رحلة بين النجوم الجزء الثالث
فجر الحقيقة في أروقة الأكاديمية
بقلم بلال الصادق
تسللت خيوط الفجر الأولى، لتنسج بظلالها المتراقصة على جدران أكاديمية "الفلك الأعلى"، حاملة معها وعدًا بيوم جديد، ووعدًا بكشف أسرار طال اختباؤها. كان القلق يعصف بقلب "أمير"، ذاك الشاب الطموح الذي بات عقله مسكونًا بأسئلة لا تنتهي. لم يستطع النوم، فظل جالسًا في عزلته، يتأمل خارطة النجوم المعلقة فوق مكتبه، وكأنها مفتاح يفك به ألغاز ماضيه وحاضره. لم تعد مجرد نقاط مضيئة في سماء مظلمة، بل أصبحت رموزًا لأحداث غامضة، ولألغاز معقدة تنتظر الحل.
لقد أيقن "أمير" أن "الدكتور سليمان" ليس مجرد عالم فلك شغوف، بل هو رجل يخفي تحت عباءته الأكاديمية أبعادًا أخرى من القوة والتأثير. وشاهدة على ذلك كانت تلك الوثائق التي عثر عليها، تلك السجلات المكتوبة بلغة عتيقة، تحوي خرائط فلكية دقيقة، وتلميحات غامضة عن حضارات منسية، وعن تقنيات تتجاوز فهم عصره. لم تكن هذه الوثائق مجرد اكتشاف علمي، بل كانت إشارة خطيرة، ودعوة صريحة إلى الغوص في بحر من الحقائق المروعة.
لم ينسَ "أمير" نظرات "ليلى" الحائرة، تلك العالمة الشابة التي شاركته شغفه بالنجوم، والتي رأى فيها رفيقة درب محتملة، وعونًا في مهمته. كانت "ليلى" تمتلك بصيرة نافذة، وقلبًا نقيًا، وعزيمة لا تلين. ولكن، في الآونة الأخيرة، لاحظ "أمير" ابتعادها، وترددها في مشاركته ما يدور في خلدها. هل تخشى شيئًا؟ هل تعلم بما يكفي لتكون في خطر؟ كان يعلم أن الصدق والوضوح هما السبيل الوحيد لكسر جدار الصمت الذي بدأ يتكون بينهما.
قرر "أمير" أن الوقت قد حان لمواجهة "الدكتور سليمان". لم يكن الأمر يتعلق بشجاعته فحسب، بل بإيمانه العميق بالحق والعدالة، وبمسؤوليته تجاه معرفته الجديدة. اجتمع في مكتب الدكتور، الذي كان أشبه بمتحف للتاريخ الفلكي، تفوح منه رائحة الكتب القديمة والغموض. جلس "أمير" مقابل "الدكتور سليمان"، الذي كان يرتدي عباءته البيضاء كعادته، وعينيه تلمعان بذكاء حاد، ولكن هذه المرة، بدا فيهما شيء من التوتر المستتر.
"يا دكتور سليمان"، بدأ "أمير" بصوت هادئ ولكنه مليء بالإصرار، "لقد اكتشفت أشياء في الأكاديمية، أشياء تتجاوز حدود العلم الذي نعرفه. وثائق، خرائط، رموز... إنها تشير إلى تاريخ مختلف، إلى حقيقة أكبر من مجرد النجوم التي نراها."
نظر "الدكتور سليمان" إلى "أمير" بعينين ثاقبتين، وبدا وكأنه يقرأ ما يدور في عقله. ثم ابتسم ابتسامة غامضة، وقال: "يا بني، العلم بحر واسع، وأنت لم تغص إلا في ساحله. هناك ما هو أكثر من مجرد الأجرام السماوية، هناك أسرار خُلقت قبل أن تُخلق الأرض والسماء."
"ولكن، ما هي هذه الأسرار؟" سأل "أمير"، ونبرته ازدادت حدة، "لماذا يتم إخفاؤها؟ ولماذا تشعر الأكاديمية بأسرها بالخوف من مجرد الحديث عنها؟"
تنفس "الدكتور سليمان" بعمق، وبدت على وجهه علامات الحيرة والأسى. قال: "البعض يخشى ما لا يفهمه، والبعض الآخر يخشى ما يعرفه جيدًا. هذه المعرفة، يا أمير، كانت دائمًا سيفًا ذا حدين. لقد استخدمت لمنفعة البشرية، واستخدمت أيضًا لتدميرها."
"وهل أنت جزء من هذا الاستخدام؟" سأل "أمير" مباشرة، ولم يكن يريد سماع تلميحات، بل حقائق.
تردد "الدكتور سليمان" لبرهة، ثم قال: "لقد سعيت دائمًا للحفاظ على التوازن. ولكن، في بعض الأحيان، يكون الحفاظ على التوازن يعني اتخاذ قرارات صعبة، قرارات قد لا يفهمها الجميع."
في هذه اللحظة، دخلت "ليلى" إلى المكتب، وقد بدت شاحبة اللون، وعيناها مليئتان بالحزن. سلمت على "أمير" بنظرة سريعة، ثم قالت للدكتور: "يا دكتور، لقد أرسلت لي رسالة غامضة. هل كل شيء على ما يرام؟"
لم يجب "الدكتور سليمان" على سؤالها، بل استمر في النظر إلى "أمير" بعينين مليئتين بالتأمل. ثم، وبصوت خافت، قال: "لقد وصلت إلى منعطف حاسم، يا أمير. الحقيقة التي تبحث عنها قد تكلفك الكثير. وقد تكلف الأكاديمية كلها الكثير."
"أنا مستعد للدفع"، قال "أمير" بثبات. "لم أعد أستطيع العيش في الظلام. أريد أن أعرف الحقيقة الكاملة، مهما كانت."
نظرت "ليلى" بين "أمير" و"الدكتور سليمان"، وشعرت بأن شيئًا خطيرًا على وشك الحدوث. كان بإمكانها رؤية الصراع الدائر في عيني "الدكتور سليمان"، والتصميم الراسخ في عيني "أمير".
"ما الذي اكتشفته يا أمير؟" سألت "ليلى" بصوت مرتجف. "ما هي الحقيقة التي تهدد كل شيء؟"
قبل أن يتمكن "أمير" من الإجابة، قام "الدكتور سليمان" من مقعده، وتوجه نحو رف كتب قديم، وأزاح أحد الكتب، ليكشف عن باب سري صغير. قال بصوت جهوري: "الحقيقة، يا أمير، ليست في الكتب التي تُقرأ، بل في الأماكن التي لا يصل إليها الضوء. وأعتقد أن الوقت قد حان لتفتح بابها."
شعر "أمير" برعشة تسري في جسده. لم يكن يتوقع هذا. لم يتوقع أن تكون الأكاديمية، بمظهرها العلمي البحت، تخفي وراءها أسرارًا بهذا العمق. كانت هذه هي النقطة التي لا رجعة فيها. لقد دفعته الغيرة على الحقيقة إلى الأمام، ولم يكن بإمكانه التراجع الآن. أخذ نفسًا عميقًا، ووقف بجانب "الدكتور سليمان"، مستعدًا لمواجهة ما سيأتي، مهما كان مظلمًا أو مخيفًا. كانت "ليلى" تنظر إليهما بذهول، وقلبها يخفق بقوة، تتساءل أي طريق اختاروا، وأي مصير ينتظرهم.