رحلة بين النجوم الجزء الثالث
ضَيَاعُ الْبَوْصَلَةِ وَرِقَّةُ الْأَعْصَابِ
بقلم بلال الصادق
كَانَتْ "أُورَانُوسُ الْأَوَّلُ" تَنْبِضُ بِالْحَيَاةِ، حَيَاةٍ مَشُوبَةٍ بِاللَّهْوِ وَالْفَخْرِ. الْأَضْوَاءُ تَتَلَأْلَأُ، وَالْأَصْوَاتُ تَتَدَافَعُ، وَرَائِحَةُ الْعُطُورِ الْمُبْذَرَةِ تَعْلُو. لَكِنَّ مَيَاسِينَ لَمْ تَعُدْ تَرَى الْجَمَالَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. كَانَتْ تَرَى فَقَطْ سُطُوحًا بَرَّاقَةً تُخْفِي فَجَوَاتٍ سَحِيقَةً.
"هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ هُنَا، لَمْ يَعُودُوا يَعْرِفُونَ مَعْنَى الْقَنَاعَةِ," قَالَتْ لِأَخِيهَا "زَاهِدٍ"، وَهُوَ يَتَّكِئُ عَلَى سُورٍ زُجَاجِيٍّ يُطِلُّ عَلَى مَدِينَةٍ مُتَلَأْلِئَةٍ. "إِنَّهُمْ يُطَارِدُونَ سَرَابًا، يَتَخَيَّلُونَ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ السَّعَادَةَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ السَّرِيعَةِ الزَّوَالِ."
زَاهِدٌ، الَّذِي كَانَ دَائِمًا رَاسِخًا كَالْجِبَالِ، تَنَاوَلَ كَأْسَ مَاءٍ مِنْ مَائِدَةٍ قَرِيبَةٍ. "الْقَلْبُ مَخْلُوقٌ لِلْحُبِّ وَالْإِيمَانِ، لَا لِلْجَمْعِ وَالْاِسْتِهْلَاكِ. وَعِنْدَمَا يُفْقَدُ ذَلِكَ، فَلَا عَجَبَ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ بَدِيلٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ بَدِيلًا مُدَمِّرًا."
كَانَ لُؤَيٌّ، الَّذِي كَانَ يَوْمًا مَا رَفِيقَ زَاهِدٍ فِي الْحَرْبِ وَالسَّلَامِ، قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى مِثَالٍ لِهَذِهِ الْحَالِ. رَأَتْهُ مَيَاسِينُ فِي أَحَدِ الْمَجَالِسِ، يَحْكِي بِتَفَاهَةٍ عَنْ صَفَقَاتِهِ الْجَدِيدَةِ، عَنْ رِفَاقِهِ الْجُدُدِ، عَنِ الْأَبْرَارِ الَّذِينَ بَاعُوا أَرْوَاحَهُمْ لِأَجْلِ بَعْضِ اللَّحَظَاتِ مِنْ سَعَادَةٍ مُزَيَّفَةٍ. كَانَ قَدْ فَقَدَ بَرِيقَ عَيْنَيْهِ، وَأَصْبَحَ صَوْتُهُ مُبَاحًا، خَالِيًا مِنْ ذَلِكَ الْحَيَاءِ الَّذِي كَانَ يُمَيِّزُهُ.
"إِنَّهُ يُدَمِّرُ نَفْسَهُ، وَيُدَمِّرُ مَنْ حَوْلَهُ," قَالَتْ مَيَاسِينُ بِحُزْنٍ. "لَا أَتَذَكَّرُ أَنَّنِي رَأَيْتُهُ هَكَذَا مِنْ قَبْلُ. كَأَنَّهُ قَدْ فَقَدَ بَوْصَلَتَهُ، وَصَارَ هَائِمًا بِلَا هَدَفٍ."
"مَنْ يَفْقِدُ بَوْصَلَةَ الْإِيمَانِ، لَا يَجِدُ طَرِيقًا," أَجَابَ زَاهِدٌ بِجِدٍّ. "كَانَ لُؤَيٌّ قَوِيًّا، لَكِنَّ قُوَّتَهُ لَمْ تَكُنْ مُسْتَمَدَّةً مِنْ مَصْدَرِهَا الصَّحِيحِ. كَانَ قَوِيًّا بِجَسَدِهِ وَبِشَجَاعَتِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُقَوِّ قَلْبَهُ وَرُوحَهُ بِالْحَقِّ."
فَجْأَةً، رَأَتْ مَيَاسِينُ "رَغَدَ" تَمْشِي بِبُطْءٍ نَحْوَهُمَا، تَتَمَايَلُ فِي خُطُوَاتِهَا. لَمْ تَعُدْ تِلْكَ الْفَتَاةُ الْبَرِيئَةُ الَّتِي عَرَفَتْهَا. كَانَتْ تَرْتَدِي ثِيَابًا فَاضِحَةً، وَتَضَعُ مَكْيَاجًا ثَقِيلًا. عَيْنَاهَا كَانَتَا مُرْهَقَتَيْنِ، بَاهِتَتَيْنِ، كَأَنَّهُمَا تَنْبُضَانِ بِأَلَمٍ خَفِيٍّ.
"رَغَدٌ!" نَادَتْهَا مَيَاسِينُ بِصَوْتٍ مَذْعُورٍ. "مَاذَا حَلَّ بِكِ؟"
تَوَقَّفَتْ رَغَدٌ أَمَامَهُمَا، وَابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً زَائِفَةً. "مَيَاسِينُ؟ زَاهِدٌ؟ مَاذَا تَفْعَلُونَ هُنَا؟ أَلَمْ تَأْتُوا لِتَتَمَتَّعُوا بِجَمَالِ "أُورَانُوسُ الْأَوَّلُ"؟"
"نَحْنُ هُنَا لِنُحَاوِلَ فَهْمَ مَا يَجْرِي," قَالَ زَاهِدٌ بِصَوْتٍ هَادِئٍ. "وَلِكِنَّكِ يَا رَغَدُ، تَبْدِينَ قَدْ فَقَدْتِ بَوْصَلَتَكِ."
ضَحِكَتْ رَغَدٌ ضَحْكَةً سَاخِرَةً. "بَوْصَلَةٌ؟ أَيُّ بَوْصَلَةٍ؟ هَلْ تَقْصِدُ الْبَوْصَلَةَ الَّتِي تُوَجِّهُنَا نَحْوَ الْقِيَمِ الْقَدِيمَةِ؟ تِلْكَ الْبَوْصَلَةُ لَمْ تَعُدْ صَالِحَةً هُنَا. هُنَا، نَتَّبِعُ قَوَانِينَ أُخْرَى."
"قَوَانِينٌ تُدَمِّرُكُمْ!" صَرَخَتْ مَيَاسِينُ، وَشَعَرَتْ بِالشَّظَايَا الضَّوْئِيَّةِ عَلَى يَدِهَا تَتَمَوَّجُ بِغَضَبٍ. "لَا تَنْجَرِفِي مَعَهُمْ. لَا تَدَعِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الْمُزَيَّفَةَ تُبْعِدُكِ عَنْ نَفْسِكِ."
"مِنْ أَنَا؟" سَأَلَتْ رَغَدٌ بِفُتُورٍ. "أَنَا لَسْتُ تِلْكَ الْفَتَاةَ الْبَرِيئَةَ الَّتِي ظَنَنْتُمْ أَنَّهَا سَتَأْتِي لِتَخْدُمَ وَتُطِيعَ. أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْيَا. أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ قَوِيَّةً. أُرِيدُ أَنْ أُحِسَّ بِالْحَيَاةِ."
"هَذِهِ لَيْسَتْ حَيَاةً، بَلْ سَرَابٌ," قَالَ زَاهِدٌ بِحَزْمٍ. "هَذِهِ لَيْسَتْ قُوَّةً، بَلْ ضَعْفٌ مُقَنَّعٌ. قُوَّتُكِ الْحَقِيقِيَّةُ تَنْبَعُ مِنْ دَاخِلِكِ، مِنْ إِيمَانِكِ، مِنْ قِيَمِكِ."
"أَنْتَ لَا تَفْهَمُ," قَالَتْ رَغَدٌ وَهِيَ تَتَرَاجَعُ. "لَقَدْ غَيَّرْتُمْ هَذَا الْمَكَانَ فِي أَعْيُنِي. لَمْ يَعُدْ مَكَانًا لِلْحُلُمِ، بَلْ مَكَانًا لِلْاِسْتِمْتَاعِ. وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَمْتِعَ."
تَرَدَّدَتْ مَيَاسِينُ، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى رَغَدٍ وَهِيَ تَبْتَعِدُ. لَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ كَيْفَ تُوَاصِلُهَا. كَانَتْ رَغَدٌ قَدْ غَلَّقَتْ أَبْوَابَ قَلْبِهَا، وَلَمْ تَعُدْ تُصْغِي لِصَوْتِ الْحَقِّ.
"أَشْعُرُ بِأَنَّنِي أَفْقِدُ السَّيْطَرَةَ," قَالَتْ مَيَاسِينُ لِزَاهِدٍ. "هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نُحِبُّهُمْ، يَنْزَلِقُونَ مِن بَيْنِ أَصَابِعِنَا. كَأَنَّ هَذَا الْكَوْكَبَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى سَحْبِ أَجْمَلِ مَا فِينَا."
"لَا تَقُولِي ذَلِكَ," رَدَّ زَاهِدٌ، مُبَادِرًا بِمُحَاوَلَةِ اسْتِعَادَةِ ثِقَتِهَا. "لَسْنَا عُزَّلَ. لَدَيْنَا مَا يَنْفَعُهُمْ، وَمَا يُعِيدُهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ. لَكِنَّهُمْ عَلَيْهِمْ أَنْ يُرِيدُوا ذَلِكَ."
"وَلَكِنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَ," قَالَتْ مَيَاسِينُ بِأَسَى. "لُؤَيٌّ، رَغَدٌ، وَغَيْرُهُمْ. هُمْ أَصْبَحُوا عَبِيدًا لِشَهَوَاتِهِمْ. وَهَذِهِ الشَّهَوَاتُ تُنْهِي حَيَاتَهُمْ."
"الشَّهَوَاتُ لَا تُنْهِي الْحَيَاةَ، بَلْ تُنْهِي رُوحَ الْحَيَاةِ," قَالَ زَاهِدٌ بِصِدْقٍ. "إِنَّهَا تُخْدِرُ الْقَلْبَ، وَتُعْمِي الْبَصِيرَةَ. وَلَكِنَّنَا لَنْ نَسْتَسْلِمَ. سَنُحَاوِلُ. سَنُحَاوِلُ أَنْ نُعِيدَ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَاكِرَتِهِمْ الْجَمِيلَةِ."
"لَكِنَّنِي أَخَافُ," هَمَسَتْ مَيَاسِينُ، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الْأَضْوَاءِ الَّتِي بَدَتْ لَهَا كَأَنَّهَا عُيُونٌ شَيْطَانِيَّةٌ تَرْتَقِبُ. "أَخَافُ أَنْ نَخْسَرَهُمْ إِلَى الْأَبَدِ. أَخَافُ أَنْ نُصْبِحَ نَحْنُ أَيْضًا عَرْضَةً لِهَذِهِ الْفِتْنَةِ."
"لَيْسَ هُنَاكَ خَوْفٌ مَعَ الْإِيمَانِ," قَالَ زَاهِدٌ وَهُوَ يَمْسِكُ بِكَفِّهَا. "كُلُّ مَا نَحْتَاجُهُ هُوَ أَنْ نَتَمَسَّكَ بِأُصُولِنَا، وَأَنْ نُذَكِّرَ أَنْفُسَنَا بِأَنَّ الْحَيَاةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ هُنَا. هَذِهِ "أُورَانُوسُ الْأَوَّلُ" هِيَ مَرْحَلَةٌ، وَمَرْحَلَةٌ قَدْ تَكُونُ اِخْتِبَارًا صَعْبًا."
شَعَرَتْ مَيَاسِينُ بِلَمْسَةِ يَدِ زَاهِدٍ، وَبِقُوَّةِ كَلِمَاتِهِ. هَذَا الشُّعُورُ الْقَوِيُّ، هَذَا الْحُبُّ الصَّادِقُ، كَانَ هُوَ مَا تُحَاوِلُ أَنْ تَبْحَثَ عَنْهُ. لَكِنَّهَا كَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْفِتْنَةَ لَنْ تَتَوَقَّفَ. سَتُصْبِحُ أَكْثَرَ شَرَّاسَةً، وَأَكْثَرَ خُبْثًا. وَعَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ مُسْتَعِدَّةً.