رحلة بين النجوم الجزء الثالث

همسات الماضي: لعنة "المخطوطات"

بقلم بلال الصادق

أعاد "الدكتور سليمان" إغلاق الباب السري، وعاد الهدوء النسبي لمكتبه، ولكن الصمت الذي خلفته "مرآة العوالم" كان أثقل وأعمق. استمر "أمير" و"ليلى" في الجلوس، وكل منهما غارق في أفكاره، محاولًا استيعاب حجم الاكتشافات التي شهدوها. لم تعد النجوم مجرد نقاط مضيئة، بل أصبحت بوابات إلى عوالم لا حصر لها، ولكل منها قصتها، ولكل منها صراعها.

"يا دكتور سليمان"، بدأ "أمير"، بصوت لم يعد يحمل مجرد فضول، بل عزمًا متزايدًا، "قلت إن الوثائق التي وجدتها هي مفاتيح. مفاتيح لفهم لغة العوالم الأخرى. هل تقصد أن هذه الحضارات القديمة كانت تتواصل مع عوالم أخرى؟"

"بالتأكيد"، أجاب "الدكتور سليمان"، وهو يشير إلى خزانة قديمة، تبدو وكأنها جزء من تصميم المكتب الأصلي. "لقد أطلق عليها أسلافنا اسم 'المخطوطات المنسية'. إنها ليست مجرد نصوص مكتوبة، بل هي خوارزميات كونية، تحتوي على لغات، وقوانين فيزيائية، وحتى مشاعر، تتجاوز فهمنا الحالي. لقد قضى الكثير من العلماء قبلي حياتهم في محاولة فك رموزها، ولكنهم لم يصلوا إلا إلى القليل."

فتح "الدكتور سليمان" الخزانة، وكشف عن مجموعة من الألواح المعدنية الرقيقة، مغطاة برموز غريبة، وخطوط متعرجة، تبدو وكأنها حية. أمسك بأحد الألواح، وقال: "هذه، يا أمير، هي مفتاحك. لقد رأيت في عينيك ما لم أره في غيرك. لقد رأيت ذلك الشغف الأصيل بالمعرفة، وتلك الرغبة في فهم الأسباب، وليس فقط النتائج. أنت لديك القدرة على فهم ما لم يستطعه الآخرون."

مد "الدكتور سليمان" اللوح إلى "أمير". شعر "أمير" برعشة تسري في يده وهو يلمس اللوح. لم يكن معدنًا عاديًا، بل كان يبدو وكأنه يمتص حرارة جسده، وينبعث منه صوت خافت، كأنه همس.

"ما الذي يجب أن أفعله بهذا؟" سأل "أمير".

"لا تحاول أن تفهمه بعقلك فقط، يا أمير"، نصح "الدكتور سليمان". "حاول أن تشعر به. أغلق عينيك، واسمح له بأن يوصل لك رسالته. ستجد أن لغته ليست بالكلمات، بل بالصور، بالمشاعر، بالحقائق المجردة."

أغمض "أمير" عينيه، وأمسك باللوح بقوة. في البداية، لم يحدث شيء. ثم، بدأ يشعر بتيارات غريبة تتغلغل في عقله. لم تكن أفكارًا، بل كانت صورًا. رأى أشكالًا هندسية معقدة تتشكل وتتغير، رأى سماءً ذات ألوان غريبة، ورأى كائنات تتواصل بلغة ليست لغته، ولكنها تبدو مألوفة بشكل غريب.

"إنها... إنها ليست لغة منطوقة"، تمتم "أمير"، وعيناه ما زالتا مغلقتين. "إنها... حقيقة. كل رمز يمثل حقيقة مجردة. حقيقة عن الخلق، عن الوجود، عن الترابط بين كل الأشياء."

ابتسم "الدكتور سليمان" بخفة. "أحسنت، يا أمير. لقد بدأت تفهم. هذه الحضارات لم تكن تمتلك معرفة بالعالم المادي فحسب، بل بمعرفة أعمق، معرفة بالوجود نفسه. وهذه المعرفة، للأسف، كانت سبب هلاك الكثير منها. لقد وقعوا في فخ 'الغطرسة الكونية'."

"الغطرسة الكونية؟" سألت "ليلى"، وهي تنظر إلى "أمير" باهتمام بالغ.

"نعم"، أكد "الدكتور سليمان". "عندما يكتشفون قوة هائلة، ينسون أنفسهم. يبدأون في الاعتقاد بأنهم أصبحوا آلهة، وأنهم قادرون على التحكم في كل شيء. وهذه الغطرسة، يا ليلى، هي التي تؤدي إلى النهاية. لقد رأينا حضارات تدمّر نفسها بالكامل، بسبب ثمن طموحها."

"ولماذا تخشى أن نقع في نفس المصير؟" سأل "أمير"، وقد بدأ يفتح عينيه ببطء. "ألا تعتقد أن لدينا القدرة على التعلم من أخطائهم؟"

"أؤمن بقدرتك وقدرة ليلى على التعلم، يا أمير"، أجاب "الدكتور سليمان". "ولكن، الخطر يأتي من الخارج أيضًا. هناك من يريد هذه المعرفة، لا ليستخدمها للخير، بل ليستخدمها للقوة. لتدمير الآخرين، للسيطرة على الكون. وهم، يا للأسف، يفتقرون إلى أي حس أخلاقي أو رحمة."

"من هم؟" سألت "ليلى"، وقد بدأ القلق يتملكها. "من هم هؤلاء الذين يريدون هذا؟"

"لست متأكدًا تمامًا"، اعترف "الدكتور سليمان". "ولكن، هناك إشارات. إشارات من 'مرآة العوالم'. لقد رأيت صورًا، لم تكن واضحة، ولكنها تحمل تهديدًا. هناك كيانات، ليست بالضرورة من هذا العالم، تسعى للاستحواذ على 'مرآة العوالم'. وقد بدأت تعرف طريقها."

شعر "أمير" بأن ثقل العالم كله قد وقع على كتفيه. لم يعد الأمر يتعلق بالنجوم، أو بالعوالم الأخرى، بل بحرب قد تنشأ، حرب على مصير الكون.

"وماذا عن 'مجمع الأسرار'؟" سأل "أمير"، "وما هي طبيعة الأسرار التي يتم إخفاؤها؟"

"هناك الكثير، يا أمير"، قال "الدكتور سليمان"، وهو يتجه نحو رف آخر، به كتب قديمة مغلفة. "هناك أسرار حول أصل الكون، حول طبيعة الوعي، حول وجود كائنات تتجاوز فهمنا. ولكن، الأهم الآن هو ما يتعلق بالتهديد الخارجي. لقد تركت 'مرآة العوالم' شيئًا، بصمة. إنها تسمح لنا بتتبعهم، ولكنها أيضًا تسمح لهم بتتبعنا."

"وهل هناك أي وسيلة لحمايتنا؟" سأل "أمير".

"الأمان الوحيد هو المعرفة"، قال "الدكتور سليمان". "كلما فهمنا أكثر، كلما كنا أقوى. هذه 'المخطوطات المنسية' تحتوي على أسرار لا تتعلق فقط بكيفية بناء حضارات، بل بكيفية حماية الحضارات. إنها تحوي تقنيات، لم نفكر بها قط."

"ولكن، كيف سنفهم كل هذا الوقت؟" سأل "أمير"، وشعر بالإرهاق. "الوقت قصير."

"الوقت هو كل ما نملك، يا أمير"، أجاب "الدكتور سليمان". "وهذا هو السبب الذي يجعلك أنت وليلى محور هذه المعركة. عليكم أن تتعلموا، وأن تفهموا. وعليكم أن تقرروا، ما إذا كنتم مستعدين لمواجهة التحدي، أم ستتركون هذا العالم يسقط في الظلام."

"نحن مستعدون"، قال "أمير" بثبات. "ماذا علينا أن نفعل؟"

نظرت "ليلى" إلى "أمير"، ورأت فيه بطلاً لم يكن يعرف أنه سيصبح. شعرت بأنها جزء من شيء كبير، شيء قد يغير مسار التاريخ.

"عليكم أن تتعمقوا في 'المخطوطات المنسية'،" قال "الدكتور سليمان". "عليكم أن تفكوا رموزها، وأن تستخرجوا منها كل معلومة، وكل تقنية. إنها مفاتيح الأمل، ومفاتيح النجاة. ولكن، كونوا حذرين. فكل معلومة قد تحمل معها لعنة، إذا لم يتم استخدامها بحكمة."

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%