الفصل 11 / 25

عالم جديد 74

بوصلة الروح

بقلم رامي الكريم

قضت "هدى" ليلة لا يغفو فيها جفن، وقلبها يدور في فلك من التساؤلات. كانت كلمات "سالم" تتردد في أذنيها، كأمواج متلاطمة في بحر من المشاعر المتضاربة. هل كانت قادرة على تجاوز ماضي "سالم"؟ هل كانت قادرة على بناء ثقة جديدة مع رجل اعترف بتضليل سابق، وإن كان بنية حسنة؟ أغمضت عينيها، وحاولت أن تستحضر وجه جدتها "أميرة"، تلك المرأة الحكيمة التي علمتها أن العفو والتسامح هما أساس الحياة الطيبة، وأن القلوب الصادقة غالباً ما تكون محاطة بعقبات.

في صباح اليوم التالي، ذهبت "هدى" إلى المكتب. وجدت "فاطمة" تنتظرها بلهفة، تحمل معها صينية قهوة وبعض المعجنات. "صباح الخير يا حبيبتي. تبدين شاحبة. هل رأيتِ سالم؟ وماذا قال؟" جلست "هدى" بهدوء، وبدأت تسرد لـ "فاطمة" كل ما حدث. كانت "فاطمة" تستمع بانتباه، وتعابير القلق ترتسم على وجهها. "يا إلهي، يا هدى! هذا أمر صعب حقاً. لم أتوقع أن يكون لدى سالم هذا النوع من الماضي. لكن... ما رأيكِ أنتِ؟" "لا أعرف يا فاطمة. جزء مني يميل إلى تصديقه. رأيت في عينيه صدقاً، واعترافاً بالخطأ. لكن جزءاً آخر يخاف. يخاف من تكرار الماضي، أو من أن يكون ما قاله مجرد تمثيل". "أنا أفهم مشاعرك تماماً. لكن دعيني أقول لكِ شيئاً. كلنا لدينا ماضٍ، يا هدى. المهم هو ما نفعله في حاضرنا، وما نخطط له لمستقبلنا. سالم اعترف لكِ، وهذا بحد ذاته شجاعة. لم يكن هناك داعٍ ليخبرك، لكنه فعل. ربما هذا دليل على رغبته الحقيقية في بناء علاقة صحيحة معكِ". "لكنكِ كنتِ تحذرينني منه". "نعم، كنت أحذر من الصورة الخارجية التي سمعت عنها، ومن طبيعة عمله. لكنني لم أتوقع هذا الجانب. المهم الآن هو قلبكِ. هل تشعرين بأنكِ تستطيعين الوثوق به؟ هل تشعرين بأن هذا الزواج سيكون مبنياً على أساس قوي؟" "لا أعرف. أحتاج إلى وقت. أحتاج إلى الاستخارة". "بالتأكيد. وهذه هي أفضل طريقة. اطلبي من الله أن يهديكِ إلى الطريق الصحيح. لا تتخذي قراراً متسرعاً. ولا تجعلي مشاعركِ هي الوحيدة التي تقودكِ. فكري بعقلانية أيضاً".

بينما كانت "هدى" تتحدث مع "فاطمة"، تلقى "سالم" اتصالاً من "أحمد". "سالم، لقد تحدثت مع والدي. إنه مستعد للمساعدة، لكنه طلب التفاصيل الكاملة للقرض الذي أخذته 'نورة'. هل لديكِ هذه التفاصيل؟" "سأحاول أن أحصل عليها. 'نورة' ليست في وضع يمكنها من ذلك الآن". "جيد. أما أنا، فقد علمت من بعض معارفي أن الأشخاص الذين تتعامل معهم 'نورة' معروفون بخطورتهم. سمعتهم سيئة جداً. ويجب أن نكون حذرين جداً". "حسناً. سأتصرف بحذر. والأهم الآن هو جمع المبلغ المطلوب في أسرع وقت ممكن".

كان "سالم" يشعر بضيق في صدره. لم يكن يتمنى أن تعود هذه القصة لتطارده. كان يتمنى لو أن الماضي لم يترك له هذه البصمات. لكنه كان مصمماً على حل المشكلة، وأن يصبح شخصاً أفضل، ليس فقط لنفسه، بل لـ "هدى" أيضاً.

في المساء، تلقت "هدى" رسالة من "سالم": "أرجو أن تكوني بخير. لا أريد أن أضغط عليكِ، لكنني أريد أن أطمئن عليكِ. إذا كنتِ بحاجة إلى أي شيء، فأنا موجود. ولا تنسي أن قلبي يدعو لكِ بالتوفيق في قراركِ."

ابتسمت "هدى" رغم قلقها. كانت هذه الرسالة تحمل نبرة صدق واهتمام. بدأت تشعر بأن "سالم" يحاول حقاً أن يغير من نفسه.

قررت "هدى" أن تتحدث مع عمها "أبو سعود". في شقته العامرة بالدفء، وبين رائحة القهوة العربية الأصيلة، جلست "هدى" تحكي له كل شيء. "يا عمي، أنا في حيرة شديدة. سالم... له ماضٍ. ولقد اعترف لي به. وأنا لا أعرف كيف أتصرف". "يا ابنتي، كل إنسان له ماضٍ. المهم هو أن يدرك خطأه ويتوب عنه. هل شعرتِ منه بصدق؟" "نعم يا عمي، شعرت بصدق. لكن الأمر ما زال جديداً بالنسبة لي". "إذاً، كوني صبورة. صلي واستخيري. الله سبحانه وتعالى هو من يرشدنا إلى الطريق الصحيح. ولا تستعجلي في الحكم. أعطِ سالم فرصة لإثبات نفسه. وتذكري أن الزواج ليس مجرد مشاعر، بل هو تفاهم، وصبر، وعمل مشترك". "ولكن، هل يمكن أن أبني حياتي مع رجل لديه هذا النوع من العلاقات السابقة؟" "يا هدى، كم من الرجال والنساء تزوجوا، ثم اكتشفوا أن شريك حياتهم لديه جوانب في حياته لم يعرفوها. المهم هو أن تتعاملا مع الواقع بصراحة، وأن تبنيا مستقبلاً أفضل. إذا كان سالم يندم على ما فعل، ويحاول أن يكون أفضل، فربما يستحق فرصة. لكن القرار النهائي قراركِ. أنا هنا لأدعمكِ في أي قرار تتخذينه".

بعد حديثها مع عمها، شعرت "هدى" ببعض الارتياح. كانت نصائحه منطقية، ومليئة بالحكمة. بدأت ترى الصورة بشكل أوضح. ربما كان "سالم" بحاجة إلى هذه التجربة ليصبح الرجل الذي تتمناه.

في نفس الوقت، كان "سالم" يعمل بجد لجمع المال. تحدث مع بعض أصدقائه المقربين، وبعض رجال الأعمال الذين يثق بهم. وكان الجميع يبدي استعداده للمساعدة. شعر "سالم" بأن الله يفتح أمامه أبواباً كان يظنها مغلقة.

بعد عدة أيام، تلقت "هدى" رسالة أخرى من "سالم". كانت تتضمن تفاصيل حول المبلغ الذي جمعه بالفعل، وخططه لجمع الباقي. كان كل شيء موثقاً، منظماً، وصادقاً.

في تلك الليلة، قبل أن تنام، رفعت "هدى" يديها إلى السماء. "يا رب، يا عالم الغيب والشهادة، أنت تعلم ما في قلبي. أنت تعلم صدق نواياي، وأنا أرجوك أن تهديني. أرني الطريق الصحيح. أرني ما فيه خير لي، وخير لـ 'سالم'، وخير لأعمالنا. إذا كان هذا الزواج فيه خير، فبارك فيه. وإذا كان فيه شر، فاصرفه عني واصرفني عنه".

مع بزوغ الفجر، شعرت "هدى" بشيء من الهدوء يتسلل إلى روحها. لم يكن القرار سهلاً، لكنها شعرت بأن بوصلة روحها بدأت تشير إلى اتجاه معين. كان عليها أن تثق بقلبها، وأن تثق بـ "الله".

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%