عالم جديد 74
خيوط متشابكة
بقلم رامي الكريم
جلست ليلى في شرفتها المطلة على الحدائق الغناء، تتابع حركات السناجب المرحة وهي تقفز بين الأغصان. كانت الطبيعة دائمًا ملاذها، ووسيلتها لاستعادة هدوئها الداخلي. لكن اليوم، كانت سكونها هشًا، كزجاجٍ رقيقٍ يخشى أن يتصدع بأدنى لمسة. التفكير في كلمات جدها، وفي نظرات عمها الأمير نادر، وفي تحذيرات المهندس خالد، جعل قلبها يضطرب.
"ما هو الثمن الباهظ الذي تحدث عنه جدي؟" تساءلت بصوتٍ خافت، كأنها تخاطب الريح. "وما هي الحقيقة التي تتطلب كل هذا؟"
لم تكن ليلى مجرد فتاةٍ تعيش في رفاهية القصر. لقد كانت متعلمةً، واسعة الاطلاع، وقادرةً على التحليل. لكن معرفتها كانت تتعلق بالعلوم والتاريخ والأدب، لا بالدسائس والخفايا السياسية التي كانت تدور في هذا العالم.
في تلك اللحظة، دخلت عليها سميرة، خادمتها المخلصة، حاملةً صينيةً عليها فنجانان من القهوة العربية الأصيلة، ورائحتها الزكية تملأ المكان. سميرة، امرأةٌ في منتصف العمر، تتميز بوفائها المطلق للعائلة، وبعيونٍ تلمع بالذكاء.
"صباح الخير يا سيدتي." قالت سميرة، وهي تضع الصينية على الطاولة الصغيرة. "رأيتكِ هنا، فظننت أنكِ قد ترغبين ببعض القهوة."
"شكرًا لكِ يا سميرة. أنتِ دائمًا تفهمين ما أحتاج." أجابت ليلى، وهي تأخذ أحد الفنجانين.
جلست سميرة بجانبها، وبدا عليها بعض التردد. "سيدتي، هل كل شيءٍ على ما يرام؟ يبدو أن هناك شيئًا يقلقكِ."
فاجأت سميرة ليلى بسؤالها. لم تعتد أن تتحدث خادماتها عن حالتها النفسية، رغم صداقتها الوثيقة بسميرة. ربما كانت سميرة ترى في عيني ليلى ما لا تراه عيونٌ أخرى.
"أتذكر حديث جدي، رحمه الله، في أيامه الأخيرة." بدأت ليلى، وهي تنظر إلى فنجانها. "كان يتحدث عن أسرارٍ عائلية، وعن مسؤولياتٍ لا أفهمها."
رفعت سميرة رأسها، وعلامات الاهتمام تزداد على وجهها. "الشيخ سيف كان رجلًا حكيمًا. ربما كان يحاول أن يجهزكِ لشيءٍ ما."
"لكن لشيءٍ ما؟ وما هو هذا الشيء؟" تنهدت ليلى. "حاولت أن أسأل عمي الأمير نادر، لكنه كان مراوغًا. وكأنه يخفي شيئًا."
تنهدت سميرة بعمق، وبدا على وجهها شيءٌ من الحزن. "لقد مرّت عائلتنا بالكثير من التقلبات، سيدتي. لا يوجد بيتٌ يخلو من أسراره. لكن، البيت الذي تعيشين فيه، له تاريخٌ أعمق وأكثر تعقيدًا مما قد يظهر للعيان."
"ماذا تقصدين؟ هل هناك شيءٌ تعرفينه، يا سميرة؟"
نظرت سميرة حولها، كأنها تتأكد من عدم وجود أحدٍ يسمع. ثم اقتربت من ليلى وهمست: "أنا أعمل في هذا القصر منذ زمنٍ طويل، سيدتي. رأيتُ الكثير. ورأيتُ كيف يتغير الناس. وكيف تتغير الأحداث. جدكِ، رحمه الله، كان يعرف أن هناك قوىً في الخارج لا تريد لهذه العائلة أن تستمر في قوتها."
"قوىً؟ أي قوىً؟" سألت ليلى، وشعرت بأن جسدها ينتفض.
"قوىٌ تسعى لسرقة ما هو لنا، سيدتي. قوةٌ لا ترحم، ولا تعرف الوفاء. جدكِ كان يحاول حمايتكِ، وحماية إرثكم."
"لكن كيف؟ وماذا يفعلون؟"
"لم أسمع تفاصيل، سيدتي. لكنني سمعتُ همساتٍ، رأيتُ نظراتٍ مريبة. بعض الأشخاص الذين كانوا مقربين من العائلة، تغيرت مواقفهم فجأة. وبدأوا يتآمرون."
"من هم هؤلاء الأشخاص؟"
"هذا ما لم أستطع معرفته بالتحديد، سيدتي. لكن، كن حذرةً. خاصةً مع بعض الأقارب. بعض الابتسامات تحمل وراءها أفعى."
شعر ليلى بأن كلماتها تقشعر لها الأبدان. هل كان عمها الأمير بدر، الذي كان يظهر لها كل الود، هو أحد هؤلاء المتآمرين؟ لقد بدأت الخيوط تتشابك، والرؤية تصبح أكثر ضبابية.
"شكرًا لكِ يا سميرة. كلماتكِ أضاءت لي بعض الظلام." قالت ليلى، وبصوتٍ امتزج فيه الامتنان بالقلق.
"واجبي هو أن أحميكِ، سيدتي. أنتِ ابنة سيف، وابنة هذه العائلة. ولن أسمح لأحدٍ بإيذائكِ." قالت سميرة، بوفاءٍ صادقٍ يشقّ طريقه عبر صمت السنين.
في الوقت نفسه، كان المهندس خالد يعمل بجدٍ في مختبره. كان يفك شفرات الأرشيف الرقمي الذي تركه جد ليلى. كانت المعلومات هائلة، مليئةً بالمخططات، والسجلات، والمراسلات القديمة. كان يتبع خيطًا رفيعًا من المعلومات، متتبعًا إشاراتٍ غامضةٍ تركها جد ليلى.
"لقد قال إن 'الجوهرة' هي المفتاح..." تمتم خالد لنفسه، وهو يحدق في شاشةٍ تعرض نموذجًا ثلاثي الأبعاد لقلادةٍ قديمة. "لكن ما هي هذه الجوهرة؟ هل هي رمزٌ؟ أم شيءٌ مادي؟"
عاد إلى سجلاتٍ أخرى، يتتبع تاريخ العائلة، وتاريخ علاقاتها بالجهات الخارجية. كان جد ليلى قد أشار إلى "اتفاقياتٍ سريةٍ" و"تحالفاتٍ مجهولةٍ". كانت هذه الاتفاقيات قد تعود إلى قرونٍ مضت، وتتضمن وعودًا وولاءاتٍ لا تزال ساريةً حتى يومنا هذا.
فجأة، لمعت عيناه. اكتشف ملفًا مشفرًا، يحمل اسم "مشروع 74". لم يكن يعرف ما يعنيه هذا الرقم. لكنه تذكر عنوان الرواية التي كتبها جد ليلى: "عالم جديد 74". هل كان هناك رابطٌ؟
بدأ خالد في محاولة فك شفرة الملف. كان الأمر معقدًا، يتطلب خبرةً عالية في مجال التشفير. لكنه كان مصممًا. كل دقيقةٍ تمر، كان يشعر بأن ليلى تقترب من الخطر.
وبينما كان خالد يغوص في أعماق الأرشيف، كان الأمير نادر في مكتبه، يتلقى تقريرًا من أحد رجاله الموثوقين.
"سيدتي ليلى بدأت في طرح الأسئلة، يا أمير. لقد تحدثت مع سميرة، وبدأت تشك في بعض الأمور."
عبس الأمير نادر. "سميرة؟ تلك المرأة لا تزال مخلصةً لذكرى سيف. يجب أن نكون حذرين منها."
"بالطبع، يا أمير. لكن، الأهم من ذلك، الفتاة بدأت تتصل بالمهندس خالد. وبدأوا يتعاونون في البحث عن شيءٍ ما."
انتفض الأمير نادر واقفًا. "خالد؟ هذا ما كنت أخشاه. تلك التقنية التي لديه... وقدرته على الوصول إلى المعلومات... قد تفسد كل شيء."
"ماذا نفعل، يا أمير؟"
"يجب أن نكسب الوقت. وأن نزيد من الرقابة على ليلى. وإذا لزم الأمر... يجب أن نجد طريقةً لإثنائها عن هذا البحث. قد يكون علينا أن نستخدم حجةً أخرى. شيئًا يفوق فهمها، ويجعلها تعيد التفكير في ما تفعله."
"وما هي هذه الحجة؟"
"أعتقد أن الوقت قد حان لنتحدث عن "المرض النادر" الذي أصاب والدتها. وأن هذه الأبحاث قد تكون مرتبطةً بالبحث عن علاجٍ لها. ربما هذا سيمنعها من التعمق في ما لا ينبغي لها أن تعرفه."
نظر الأمير نادر إلى صورة جد ليلى، الشيخ سيف، المعلقة على الحائط. "كنت أعرف أنك تخبئ الكثير، يا سيف. لكنني لن أدع هذا الإرث يضيع بسبب أسرارك."
في تلك الليلة، كان القمر قد استوى في السماء، يرسم ظلالًا طويلةً على أرض القصر. كانت ليلى تنام بصعوبة، وقلبها مثقلٌ بهمومٍ لم تفهمها بعد. لكن، في عالمٍ جديدٍ بدأ يتكشف أمامها، كانت خيوط الحقيقة تتشابك، وتشير إلى مستقبلٍ غامضٍ ومليءٍ بالتحديات.