عالم جديد 74
همسات من غابر الأيام
بقلم رامي الكريم
استيقظت ليلى على نداء الفجر، لا كعادتها للصلاة والتسبيح، بل كإيقاع خفيٍّ يدق في أعماق روحها، يحمل همسًا من غابر الأيام. كان ضوء الفجر الأول يتسلل عبر نوافذ غرفتها، يرسم خطوطًا ذهبية على جدرانها المزينة بآيات قرآنية خطّها ببراعة جدها الراحل. استقامت جالسة، وشعرت بثقلٍ مجهولٍ يكبّل صدرها. كانت ليلة الأمس قد حملت معها أمواجًا من التساؤلات، وبذور شكٍّ بدأت تتفتح في بستان قلبها.
تذكرت حديث جدها، الشيخ سيف، الأخير. كانت كلماته تتسرب إلى أذنيها كشلالٍ بارد، تحمل في طياتها ألغازًا لم تستطع فك رموزها بعد. "النسب ليس مجرد اسمٍ تتوارثه الأجيال، يا ليلى، بل هو أمانةٌ، ومسؤوليةٌ، وأحيانًا... ثمنٌ باهظٌ يُدفع في سبيل الحقيقة." أي حقيقةٍ كان يقصد؟ وما هو الثمن الذي تحدث عنه؟
نظرت إلى الصورة المعلقة على الجدار، صورة جدها بابتسامته الهادئة وعينيه اللتين تحملان حكمة الأزمان. كم اشتاقت إليه، إلى دفء نصائحه، إلى صوته العميق الذي كان يروي لها قصص الأبطال والمروءة. كان رجلًا استثنائيًا، يجمع بين علم الدين وعشق التاريخ، وبين حنكة السياسة وسلامة النفس.
بعد صلاتها، استأذنت في الخروج. كان الجو في القصر لا يزال هادئًا، يسبح في سكونٍ يعقبه شروقٌ متأنٍ. وجدت عمها، الأمير نادر، في المكتبة، منهمكًا في تصفح مخطوطاتٍ قديمة. كان الأمير نادر رجلًا مختلفًا تمامًا عن جدها. كان سياسيًا بالفطرة، طموحًا، يسعى دائمًا لتحقيق أهدافه بذكاءٍ ودهاء. لكنه كان أيضًا رجلًا له مكانته في قلبها، فقد أحاطها برعايةٍ لا تنقص، وعاملها بلطفٍ كبير منذ وفاة والديها.
"صباح الخير يا ابنتي." قال الأمير نادر، رافعًا رأسه عن الكتاب، وعلى وجهه ابتسامةٌ دافئة.
"صباح النور يا عمي." أجابت ليلى، متجهةً نحوه. "رأيتك هنا باكرًا."
"هذه المخطوطات تحمل أسرارًا لا تجدها في الكتب المطبوعة، يا ليلى. كنوزٌ من الماضي تنتظر من يكشف عنها." ثم توقف قليلًا، ونظر إليها بعمق. "تبدين شاردة الذهن اليوم. هل من أمرٍ يقلقك؟"
ترددت ليلى قليلًا. هل الوقت مناسبٌ لطرح أسئلتها؟ هل سيجد الأمير نادر في حديث جدها ما يثير اهتمامه، أم سيراه مجرد هلوسات رجلٍ كبير السن؟ قررت أن تبدأ بشكلٍ غير مباشر.
"أتذكر حديث جدي، رحمه الله، عن التاريخ العائلي. كان دائمًا يشدد على أهمية فهم أصولنا. هل هناك شيءٌ محددٌ عن تاريخ عائلتنا تود أن تخبرني به؟"
رفع الأمير نادر حاجبيه قليلاً، وهو يغلق الكتاب ببطء. "ما الذي دعاكِ لهذا السؤال بالذات، يا ليلى؟ هل تحدث جدكِ عن شيءٍ معين؟"
"لا شيءٌ محدد، يا عمي. فقط... أشعر بأن هناك طبقاتٍ من التاريخ لم أتعرف عليها بعد. وكأن هناك قصصًا مدفونةً تنتظر أن تُروى."
ابتسم الأمير نادر ابتسامةً غامضة، وبدا أن عينيه تتلألآن ببريقٍ لم تعهده ليلى من قبل. "جدكِ كان رجلًا عميقًا، يا ليلى. كان يرى ما لا يراه الآخرون. وحقيقة، تاريخنا مليءٌ بالقصص. بعضها مجيدٌ، وبعضها... معقد."
"معقدٌ كيف، يا عمي؟" سألت ليلى، وقلبها يخفق بتوتر.
"هناك فتراتٌ في تاريخ كل عائلةٍ، بل وفي تاريخ الأمم، تمر فيها بمنعطفاتٍ حاسمة. لحظاتٌ قد تغير مسارها للأبد. عائلتنا مرت بالكثير. حروبٌ، تحالفاتٌ، صعودٌ وهبوطٌ. كلها جزءٌ من نسيجنا."
"لكن جدي قال شيئًا عن... ثمنٍ يدفع في سبيل الحقيقة." أصرت ليلى، وهي تنظر في عينيه مباشرةً.
تنهد الأمير نادر، وبدا على وجهه تعبيرٌ غريب، مزيجٌ من الحزن والتفكير. "ربما كان يقصد التضحيات، يا ليلى. التضحيات التي لا تفهم أبعادها إلا لاحقًا. الحقيقة دائمًا لها ثمن. ولكن لا تقلقي يا ابنتي. ما يهمنا الآن هو حاضرنا ومستقبلنا."
شعر ليلى بأنها تسير في دوامةٍ من الغموض. كلام عمها كان مراوغًا، مليئًا بالتلميحات دون الإفصاح المباشر. عادت إلى غرفتها، والشعور بالضيق يتزايد. نظرت إلى جهاز التواصل الذي تركه لها المهندس خالد. لم تكن تستخدمه كثيرًا، فغالبًا ما كانت تفضل الطرق التقليدية للتواصل. لكنها الآن شعرت برغبةٍ قويةٍ في الاتصال به، ربما تجد لديه تفسيرًا لهذا الشعور المتنامي بالخطر.
نقرت على اسمه. بعد لحظات، ظهر وجه المهندس خالد على الشاشة، بابتسامته المعهودة، لكنها بدت أكثر قلقًا هذه المرة.
"ليلى؟ هل كل شيءٍ بخير؟" سأل بصوتٍ فيه نبرةٌ من الاستعجال.
"لستُ متأكدةً، يا خالد. أشعر بقلقٍ كبير. وكأن هناك شيئًا ما يحيط بنا، شيئًا لم أفهمه بعد."
"ما الذي يزعجكِ بالتحديد؟ هل حدث شيءٌ جديد؟"
"أتذكر حديث جدي في أيامه الأخيرة... كان يتحدث عن أسرارٍ، عن مسؤولياتٍ، عن ثمنٍ للحقيقة. واليوم، سألت عمي الأمير نادر، لكنه لم يقدم لي إجابةً واضحة. فقط تلميحاتٌ زادت من قلقي."
نظر خالد إلى الشاشة بصمتٍ لعدة لحظات، وعيناه تفحصان وجه ليلى بعناية. "ليلى، أنا لا أريد أن أخيفكِ، لكن... جدكِ كان شخصًا ذا بصيرةٍ خارقة. وأحيانًا، كان يتوقع الأحداث قبل وقوعها. إذا كان هناك شيءٌ يشغل باله، فلا بد أنه ذو أهميةٍ قصوى."
"لكن ما هو؟ ما هو هذا السر؟" سألت ليلى، وصوتها يكاد يرتجف.
"لا أعرف بالتحديد، ليلى. لكنني سأحاول البحث في الأرشيفات التي زودني بها جدكِ. لديه مكتبةٌ رقميةٌ ضخمة، تحتوي على معلوماتٍ قديمة جدًا. ربما نجد فيها بعض الإجابات."
"متى تستطيع أن تبدأ؟"
"الآن. سأبدأ في تمحيص كل شيءٍ. هل لديكِ أي تفاصيل إضافية عن ما قاله جدكِ؟ أي كلمةٍ أو عبارةٍ قد تكون مفتاحًا؟"
فكرت ليلى مليًا، محاولةً استعادة كل كلمةٍ قالها جدها. "قال إن النسب ليس مجرد اسمٍ، بل أمانةٌ ومسؤوليةٌ، وأحيانًا... ثمنٌ باهظٌ يُدفع في سبيل الحقيقة."
"حسنًا، هذه العبارة كافيةٌ للبدء." قال خالد، وعيناه تلمعان بتصميم. "سأفعل كل ما بوسعي لأجد شيئًا. حافظي على هدوئكِ، ليلى. وتجنبي إثارة الشكوك في هذه الفترة. إذا شعر أي شخصٍ بأنكِ تبحثين عن شيءٍ، فقد يعرّضكِ ذلك للخطر."
"خطر؟ تقصد أن هناك خطرًا حقيقيًا؟"
"أنا أقول هذا احتياطًا، ليلى. لكن، من الأفضل دائمًا أن نكون حذرين. خاصةً عندما يتعلق الأمر بأسرارٍ قديمةٍ جدًا."
أنهت ليلى المكالمة، وشعرت بأن العزلة تثقل كاهلها. كان عالمها الذي عرفته بدأ يتشقق، ويكشف عن طبقاتٍ أعمق وأكثر تعقيدًا. كانت تحب عائلتها، وتحترم تقاليدها، لكنها الآن شعرت بأن هناك شيئًا ما مفقودًا، شيئًا كان جدها يحاول تحذيرها منه.
في تلك الأثناء، في مكانٍ آخر من القصر، كان الأمير بدر، شقيق الأمير نادر، يتحدث عبر جهاز تواصلٍ آمن مع شخصٍ مجهول. كانت نبرته هادئة، لكن كلماته تحمل تصميمًا قاطعًا.
"الأمور تسير وفق الخطة، ولكن الفتاة بدأت تشعر ببعض القلق. تحدثت مع نادر، وهو يحاول تطمينها. لكننا نعلم أن إصرارها قد يقودها إلى اكتشاف ما لا نريد أن يكتشف."
جاء الصوت الآخر، خافتًا ومشوشًا: "التأخير غير مقبول. مهما حدث، يجب أن نضمن صمتها قبل أن تتفاقم الأمور. تذكر أن وقتنا محدود، وأن هناك آخرين يراقبون."
"أعلم. سأتولى الأمر شخصيًا. لا تقلق." أغلق الأمير بدر جهاز التواصل، وارتسمت على وجهه نظرةٌ قاسية. "الحقيقة ستبقى مدفونةً، مهما كان الثمن."
كان هذا الفصل هو بداية خيوطٍ متشابكة، همساتٍ من ماضٍ يحاول الظهور، وقلقٌ يتنامى في قلب ليلى، وحدسٌ بأن عالمها الهادئ ليس على ما يبدو.