الفصل 1 / 25

عالم جديد 74

صدى النجوم البعيدة

بقلم رامي الكريم

كان الصمت يلفّ "أوريون 74" كوشاحٍ ثقيلٍ من المخمل الأسود، لا يقطعه سوى همسات الأجهزة الحيوية المتقطعة التي تحصي نبضات الحياة في هذا الجسد البشري الهشّ، المتناثر على أرضية كابينة القيادة المظلمة. ترنّحت خوذة "زين" المصنوعة من سبيكة "تيتانيوم-ألفا" المتطورة، وكشفت عن وجهٍ غارقٍ في عرقٍ بارد، وعينين تحدّقان في فراغٍ لا متناهٍ، محملتين بومضةٍ من الخوف لم تختفِ بعد. لم تكن هذه أول مرةٍ يواجه فيها خطرًا، لكن الليلة، كان الخطر يبدو وكأنه يلتهم كل شيءٍ حوله، كل ما يمثله.

تسلّلت إصبعه المرتعشة نحو لوحة التحكم، حيث كانت الأضواء الحمراء تومض بإنذارٍ صاخب، كقلوبٍ تنبض بالرعب. "حالة التبريد الحرجة… فشلٌ في المفاعل… تهديدٌ خارجيٌّ متصاعد…" لم يكن الأمر مجرد خللٍ فنيٍّ عابر، بل كان إعلان حربٍ صامتةٍ ضدّ البقاء. كان "زين" في مهمةٍ استكشافيةٍ فريدة، بعيدًا عن حشد الكواكب المأهولة، في محاولةٍ للعثور على مواردٍ جديدةٍ لمنح حضارته المتداعية شريان حياةٍ آخر. لكن يبدو أن "أوريون 74"، هذا الجرم السماويّ الغامض، لم يكن يرحب بالزوار.

ارتفعت سحبٌ من الغبار الكونيّ، ملطخةً بخيوطٍ فضيّةٍ من الطاقة المشعّة، تدور حول المركبة كأشباحٍ شرسة. سمع "زين" صوت ارتطامٍ غريب، وكأنّ شيئًا ضخمًا قد ارتطم بجسد "أوريون"، مما أحدث رجفةً عنيفةً اجتاحت أطرافه. لم يكن هذا طبيعيًا. لم تكن هناك علاماتٌ على أيّ جسيماتٍ كوكبيةٍ قريبةٍ بما يكفي لإحداث هذا التأثير. كان هناك شيءٌ آخر. شيءٌ حيٌّ، ربما؟

تسلّلت ذكرى وجه "ليلى" إلى ذهنه، ابتسامتها الدافئة التي كانت تضيء عالمه دائمًا. وعدها بأن يعود سالمًا، وأن يحضر معه الأمل. الأمل في مستقبلٍ أكثر استقرارًا، مستقبلٍ يمكن أن يعيش فيه أطفالهما في سلامٍ بعيدًا عن صراعات الأرض المريعة. كانت ليلى، زوجته، هي مرساة حياته، هي كل شيءٍ له. فكرة خسارتها، أو خسارة الأمل الذي تحمله، كانت أشدّ إيلامًا من أيّ جرحٍ جسديٍّ قد يصيبه.

"لا… لا يمكن أن أستسلم الآن"، تمتم "زين"، وهو يجمع ما تبقى من قوته. أمسك بمسدس الطاقة الذي كان معلقًا على حزامه، وشعر ببرودته المألوفة. لم يكن سلاحًا بسيطًا، بل كان امتدادًا لإرادته، أداةً صنعها ببراعةٍ ليحمي بها ما هو عزيزٌ عليه. دفع نفسه واقفًا، بالكاد استقامت قدماه على أرضية المركبة المائلة. كل حركةٍ كانت صراعًا، كل نفسٍ كان معركة.

وصل إلى نافذة القيادة، وهي قطعةٌ زجاجيةٌ بلوريةٌ عملاقةٌ تكشف عن منظرٍ بانوراميٍّ للفضاء الخارجيّ. لم يكن المنظر المعتاد للنجوم المتلألئة والسدم الملونة. بدلًا من ذلك، رأى وهجًا أزرقَ غريبًا يتصاعد من سطح الكوكب، كأنّ جرحًا عميقًا قد انفتح في جوهره. وتلا ذلك، مشهدٌ لم يكن يتخيله في أشدّ كوابيسه.

من قلب ذلك الوهج الأزرق، بدأت تخرج هياكلٌ غريبةٌ، ليست معدنيةً ولا حجرية، بل أشبه بكائناتٍ حيةٍ عملاقةٍ ذات أطرافٍ متموّجةٍ وألوانٍ فسفورية. كانت تتحرك ببطءٍ، ولكن بقوةٍ هائلة، متجهةً نحو "أوريون 74". كانت أشبه بـ"ديدانٍ فضائيةٍ" هائلة، قادرةٍ على اختراق أيّ حاجزٍ ماديٍّ.

"يا إلهي… ما هذه؟" سأل "زين" نفسه بصوتٍ بالكادٍ مسموع. لم تسعفه معرفته الواسعة بأشكال الحياة الفضائية المعروفة. لم يجد أيّ تطابقٍ في قواعد البيانات. كانت هذه الكائنات خروجًا عن كلّ ما هو مألوف.

بدأ الوهج الأزرق يشتدّ، وبدأت الهياكل العملاقة تقترب. شعر "زين" بضغطٍ هائلٍ يزداد على هيكل المركبة، وكأنّها على وشك الانحناء والتحطّم. لم يكن أمامه وقتٌ للتفكير. كان عليه اتخاذ قرارٍ سريعٍ، قرارٌ قد يعني الفرق بين الحياة والموت، بين الأمل واليأس.

كانت هناك خياراتٌ محدودة. إما أن يحاول الهرب، وهو أمرٌ مستحيلٌ تقريبًا بهذه الحالة، أو أن يقاتل. لكن كيف يقاتل المرء ضدّ ما لا يفهمه، ضدّ شيءٍ يبدو وكأنه جزءٌ من طبيعة هذا الكوكب؟

تذكّر عبارةً قرأها في كتابٍ قديمٍ عن علوم الفلك: "عندما تواجه المجهول، استمع إلى قلبك، فهو غالبًا ما يدلك على الطريق الصحيح."

أغمض عينيه للحظة، واستنشق هواءً باردًا ملوثًا برائحة المعدن المحترق. تخيّل وجه ليلى مرةً أخرى، ودفء يدها في يده. لم يكن يقاتل من أجل نفسه فقط، بل من أجل مستقبلٍ ينتظر، مستقبلٍ يتوق إليه بشدة.

فتح عينيه، وفي داخله قرارٌ جديدٌ قد استقرّ. لم يكن الخوف قد اختفى تمامًا، لكنه تحوّل إلى شعورٍ آخر، شعورٍ غامضٍ من التصميم والتحدّي. لم يكن يعرف ما الذي ينتظره، لكنه كان مستعدًا لمواجهته، مدفوعًا بشيءٍ أقوى من أيّ تهديدٍ خارجيٍّ. كان مدفوعًا بالحبّ، والأمل.

"سأقاتل… سأقاتل بكلّ ما أملك"، قال لنفسه بصوتٍ قويٍّ، خالٍ من أيّ تردّد. بدأ يضغط على أزرار لوحة التحكم بسرعةٍ فائقة، محاولًا تفعيل أيّ دفاعاتٍ متبقية، أو ربما إطلاق إنذارٍ استغاثةٍ يصل إلى أقرب مستعمرةٍ بشرية، مهما كانت المسافة.

لكن قبل أن يتمكن من إكمال مهمته، اهتزّت المركبة بعنفٍ أكبر، وسمع صوتًا مدوّيًا، صوتٌ يمزق الصمت، وصوتٌ بدأ فيه كلّ شيءٍ بالتحوّل إلى ظلامٍ مطلق. لقد بدأت معركة "زين" الأولى ضدّ عالمٍ جديد، عالمٍ يتجاوز فهمه، عالمٍ لم يكن يستعدّ له أبدًا.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%