عالم جديد 74
ظلال الماضي تلوح
بقلم رامي الكريم
ارتفعت الشمس فوق أفق صحراء "القصر الزجاجي"، كقرصٍ نحاسيٍّ لامعٍ، يذيب ظلال الليل الباردة. استيقظت ليلى على صوتٍ مفاجئٍ لدقاتٍ قويةٍ على باب غرفتها. لم تكن هذه دقاتٌ لطيفةٌ كعادتها، بل كانت تحمل إلحاحًا ونبرةً تنذر بشيءٍ استثنائي.
"من بالباب؟" سألت ليلى، وصوتها لا يزال غارقًا في النوم.
"إنها سميرة، يا سيدتي. أرجو أن تفتحي بسرعة." جاء صوت سميرة، يحمل قلقًا واضحًا.
نهضت ليلى من سريرها، وشعرت بالبرد يتسلل إلى أطرافها. فتحت الباب، لتجد سميرة واقفةً، وجهها شاحبٌ، وعيناها تعكسان خوفًا لم تعهده فيها من قبل.
"ما الأمر يا سميرة؟ هل حدث شيءٌ؟" سألت ليلى، وهي تسحب رداءها.
"تعالي معي، سيدتي. الأمير نادر يريد رؤيتكِ حالًا. لقد وصله نبأٌ عاجلٌ." قالت سميرة، وهي تسحب يد ليلى بلطف، لكن بقوةٍ استثنائية.
ارتدت ليلى بسرعةٍ، وشعرت بأن قلبها يدق بعنفٍ في صدرها. هل يتعلق الأمر بما كانت تبحث عنه؟ هل اكتشفوا محاولاتها لمعرفة الحقيقة؟
اتجهتا نحو مكتب الأمير نادر، حيث كان يجلس بملامحٍ جادةٍ، لا تحمل أي أثرٍ للابتسامة المعهودة. بجانبه، كان يقف الأمير بدر، أخوه، والذي بدت عليه علامات الغضب والاستياء.
"صباح الخير، يا أمير." قالت ليلى، وهي تقف أمامه.
"صباح الخير، يا ابنتي." قال الأمير نادر، بصوتٍ أصبح أكثر رسميةً وعمقًا. "أعتذر عن إزعاجكِ في هذا الوقت المبكر، لكن هناك أمرٌ خطيرٌ يتطلب انتباهنا جميعًا."
"ما هو؟"
"لقد تلقينا معلوماتٍ تفيد بأن هناك تهديدًا وشيكًا لأمن القصر. تهديدٌ لا يتعلق فقط بأمننا المادي، بل بأمن كل ما نمثله."
"تهديدٌ؟ هل يمكن أن توضح أكثر، يا عمي؟"
"يقول مصدرنا الموثوق، الذي لا يمكننا الشك في ولائه، بأن هناك مجموعةً تسعى للوصول إلى 'الميراث السري' للعائلة. ميراثٌ لا ينبغي أن يقع في الأيدي الخطأ."
"الميراث السري؟" كررت ليلى، وهي تشعر بأن عقلها يدور. هل هذا هو "الثمن الباهظ" الذي تحدث عنه جدها؟
"نعم. وقد وصلتنا معلوماتٌ بأن هذه المجموعة قد تنشط قريبًا جدًا، وقد تستغل أي ضعفٍ في دفاعاتنا."
"لكن، من هي هذه المجموعة؟ وما هو هذا الميراث؟" سألت ليلى، محاولةً ربط هذه المعلومات بما كانت تبحث عنه.
قال الأمير بدر، بحدةٍ في صوته: "هذه التفاصيل ليست من اختصاصكِ، يا ليلى. ما يهمنا الآن هو تأمين القصر، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع وقوع كارثة."
"لكن، إذا كان الأمر يتعلق بتراثنا، فمن واجبي أن أفهمه." أصرت ليلى، وهي تنظر إلى عمها الأمير نادر.
نظر الأمير نادر إلى أخيه، ثم عاد بنظره إلى ليلى، وبدا على وجهه شيءٌ من الحزن. "يا ليلى، نحن نتحدث عن أمورٍ تتجاوز فهمكِ. إنها أسرارٌ قديمةٌ جدًا، وتتعلق بتاريخٍ طويلٍ ومعقدٍ لعائلتنا. جدكِ، رحمه الله، كان يعمل ليل نهار لحماية هذه الأسرار."
"وهل هذه المجموعة تعرف بوجود هذه الأسرار؟"
"بالتأكيد. وهذا ما يجعلهم خطرين." قال الأمير بدر، بصرامةٍ. "لذلك، قررنا اتخاذ إجراءاتٍ أمنيةٍ مشددة. سيتم إغلاق القصر، ولن يسمح لأحدٍ بالدخول أو الخروج دون إذنٍ مسبق."
"ولكن... المهندس خالد؟ لقد تحدثت معه بالأمس. وهو يساعدني في البحث عن بعض المعلومات التي تركها جدي." قالت ليلى، وهي تشعر بالخوف يتسرب إلى قلبها.
نظر الأمير بدر إلى الأمير نادر بنظرةٍ مفاجئة، ثم عاد بصرامته. "المهندس خالد؟ هذا أمرٌ آخر. لا ينبغي أن يكون هناك أي اتصالٍ خارجيٍّ في هذه الفترة. سيتم قطع كافة الاتصالات الخارجية."
"ماذا؟ لكنه يساعدني!" اعترضت ليلى، وصوتها يرتفع.
"لا، يا ليلى. الآن، لن يساعدكِ أحدٌ سوى نحن. لقد قمتِ بما يكفي بإثارة الشكوك. والآن، علينا أن نحمي أنفسنا." قال الأمير نادر، بنبرةٍ قاطعة.
شعرت ليلى بأن العالم كله ينهار من حولها. قطع الاتصالات؟ منعها من البحث؟ هل هذا هو الثمن؟ أن تُحرم من المعرفة، ومن المساعدة؟
"ولكن، هذا غير عادل! أنا جزءٌ من هذه العائلة، ومن هذا الإرث!"
"أعلم، يا ابنتي." قال الأمير نادر، بنبرةٍ أكثر لينًا. "لكن، في بعض الأحيان، الحماية تأتي على شكل قيود. نحن نفعل هذا لحمايتكِ، ولحماية كل ما نؤمن به."
"لكن، إذا كان هناك خطرٌ، فمن واجبي أن أكون مستعدةً له، وأن أفهم طبيعة هذا الخطر."
"وهذا ما سنفعله. سنقوم بتجهيزكِ. ولكن، بطريقتنا. الآن، سأطلب منكِ البقاء في غرفتكِ، وعدم مغادرتها إلا بإذني. وأن تتوقفي عن أي محاولةٍ للاتصال بأي شخصٍ خارج القصر."
شعرت ليلى بأنها محاصرة. كلماته كانت تبدو منطقيةً، لكنها كانت تشعر بصدىً آخر في أعماقها. صدىً لكلمات جدها، وللتحذيرات التي سمعتها.
خرجت من مكتب الأمير نادر، وشعرت بأنها أصبحت سجينةً في عالمها الخاص. عادت إلى غرفتها، وجلست على سريرها، وقلبها مثقلٌ بالأسئلة. هل كانت سميرة على حق؟ هل كان هناك من يتآمر؟ وهل كان قطع اتصالاتها هو بدايةٌ لشيءٍ أكبر؟
في وقتٍ لاحقٍ من ذلك اليوم، بينما كانت ليلى تحاول استيعاب ما حدث، جاءت سميرة إلى غرفتها، تحمل في يدها شيئًا صغيرًا ملفوفًا بقطعة قماشٍ حريرية.
"سيدتي، عندما كنتِ في مكتب الأمير، وجدنا هذا تحت وسادةٍ في غرفة الاجتماعات." قالت سميرة، وهي تمد يدها.
فتحت ليلى القماش، لتجد فيه قلادةً قديمةً، تشبه إلى حدٍ كبيرٍ النموذج الذي رأته في شاشة المهندس خالد. كانت مزينةً بحجرٍ كريمٍ أزرقٍ لامعٍ، ويبدو أنه يحمل نقوشًا دقيقةً.
"هذه... هذه نفس الجوهرة التي رأيتها في الأرشيف!" هتفت ليلى، وهي تشعر بالصدمة.
"نعم، سيدتي. أعتقد أن هذا ما كان جدكِ يقصده. 'الميراث السري'. وقد يكون هذا هو المفتاح."
نظرت ليلى إلى القلادة، ثم إلى سميرة، وعيناها تلمعان بتصميمٍ جديد. "يجب أن أعرف ما يعنيه هذا. يجب أن أعرف ما هو 'مشروع 74'."
"ولكن، سيدتي، الأمير منعكِ من الاتصال بالمهندس خالد."
"ولكنه لم يمنعني من التفكير، أو من البحث داخل القصر. وهذه القلادة... إنها هنا. ربما تحمل إجاباتٍ."
فجأة، سمعت ليلى صوتًا خافتًا قادمًا من جهاز التواصل الذي تركه لها المهندس خالد. كان الجهاز يعمل، على الرغم من الأوامر بقطع الاتصالات. ربما كان المهندس خالد قد ترك له وسيلةً سريةً للتواصل.
لمست ليلى زر التشغيل. ظهر وجه المهندس خالد، يبدو عليه القلق.
"ليلى؟ هل أنتِ بخير؟ علمتُ بما حدث. إنهم يحاولون منعكِ."
"نعم، خالد. لقد منعوني من التواصل. لكن، انظر إلى هذا!" قالت ليلى، وهي ترفع القلادة إلى الكاميرا.
اتسعت عينا المهندس خالد. "يا إلهي... هذه هي! هذه هي 'الجوهرة' التي تحدث عنها جدكِ! وأعتقد أنني نجحت في فك جزءٍ من تشفير 'مشروع 74'. إنه ليس مشروعًا عسكريًا، ولا مشروعًا اقتصاديًا. إنه... شيءٌ يتعلق بحماية سرٍّ عظيم، سرٍّ قد يغير العالم."
"وما هو هذا السر؟" سألت ليلى، وقلبها يكاد يتوقف.
"أعتقد أنه يتعلق بالقدرة على... توجيه مسار الأحداث. القدرة على التأثير في المستقبل. لكن، التفاصيل لا تزال غير واضحة. ولكن، الشيء المؤكد هو أن هناك من يريد استغلال هذه القدرة لصالحه."
"ومن هم هؤلاء؟"
"هذا ما أحاول معرفته. لكن، ليلى، احذري. إذا كانوا يعرفون بوجود هذه القلادة، فقد يبدأون بالبحث عنها. ويجب أن تكوني أنتِ في أمان."
"لكن، كيف يمكنني أن أكون بأمانٍ وأنا محبوسةٌ هنا؟"
"لا تقلقي، ليلى. أنا أعمل على خطةٍ. وسوف أجد طريقةً لمساعدتكِ. فقط، حافظي على هدوئكِ، وحاولي إخفاء هذه القلادة جيدًا. ولا تثقي بأي شخصٍ في هذه الفترة."
أنهت ليلى المكالمة، وهي تشعر بمزيجٍ من الخوف والأمل. لقد بدأت الحقيقة تتكشف، لكنها كانت تتكشف وسط عاصفةٍ من الخطر. ظلال الماضي كانت تلوح، ومستقبلها أصبح أكثر ضبابيةً وتشويقًا.