رحلة بين النجوم الجزء الثالث

قيود الفراغ وكوابيس الذكرى

بقلم بلال الصادق

كان صمت الكبسولة الفضائية يصم الآذان، لا يقطعه سوى همهمة الأجهزة الحيوية الخافتة التي ترصد أنفاس "سلطان" المتقطعة. لم تكن رحلة استكشاف إلى كواكب جديدة، بل كانت هربًا، هربًا محمومًا من واقع بات ثقيلًا، من ذكرى تتجدد مع كل نبضة قلب، من فراغ يسكن روحه منذ رحيل "ليلى". استلقى على سريره المريح، لكن لم يجد فيه سوى وبر الأرق. عيناه مفتوحتان على السقف المعدني البارد، تتخيلان سماء غريبة، نجومًا لم يرها قط، لكنها كانت أفضل من ذاك السقف الذي يعكس ظلال وحدته.

في عالم "سلطان" المتداعي، أصبح "الفراغ" سيدًا. لم يعد يجد لذة في أي شيء. الأوامر التي تصدرها القيادة العليا، والمهمات التي يكلف بها، أصبحت مجرد إجراءات روتينية، خطوات ميكانيكية تؤديها أشباح. كانت "ليلى" هي البوصلة التي توجه سفينة حياته، والآن، وقد انحرفت البوصلة، أصبح تائهًا في بحر من اللاجدوى. تعاطيه المستمر للمركبات المهدئة، التي يوصف بها للمهام الطويلة والشاقة، أصبح تجاوزًا للجرعات المحددة، سعيًا يائسًا لخماد تلك الشعلة المؤلمة التي تشتعل في صدره. كان يعرف أنه يخاطر، يخاطر بسمعته، بمسيرته، بوجوده. لكن الألم كان أكبر، وكان السعي للنسيان هو الأولوية القصوى.

جلست "فاطمة" في غرفة التحكم، تتفحص البيانات على الشاشة. وجهها الشاب يعكس قلقًا عميقًا. كانت ترى التغيير في "سلطان" منذ حادثة "القمر الأحمر". لم يعد ذلك القائد الشجاع، المفعم بالحياة، الذي كان يحمل لواء البعثات الاستكشافية. أصبح شبحًا، يلفه الحزن، وتثقله الأيام. كان "سلطان" أخيها الأكبر، وصديقها الوحيد في هذه البيئة القاسية. كانت تشعر بالذنب، لأنها لم تستطع فعل شيء لمنع ذلك الألم الذي التهمه.

"هل هناك جديد يا فاطمة؟" سأل "الدكتور عادل"، كبير الأطباء ورئيس قسم الصحة النفسية في القاعدة. كان صوته هادئًا، لكنه يحمل ثقل الخبرة.

"لا جديد، يا دكتور. المؤشرات الحيوية طبيعية، لكن نومه مضطرب، وشهيته ضعيفة. واستخدامه للمهدئات تجاوز المعدل الطبيعي بكثير." قالت "فاطمة" بصوت مرتجف قليلاً.

تنهد "الدكتور عادل" وقال: "الحزن يمكن أن يكون أقوى سلاح، وأشد عدو. "سلطان" يحمل عبئًا ثقيلًا. فقدان "ليلى" كان ضربة قاصمة، وفوق ذلك، يشعر بالمسؤولية عن الحادث. هذا الشعور بالذنب هو الذي يغذّي آلامه."

"ولكنه يدمر نفسه، يا دكتور. بهذه الطريقة، لن يستطيع قيادة أي مهمة، ولن يستطيع البقاء هنا. سمعته في خطر، ومستقبله..."

"لا نفكر في المستقبل الآن يا "فاطمة". نفكر في "سلطان" الآن. هو إنسان قبل أن يكون قائدًا. سأحاول التحدث معه. ربما، إن فهم أن هناك من يهتم لأمره، وأن هناك أملًا، قد يخفف عنه بعض الشيء."

في مختبر الأبحاث، كان "المهندس رمزي" يعمل على آخر التعديلات على جهاز "التواصل الفائق" الذي أطلقوا عليه اسم "مرآة الأبعاد". كان الجهاز يعتمد على تقنية غريبة، تعتمد على تداخل الموجات الكمومية لإنشاء قناة اتصال آنية عبر مسافات كونية شاسعة. كان "رمزي" يؤمن بأن اكتشافه هذا قد يغير مجرى التاريخ، بل وحتى طبيعة الوجود. ولكن، كلما اقترب من إكماله، شعر بقلق متزايد. كانت هناك أصداء غامضة تأتيه من هذا الجهاز، همسات بلغات غير مفهومة، وصور تتشكل وتتلاشى في زوايا رؤيته.

"هل أنت متأكد من هذه القراءات يا "رمزي"؟" سأل "الدكتور عادل" وهو يدخل المختبر.

"بالتأكيد، يا دكتور. إنها ليست مجرد تداخل. إنها... إشارات. وكأن هناك من يستجيب لمحاولاتنا. لكنني لا أفهمها. تبدو معقدة، غريبة، وكأنها من عالم آخر."

"وهذا ما يقلقني. عندما تتعامل مع المجهول، يجب أن تكون حذرًا. خاصة وأن "سلطان" يمر بمرحلة ضعف. أي اضطراب في الوضع قد يؤثر عليه بشدة."

"سلطان؟" سأل "رمزي" بدهشة. "لم أعلم أنه يعاني من شيء. كل ما أعرفه أنه أصبح منعزلًا."

"لقد فقد "ليلى" يا "رمزي". إنها نتيجة لفاجعة طبيعية، لكنه يحمل المسؤولية. هذا يؤثر عليه بشدة. إنه يدمن المهدئات."

اتسعت عينا "رمزي". "يدمن؟ يا إلهي! هذا أمر خطير. يجب أن نتحدث معه. ربما، إذا رأى أن مشروعه "مرآة الأبعاد" يقترب من النجاح، سيجد دافعًا جديدًا للحياة. هذا الاكتشاف قد يكون هو الأمل الذي يحتاجه."

عادت "فاطمة" إلى جناح "سلطان". كان نائمًا، أو بالأحرى، مستغرقًا في سبات عميق، سبات مثقل بالأدوية. اقتربت منه، ورأت تجاعيد الألم محفورة على جبينه. أمسكت بيده الباردة، وشعرت بضعف لم تعهده فيه.

"يا أخي," همست، "أنت لست وحدك. أنا هنا. "الدكتور عادل" هنا. "رمزي" هنا. كلنا هنا من أجلك. لا تدع الظلام يلتهمك. هناك نور، هناك أمل. فقط استيقظ."

في تلك اللحظة، بدأ "سلطان" يتململ. بدأت عيناه تتحركان تحت جفونه. كانت أحلامه تتلاطم، تتداخل فيها صور "ليلى" مع فراغ الكون. رأى وجهها يبتسم له، ثم يتحول إلى غبار نجمي يتلاشى. سمع صوتها يناديه، ثم يختفي في ضجيج صامت. كانت ذكريات متقطعة، مؤلمة، لكنها كانت كل ما تبقى له.

"ليلى..." تمتم باسمها بصوت خافت، بالكاد مسموع.

شعرت "فاطمة" بيد أخيها تضغط على يدها. فتح "سلطان" عينيه ببطء، وارتسم على وجهه ارتباك ممزوج بألم عميق. رأى وجه "فاطمة" يقف فوقه، ثم رأى وجه "الدكتور عادل".

"فاطمة؟ دكتور؟ ماذا يحدث؟" سأل بصوت أجش، لم تعتده كلماته.

"أنت بخير يا "سلطان". لقد كنت نائمًا. لقد كنت قلقين عليك." قالت "فاطمة" محاولة أن تكون هادئة.

نظر "سلطان" حوله، إلى الجدران البيضاء، إلى الأجهزة. لقد كان في "وحدة الاستعادة" في القاعدة. تذكر كل شيء. تذكر "ليلى". تذكر الرحلة. تذكر السقوط. تذكر الفراغ.

"أين أنا؟" سأل مرة أخرى، وبدأت نبرة من الشك تدخل صوته.

"أنت في القاعدة، يا "سلطان". أنت آمن. ولكن..." قال "الدكتور عادل" بتردد، "نحن قلقون عليك. طريقة استعادتك لم تكن صحية. لقد تجاوزت جرعات المهدئات."

شعر "سلطان" بوخزة غضب مفاجئة. "أنتم لا تفهمون. الألم لا يحتمل. "ليلى"... لم تعد موجودة. كل شيء تلاشى."

"نحن نتفهم ألمك يا "سلطان". لكن تدمير نفسك لن يعيدها. ولن يجديك نفعًا." قال "الدكتور عادل" بهدوء. "هناك طرق للتعامل مع هذا الألم. هناك أمل. مشروع "مرآة الأبعاد" يقترب من نهايته. "رمزي" على وشك تحقيق اختراق كبير. هذا قد يفتح آفاقًا جديدة لم نكن نتخيلها."

نطق اسم "مرآة الأبعاد". شعر "سلطان" بشيء يتغير بداخله. كانت تلك الرحلة، كانت تلك الأفكار، كانت تلك الأماني. هل يمكن حقًا أن يكون هناك شيء آخر؟ شيء يتجاوز هذا الألم؟

"مرآة الأبعاد..." رددها. كان يعلم جيدًا ما يعنيه هذا المشروع. كان يعرف أهداف "رمزي". هل يمكن أن يكون هذا هو الخلاص؟ أم مجرد سراب آخر في صحراء وحدته؟

"يجب أن أرى "رمزي". يجب أن أرى الجهاز." قال "سلطان" وهو يحاول النهوض، لكن جسده كان لا يزال يشعر بالضعف.

"رويدًا يا "سلطان". أنت بحاجة للراحة." حذره "الدكتور عادل".

"لا وقت للراحة، يا دكتور. إذا كان هناك أي أمل، أي فرصة، يجب أن أكون جزءًا منها. يجب أن أرى. يجب أن أفهم."

نظرت "فاطمة" إلى أخيها. رأت بصيصًا من النور في عينيه. بصيص الأمل الذي كانت تبحث عنه. لكنها رأت أيضًا شغفًا خطيرًا، شغفًا قد يقود به إلى هاوية أعمق. لقد كان مدمنًا على الألم، ومدمنًا على النسيان. والآن، كان على وشك أن يصبح مدمنًا على الأمل.

"سأريك يا "سلطان". سأريك كل شيء." قالت "فاطمة"، وهي تنظر إليه بعينين تجمعان بين القلق والتصميم.

كانت بداية المعركة. معركة "سلطان" ضد نفسه، ضد الألم، وضد الفراغ الذي استوطن روحه. وكان "رمزي" و"مرآة الأبعاد" هما الساحة التي ستقام عليها هذه المعركة. لكن هل سينتصر "سلطان"؟ أم ستلتهمه كوابيس الذكرى؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%