رحلة بين النجوم الجزء الثالث
وهم الصحراء الكونية
بقلم بلال الصادق
بدأت "الأمل" تتحرك ببطء، تتبع الكيان البلوري الذي يتقدم أمامها كمنارة في بحر الظلام. لم تكن هناك حاجة للاستكشاف المسبق، فقد كان الكيان يقودهم بخبرة، متجنباً أي مخاطر محتملة، متوجهاً نحو نقطة محددة في الفضاء. كانت الرحلة قصيرة، بضع ساعات فقط، ولكنها كانت مليئة بالترقب. كل لحظة كانت تحمل سؤالاً جديداً.
"هل تعتقد أننا سنلتقي بأبناء حضارات أخرى، سيدي؟" سألت ليلى، وهي تنظر إلى شاشة تعرض خريطة طاقوية أعدها الكيان.
"ربما، ليلى. أبي كان يؤمن بأن الكون مليء بالحياة. وأننا لسنا وحدنا."
"ولكن كيف نتواصل معهم؟ هل سيكونون ودودين؟"
"هذا ما سنكتشفه، يا خالد. قيمة الإيمان هي أننا نسير في طريق لا نعرف نهايته، ولكننا نسير فيه بقناعة. وقيمة القيم هي أننا إذا واجهنا الآخرين، سنواجههم بالاحترام، وبالسلام."
"أتمنى أن يكونون كذلك، سيدي،" قال خالد، وهو ينظر إلى يده. "لقد رأيت الكثير من الصراع في حياتي. أخشى أن نجد أنفسنا في مواجهة مع حضارات لا تفهم معنى التعايش."
"لهذا السبب نحمل أمانة القيم، يا خالد. لكي نكون مثالاً. لكي نظهر للعالم، أو للعوالم، أن هناك طريقاً آخر غير طريق العنف والدمار."
"القائد، لقد وصلنا إلى الوجهة المحددة،" قالت ليلى. "لكن… لا يوجد شيء هنا. مجرد فراغ."
نظر عمران إلى الشاشة. بالفعل، لم يكن هناك أي شيء مرئي. فراغ كوني، تتلألأ فيه النجوم البعيدة.
"لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً،" قال عمران. "الكيان أوصلنا إلى هنا. لا بد أن هناك شيئاً."
"الأجهزة تلتقط طاقة قوية، سيدي، ولكنها… خفية. وكأنها مدفونة تحت وهم."
"وهم؟"
"نعم، سيدي. يبدو أن هذا المكان مغطى بنوع من التمويه الطاقوي. وكأن هناك شيئاً يحاول إخفاءه."
"هل الكيان على علم بذلك؟"
"يبدو أنه كذلك، سيدي. إنه يتحرك الآن ببطء، وكأنه يبحث عن نقطة ضعف في هذا الوهم."
أمضى الكيان البلوري بعض الوقت وهو يسبح في الفراغ، ثم بدأ في إصدار نبضات طاقوية متتالية. كل نبضة كانت تتردد في الفراغ، ثم تختفي.
"هذه النبضات… إنها تتشابه مع ترددات الموسيقى التي سمعناها،" قالت ليلى. "ولكنها متقطعة، وغير مكتملة."
"إذاً، المفتاح لا يزال لدينا،" قال عمران، وهو يشير إلى جهاز الإرسال. "ليلى، أعيدي تشغيل موسيقى الأب. خالد، جهز جهاز الإسقاط الهولوغرافي. سنحاول اختراق هذا الوهم."
عادت الموسيقى الهادئة والمؤثرة إلى الأثير. وفي وسط المختبر، ظهرت النجمة المتفرعة الهولوغرافية.
"القائد، يبدو أن الكيان يدرك ما نقوم به،" قالت ليلى. "إنه يوجه نبضاته الطاقوية نحو النجمة."
"هذا جيد! استمروا في ذلك!"
وبينما كانت الموسيقى تتدفق، والنجمة تتراقص، بدأت تتكشف أمور غريبة. بدأت جزيئات دقيقة من الضوء تتجمع في الفراغ أمامهم، وكأنها غبار نجمي سحري. ثم، بدأت هذه الجزيئات تتشكل، تتجمع، لتخلق صورة.
كانت الصورة واضحة، ولكنها غريبة. بدت وكأنها صحراء شاسعة، ولكنها ليست صحراء من الرمال. كانت صحراء من الضوء. وفي وسط هذه الصحراء، كانت هناك واحة. واحة من الماء المتلألئ، وفي وسط الواحة، مبنى. مبنى مهيب، ذو تصميم قديم، ولكنه بدا وكأنه خالد، لا يتأثر بالزمن.
"ما هذا؟" هتف خالد. "هل هذه… مدينة؟"
"ليست مدينة، يا خالد،" قال عمران. "إنها… وهم. وهم خلقته التكنولوجيا، أو ربما… السحر."
"ولكن لماذا؟ لماذا كل هذا الإخفاء؟" سألت ليلى.
"ربما لحماية شيء ما،" أجاب عمران. "أو ربما… لاختبار من يصل. أبي قال 'حارس الأبواب'. ربما هذا الوهم هو الباب. ونحن الآن وجدنا طريقة لفتحه."
"ولكن ما الذي سنواجهه خلف هذا الوهم؟" سأل خالد. "هل هو مأوى؟ أم فخ؟"
"هذا ما سنكتشفه، يا خالد. ولكن علينا أن نكون حذرين. إذا كان هذا المكان محمياً بهذا الشكل، فمن المؤكد أن هناك من يريد حمايته."
"القائد، الكيان يواصل توجيه نبضاته، ولكن الآن، يبدو أنه يشير إلى المبنى في الواحة."
"هل يريد منا أن نقترب؟"
"يبدو كذلك، سيدي. إنه يحاول أن يرشدنا إلى الداخل."
"ولكن… كيف نصل إلى هناك؟"
"ليلى، هل يمكن للأجهزة أن تحدد مساراً آمناً عبر هذا الوهم؟"
"أحاول، سيدي. ولكن المنطقة مضطربة جداً. يبدو أن هناك تداخلات طاقوية معقدة."
"إذاً، سنحتاج إلى الاستعانة بالكيان."
"القائد، الكيان يرسل لنا إشارة. وكأنه يقول… 'اتبعوني'."
"هذا هو المطلوب،" قال عمران، وقد شعر بأن ثقته تزداد. "ليلى، قومي بتفعيل نظام القيادة الآلية، واتبعي مسار الكيان. خالد، جهزي معدات الاستكشاف. سننزل إلى هناك."
"ننزل؟ إلى الداخل؟" سأل خالد، وعيناه تتسعان.
"نعم، خالد. إذا كان هناك شيء مهم ينتظرنا، فلا يمكننا أن نتركه دون استكشاف."
"ولكن، سيدي، هل هذه القيم التي تحمل