رحلة بين النجوم الجزء الثالث
رياح التغيير: لقاء مع "الحارسة"
بقلم بلال الصادق
بدأت الأيام التي تلت زيارة "المجمع" تتسم بنوع من الجدية المكثفة، والإلحاح الخفي. كان "أمير" و"ليلى" يغوصان في عالم "المخطوطات المنسية" بعمق لم يعهداه من قبل. لم تعد مجرد دراسة للرموز، بل كانت رحلة روحية، رحلة تستدعي كل ذرة من وعيهما، وكل قدرة لديهما على الاستيعاب. كانت "المخطوطات" تتفتح أمامهما كأزهار غريبة، تكشف عن ألوان زاهية، وروائح عطرة، وأحيانًا، عن أشواك حادة.
كان "أمير" يجد نفسه مستغرقًا في دراسة الألواح المعدنية، يشعر وكأنها تتحدث إليه مباشرة. كان يتعلم لغة لم يسمع بها، ولغة لم يقرأها، لغة تعتمد على المفاهيم المجردة، وعلى الترابطات الكونية. كان يتخيل نفسه في عوالم أخرى، يتفاعل مع كائنات ذات أشكال مختلفة، ولكنه يشعر بوحدة الهدف، بوحدة الوجود. وفي كل مرة كان يشعر بالوصول إلى درجة معينة من الفهم، كان يشعر بنوع من البريق يظهر في عينيه، وتزداد ثقته بنفسه.
أما "ليلى"، فقد وجدت نفسها تركز على الجوانب العملية، على التقنيات التي كانت "المخطوطات" تشير إليها. كانت تتخيل أدوات، وأجهزة، وأنظمة، لم تكن تخطر على بال أي عالم في عصرها. كانت ترى إمكانيات لا محدودة، ولكنها كانت أيضًا ترى الخطر الكامن في إساءة استخدام هذه التقنيات. كانت ترى كيف يمكن لقوة بسيطة، في الأيدي الخطأ، أن تتحول إلى دمار شامل.
"يا أمير"، قالت "ليلى" ذات يوم، وهي تنظر إلى رسم هندسي معقد في أحد الألواح، "هذا التصميم... إنه لا يشبه أي شيء نعرفه. يبدو وكأنه يتحكم في طاقة لم نسمع بها من قبل. كيف يمكن لشيء بهذا التعقيد أن يتم إنشاؤه؟"
"إنها ليست فقط تقنية، يا ليلى"، أجاب "أمير"، وهو يشير إلى رمز آخر. "إنها تتطلب فهمًا عميقًا لطبيعة المادة، وطبيعة الوعي. إنهم لم يكونوا يبنون أدوات، بل كانوا يخلقون أدوات متناغمة مع قوانين الكون."
كان "الدكتور سليمان" يراقب تقدمهما بذهول، وارتياح. كان يرى فيهما بصيص الأمل الذي كان يبحث عنه. كان يعلم أن الطريق لم يكن سهلاً، وأن الأسرار التي كانت "المخطوطات" تكشفها كانت تتزايد، ولكنه كان يرى أيضًا أنهما كانا يستحقان هذه المسؤولية.
في إحدى الأمسيات، بينما كان "أمير" و"ليلى" يعملان معًا في مكتب "الدكتور سليمان"، انفتح باب المكتب بهدوء، ودخلت امرأة غريبة. لم تكن ترتدي الزي الرسمي للأكاديمية، بل كانت ترتدي عباءة طويلة داكنة، يغطي رأسها حجاب يخفي معظم وجهها، ولكن عينيها كانتا واضحتين، تلمعان بذكاء عميق، ونظرة حادة.
"من أنت؟" سأل "أمير"، وقد نهض من مكانه، واستعد للدفاع.
"لا تخف يا بني"، قالت المرأة بصوت رقيق، ولكنه يحمل قوة واضحة. "أنا 'عائشة'. لقد كنت أراقبكم لفترة طويلة."
"تراقبيننا؟" سألت "ليلى"، وشعرت بنوع من الرهبة. "ولماذا؟"
"لأنكم على الطريق الصحيح"، أجابت 'عائشة'. "ولأنكم بحاجة إلى مساعدة. 'الدكتور سليمان' يقوم بعمله على أكمل وجه، ولكن هناك جوانب من المعرفة لا يمكنه الوصول إليها. جوانب تتعلق بالجانب الروحي، وبالقوى التي لا تُرى."
"ومن تكونين أنتِ؟" سأل "أمير"، لم يكن يشعر بالتهديد، بل بنوع من الغموض.
"أنا 'حارسة الأسرار القديمة'"، قالت 'عائشة'. "لقد عهد إليّ الحفاظ على التوازن، وعلى المعرفة التي قد تدمر العالم إذا وقعت في الأيدي الخطأ. لقد رأيت ما فعلته 'المخطوطات المنسية' بالحضارات التي سبقتكم، ورأيت كيف أن الطموح الجامح قد يؤدي إلى الدمار."
"هل أنتِ من هؤلاء الذين تسعى إليهم القوى الخارجية؟" سأل "أمير"، متذكرًا كلام "الدكتور سليمان".
"لا، يا بني"، نفى 'عائشة'. "أنا لست جزءًا من هذا الصراع. أنا أحاول الحفاظ على السلام. 'مرآة العوالم' هي مفتاح، ولكنها أيضًا خطر. إنها تكشف عن الحقائق، ولكنها تجذب أيضًا القوى التي تسعى للسلطة. وقد وصلوا. وقد أصبحوا قريبين جدًا."
"وماذا تفعلين؟" سألت "ليلى"، وهي تشعر بأن هذا اللقاء يتجاوز كل ما كانت تتخيله.
"أنا أساعد أولئك الذين يملكون النية الحسنة، والقدرة على فهم المعرفة، على استخدامها للحماية، وليس للسيطرة"، أجابت 'عائشة'. "لقد رأيت إصراركم، ورأيت شغفكم. ولذلك، جئت لأقدم لكم المساعدة. لدي معرفة، ومعلومات، قد تكون حاسمة في هذه المعركة."
"أي نوع من المساعدة؟" سأل "أمير".
"سأساعدكم على فهم الأبعاد الروحية للمعرفة"، قالت 'عائشة'. "سأساعدكم على فهم كيف أن التوازن بين القوة والمعرفة، وبين السيطرة والرحمة، هو مفتاح النجاة. سأعلمكم كيف تحمون أنفسكم من التأثيرات الخارجية، وكيف تستخدمون هذه المعرفة لحماية هذا العالم."
"وكيف يمكننا الوثوق بك؟" سأل "أمير"، لم يكن يشك بها، ولكن كان يشعر بمسؤوليته.
"الثقة، يا بني، تُكتسب بالأفعال، وليس بالكلمات"، قالت 'عائشة'. "لقد خدمت هذا الهدف لفترة طويلة، قبل أن تولد أنت وليلى، وقبل أن يولد 'الدكتور سليمان' نفسه. والأعمال تتحدث عن نفسها. الآن، دعوني أخبركم بما أعرفه عن هؤلاء الذين يسعون إلى 'مرآة العوالم'."
بدأت 'عائشة' تتحدث، وبدأت تكشف عن معلومات صادمة، ومعلومات لم يتخيل "أمير" أو "ليلى" أنهم سيسمعونها. كانت تتحدث عن كيانات من أبعاد أخرى، كيانات تسعى إلى امتصاص طاقة الكواكب، إلى السيطرة على الحضارات. كانت تتحدث عن خططهم، وعن نقاط ضعفهم.
"إنهم لا يفهمون معنى الوجود الحقيقي"، قالت 'عائشة'. "إنهم يرون القوة فقط. ولذلك، فإن فهمكم، وفهمكم لطبيعة الحب، ولطبيعة الرحمة، هو أقوى سلاح لديكم. إنهم لا يملكون هذه المشاعر، ولذلك، فإنهم يفتقرون إلى الحكمة التي تأتي معها."
شعر "أمير" بأن هذا اللقاء يمثل نقطة تحول حقيقية. لقد تجاوزوا مرحلة الاكتشاف، وبدأوا في الاستعداد للمعركة. كانت "عائشة" مثل مرآة أخرى، لا تكشف عن العوالم الأخرى، بل تكشف عن أبعاد جديدة في فهمهم الخاص، وفي فهمهم للوجود.
"ماذا تريدين منا؟" سأل "أمير"، بعد أن استمع بعناية.
"أريد منكم أن تتعلموا"، أجابت 'عائشة'. "وأن تفهموا. وأن تقرروا. هل ستقفون شامخين، أم ستسمحون لهذه القوى بأن تدمر كل شيء؟ إن المستقبل، يا بني، يعتمد على قراراتكم."
نظرت 'عائشة' إلى "أمير" وليلى، بابتسامة غامضة، ثم تراجعت بهدوء، واختفت بنفس الغموض الذي ظهرت به. تركتهما وحيدين، مع ثقل جديد من المسؤولية، ومع بصيص من الأمل، وقناعة بأن المعركة لم تبدأ بعد، وأنها ستكون أعنف وأخطر مما تخيلوا.