عالم جديد 74
بذرة الأمل
بقلم رامي الكريم
عادت "هدى" إلى مكتبها في ذلك الصباح، وقد غادرها بعض ثقل الحيرة. كانت قد اتخذت قراراً، وإن لم تعلنه بعد. شعرت بأنها قادرة على منح "سالم" فرصة، ليس بناءً على مشاعر متهورة، بل على أسس من الصدق والاعتراف بالخطأ. كان عليها أن تعطي هذا الزواج فرصة لينمو، كبذرة أمل غرست في أرض خصبة.
استقبلتها "فاطمة" بابتسامة واسعة. "ماذا تقولين يا هدى؟ هل أشرقت شمس اليقين؟" "نعم يا فاطمة. أعتقد أنني اتخذت قراري. سأمنح سالم فرصة". "الحمد لله! لقد كنت أدعو لكِ من كل قلبي. أعرف أن الأمر لم يكن سهلاً، لكنني واثقة بأنكِ اتخذت القرار الصحيح. وسوف ترين، إن شاء الله، أن الأيام ستثبت لكِ ذلك". "آمل ذلك. أحتاج الآن إلى أن أكون صريحة معه تماماً. وأن نضع أسساً واضحة لعلاقتنا، بعيداً عن أي غموض".
في هذه الأثناء، كان "سالم" قد نجح في جمع الجزء الأكبر من المبلغ المطلوب. تحدث مع "أحمد" الذي كان مسروراً جداً. "بارك الله فيك يا سالم. لقد أنقذت 'نورة' من ورطة كبيرة. أظن أنها لن تنسى لك هذا أبداً". "أتمنى أن تتعلم من أخطائها يا أحمد. والأهم الآن هو أن أركز على مستقبلي. على حياتي الجديدة". "متى ستخبرها بقرارك؟" "غداً. سأطلب منها أن نلتقي. أريد أن أسمع منها ماذا قررت. وأن أخبرها بأنني قررت أن أمضي قدماً".
في مساء اليوم التالي، التقى "سالم" بـ "هدى" في حديقة عامة جميلة، تزينها أشجار النخيل العالية والأزهار المتفتحة. كان الجو هادئاً، والنسيم العليل يحمل رائحة الياسمين. "هدى، شكراً لمجيئك. هل... هل توصلتِ إلى قرار؟" سأل "سالم" بلهفة. نظرت "هدى" إليه، وقالت بصوت هادئ وثابت: "نعم يا سالم. لقد فكرت ملياً، واستخرت الله. وقررت أن أمنحك فرصة. أريد أن نبدأ بداية جديدة، على أساس من الصدق والوضوح".
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه "سالم". شعر بأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عن كاهله. "هدى، لا أستطيع أن أصف لكِ سعادتي. أعدكِ، أمام الله، أن أكون صادقاً معكِ في كل شيء. وأن أبني معكِ حياة سعيدة طيبة". "أنا أيضاً يا سالم. لكن يجب أن نتفق على بعض الأمور. أريد أن يكون هناك وضوح تام بيننا. وأن تكون كل الخيوط القديمة قد انقطعت بشكل نهائي. وأن نركز على بناء مستقبلنا معاً، وفقاً لتعاليم ديننا الحنيف". "بالتأكيد يا هدى. هذا ما أريده تماماً. أريد أن تكون علاقتنا صحيحة، مباركة. وأن تكون حياتنا مليئة بالرضا، والتقوى".
بدأ "سالم" يحكي لـ "هدى" عن تفاصيل ما حدث مع "نورة"، وكيف نجح في جمع المال. كانت "هدى" تستمع، وتفهم. شعرت بأن "سالم" رجل طيب، لديه قلب رحيم، ويرغب في إصلاح ما أفسده الماضي.
"لقد انتهت مشكلة 'نورة' تماماً يا هدى. لقد استلمت المبلغ أمس، وبدأت في تسوية ديونها. وهي تعهدت بأن لا تعود إلى هذه الطريق أبداً. وأنا... أنا أصبحت حراً، تماماً. حراً لأركز عليكِ، وعلى حياتنا". "الحمد لله. هذا خبر طيب جداً يا سالم". "والآن، أريد أن أتقدم لكِ بخطوة رسمية. أريد أن أتحدث مع عمكِ، وأطلب يدكِ رسمياً. أريد أن أجعلكِ زوجتي على سنة الله ورسوله". شعرت "هدى" بالسعادة تغمر قلبها. "هذا ما أتمناه يا سالم".
اجتمع "سالم" وعمه "أبو سعود" في اليوم التالي. كان "أبو سعود" سعيداً جداً بهذا القرار، وشعر بالارتياح لرؤية الجدية في عيني "سالم". "يا سالم، أعرف أنك شاب طيب، ولست متأكداً من ماضيك. لكن ما رأيته من صراحتك، ورغبتك في إصلاح الأمور، يشجعني. وأنا أثق بأن 'هدى' لديها الحكمة الكافية لتعرف ما هو الأفضل لها. إذا كانت 'هدى' موافقة، فأنا لا أرى مانعاً. بارك الله لكما".
تم تحديد موعد لخطبة رسمية. بدأت "هدى" تشعر بسعادة غامرة. كانت تشعر بأنها تخطو خطوة نحو حياة جديدة، حياة مبنية على الحب، والاحترام، والتقوى.
في المكتب، كانت "فاطمة" سعيدة جداً عندما علمت بالخبر. "أخبريني بكل التفاصيل يا هدى! أنا متحمسة جداً من أجلكِ. يبدو أن 'سالم' رجل طيب حقاً". "نعم يا فاطمة. لقد كان صادقاً معي. وأشعر بأنني أستطيع الوثوق به". "أتمنى لكما كل التوفيق. وأنا على استعداد دائم لمساعدتكِ في أي شيء تحتاجينه".
بعد فترة قصيرة، وفي إحدى الليالي الهادئة، كانت "هدى" تتحدث مع "سالم" عبر الهاتف. "سالم، هل فكرت في مستقبلنا؟ في كيف سنبني حياتنا معاً؟" "بالطبع يا هدى. أريد أن تكون حياتنا مليئة بالبركة. وأن نكون قدوة حسنة للآخرين. أريد أن نؤسس بيتاً مسلماً، يسوده الحب والاحترام. وأن نربي أبناءنا على حب الله ورسوله". "هذا ما أتمناه أيضاً. أريد أن تكون حياتنا مليئة بالإيمان، والعمل الصالح. وأن نساهم في بناء مجتمع أفضل".
كان حديثهما مليئاً بالآمال والطموحات. شعرت "هدى" بأنها وجدت الشريك الذي كانت تبحث عنه. شريك يعينها على طاعة الله، وعلى بناء حياة كريمة. لم تعد هناك شكوك، لم تعد هناك مخاوف. لقد غرست بذرة الأمل في قلبها، وكانت تنتظر بفارغ الصبر أن تنمو وتزهر.