام. كانت لغته مختلفة، ولكن الترجمة الآلية للجهاز بدأت تعمل.

"...لقد حان الوقت." قال الرجل، بصوت عميق. "يجب أن نحمي هذا المكان. هذا ليس مجرد مخزن، إنه... قلب. قلب حضارتنا. يجب أن لا يقع في الأيدي الخطأ."

"ما هي 'الأيدي الخطأ'؟" سألت نورا.

"يجب أن نستخدم 'الصدى' لحمايته."

وفجأة، سمعوا صوتاً أعلى، صوت يشبه الصراخ. ثم ظهرت صورة لكائنات غريبة، كانت تبدو كأنها مصنوعة من الظلام، تهاجم هذه الحضارة.

"إنهم... أعداء." قال خالد، بفزع. "لقد كانوا يقاتلون كائنات من الظلام."

"وهل نجحوا في حمايته؟" سأل فهد.

"يبدو أنهم فعلوا." أجاب خالد. "لقد استخدموا 'الصدى' كدرع. ولكن يبدو أنهم دمروا أنفسهم في العملية."

ثم ظهرت صورة أخرى. كانت صورة للقائد 'الراحل'، وهو يضع خريطة على لوحة تحكم. كانت الخريطة تشير إلى "الأرض".

"إنه يضع 'الأرض' في الخريطة." قال فهد. "لماذا؟"

"ربما كان يحاول إيجاد مكان آمن للبشر." قال خالد. "ربما كان يعرف أن الحضارة القديمة لم تكن قادرة على النجاة."

في هذه اللحظة، شعر فهد ببرودة تسري في عروقه. كانت كل هذه الأسرار تتكشف أمامه، وكان يشعر بالرهبة. كانت "الأثير" ليست مجرد سفينة، بل كانت مأوى، وكان قطاع "الصدى" هو قلب هذا المأوى، يحمل ذكريات حضارة ضائعة.

"ولكن لماذا كان القائد 'الراحل' يغلق هذا القطاع؟" سأل فهد. "ولماذا لم يخبر أحداً؟"

"ربما كان يخاف." أجاب خالد. "ربما كان يعرف أن هذه القوة لا يجب أن تستخدم إلا في الحالات القصوى."

فجأة، اهتزت المركبة مرة أخرى. كانت الطاقة في الخارج تزداد قوة.

"يجب أن نخرج من هنا!" قال سعد، بصوت مرتعب.

"لا يمكننا!" صاح خالد. "البيانات لم تكتمل بعد! هناك المزيد لنكتشفه!"

"لكننا في خطر!"

نظر فهد إلى نورا. كان يرى في عينيها مزيجاً من الفضول والخوف. كانت تتطلع إلى المعرفة، ولكنها كانت تخشى المصير.

"ما رأيك يا نورا؟" سأل فهد.

"أعتقد أننا يجب أن نعود." قالت نورا، بصوت متردد. "لقد حصلنا على ما يكفي من المعلومات. الآن، يجب أن نفهم ما تعنيه."

"ولكن..." بدأ خالد.

"لا يوجد 'ولكن' يا خالد." قال فهد، بحزم. "سلامتنا أولاً. ولنا وقت لاحق لفهم كل شيء."

وهكذا، عادت "البرق" مرة أخرى، تاركة وراءها "الصدى" المتلألئ، والوشوشات الغامضة. ولكن في قلوبهم، حملوا معهم أسراراً عظيمة، وأسئلة أكثر. كانت "الأثير" تكشف عن وجهها الحقيقي، وجه مليء بالتاريخ، والغموض، والخطر. وفي وسط كل هذا، كانت مشاعر فهد ونورا تتشابك، معلقة بين الاكتشاف، والحذر، والحب الذي كان ينمو بصمت.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%