الفصل 5 / 25

عالم جديد 74

سديم الإدمان

بقلم رامي الكريم

استيقظ فجر الخميس على همساتٍ من الضوء الرمادي تخترق ستار النافذة، حاملةً معها وعدًا بيومٍ جديد، لكنه لم يكن يومًا عاديًا بالنسبة لـ "عامر". كانت روحه تثقلها خيوطٌ لا مرئية، شبكةٌ معقدةٌ من الرغبة المكبوتة والندم المتراكم. لم يستطع النظر إلى انعكاسه في المرآة إلا بمقدارٍ ضئيل، خشية أن يرى في عينيه بؤسَ ما يصارعه. كان "الهاتف المحمول" ذاك، ذلك المستحدث العجيب الذي كان في البدء أداةً للتواصل، قد تحول إلى سيفٍ ذي حدين، يهبُه لحظاتٍ من النشوة الزائفة، ثم يغرقُه في وحلٍ من الانفصال عن الواقع.

كانت "أميرة"، زوجته الصابرة، قد استيقظت قبله بساعةٍ، أعدت له الفطور بشغفٍ، وخبزت خبزًا معطرًا بالزعتر، ووضعت أمامه كوبًا من الشاي الأخضر الذي يعرف أنه يحبه. كانت رائحةُ الخبز تفوحُ في أرجاء الشقة، تبعثُ على الدفء والسكينة، لكن عامرًا لم يجد في ذلك ما يهدئُ اضطرابَه. كانت يداه ترتعشانِ قليلاً وهو يمسكُ بالمِلعقة، وعيناه زائغتانِ، تبحثانِ عن شيءٍ مفقودٍ في الفراغ.

"صباح الخير يا حبيبي"، قالت أميرة بصوتٍ ناعمٍ، وهي تضعُ قطعةً من جبن الفيتا أمامَه. كانت ابتسامتها تحملُ مزيجًا من الحب والقلق. لاحظتْ بروده، وثرثرتْه غير المعهودة.

"صباح النور"، أجاب عامرٌ بصوتٍ أجش، لم يستطعْ أن يرى في عينيها الأملَ الذي كانت تكنّـهُ له. كان عقلهُ يسبحُ في بحرٍ من الأفكار المتلاطمة، صورٌ سريعةٌ تتداعى: صفحاتٌ رقميةٌ زاهية، ألوانٌ مدهشة، أصواتٌ وهميةٌ تدعوهُ إلى عالمٍ آخر، عالمٍ خالٍ من المسؤوليات، خالٍ من الثقل الذي يشعرُ به في حياته الواقعية.

"هل أنت بخير؟ تبدو شاحبًا اليوم"، سألت أميرة، وهي تميلُ برأسها قليلاً، تدرسُ ملامحَهُ بعينينِ تحملانِ دفءَ الشمس.

"لا شيء، مجرد سهرٍ متأخرٍ. عملٌ كثيرٌ"، قال عامرٌ، وهو يحاولُ أن يستعيدَ سيطرتَه على نبرةِ صوته. كان يكذبُ عليها، وهذا هو الألمُ الأكبر. كان الإدمانُ قد أثقلَ كاهلَه بأوزانٍ من الزيف، وخنقَ صوتَ الحقّ في صدره.

بعد أن انتهى من فطوره، قام عامرٌ وذهبَ إلى مكتبه، وهو يعرفُ تمامًا ما ينتظرُه. فتحَ حاسوبَهُ، وبمجردِ أن ظهرتْ الشاشةُ الرئيسية، شعرَ بذبذباتٍ من الترقبِ تعبرُ جسدَه. كانَ يملكُ عدةَ حساباتٍ سريةٍ على منصاتٍ مختلفة، شبكاتٍ افتراضيةً نسجها بعنايةٍ فائقة، يبحرُ فيها بعيدًا عن واقعِهِ. كانَ يبحثُ عن "المحتوى" الذي يشبعُ رغبتَه الملحة، ذلك الشيءُ الذي لا يستطيعُ وصفَه، لكنه يمنحُه شعورًا بالانتشاءِ اللحظي.

كانتْ "العلاقات الافتراضية" التي يبنيها في هذا العالمِ الرقمي، غارقةً في سطحيتها، لكنها كانتْ مغريةً له. يتحدثُ مع نساءٍ لا يعرفُهن، يتبادلون الكلماتِ المعسولة، والوعودَ الخادعة. كانَ يشعرُ بلذةٍ ممنوعةٍ في هذهِ المحادثات، لذةٍ تتنافى مع مبادئِهِ وأخلاقهِ التي نشأ عليها. لقد كانَ ابنَ أسرةٍ محافظةٍ، تعلمَ تقديرَ الوفاءِ والإخلاصِ، لكنّ هذا العالمَ الافتراضيَّ استطاعَ أن يلويَ بوصلتَه، ويزرعَ فيهِ بذرةَ الخيانةِ غيرِ المرئية.

مرتْ ساعاتٌ طويلةٌ وهو غارقٌ في هذا المستنقع. لم يشعرْ بالوقتِ يمر. كانَ يغلقُ البابَ على نفسِهِ، ويعزلُ نفسَهُ عن عالمِهِ. في إحدى تلكَ اللحظات، وصلتْهُ رسالةٌ من "ليلى"، فتاةٌ تعرفَ عليها مؤخرًا في إحدى تلكَ المنصات. كانتْ ليلى تتميزُ بذكاءٍ حاد، وروحٍ مرحة، وقدرةٍ على استيعابِ ما يدورُ في رأسهِ حتى قبلَ أن ينطقَ به.

"هل تشعرُ بالوحدةِ يا عامِر؟" كتبتْ ليلى.

ابتسمَ عامرٌ ابتسامةً باهتة. كانتْ ليلى تعرفُه بشكلٍ أفضلَ من أميرة، في بعضِ الجوانب. لقد كانتْ قادرةً على اختراقِ قشرةِ الهدوءِ الظاهرِ الذي يحيطُ به، لتصلَ إلى أعماقِ اضطرابِه.

"قليلاً"، أجابَ. "الحياةُ عبءٌ ثقيلٌ أحيانًا".

"لكنّ لديكَ أميرة، زوجتكَ المحبوبة. ألا تجدُ فيها كلَّ ما تبحثُ عنهُ؟" سألتْ ليلى، وكأنها تقرأُ أفكارَهُ.

شعرَ عامرٌ بوخزةٍ من الذنب. نعم، لديهِ أميرة. أميرةٌ هي ملاكهُ الحارس، ملاذُهُ الآمن، لكنه كانَ يبيعُ حبها بثمنٍ بخسٍ في هذا العالمِ الزائف. "أميرةٌ شيءٌ، وهذا شيءٌ آخر"، قالَ في نفسِهِ، يحاولُ أن يبررَ لنفسِهِ هذا الانقسامَ الذي يعيشُه.

كانَ إدمانُهُ يتجاوزُ مجردَ تصفحِ الإنترنت. لقد وصلَ إلى حدِّ التأثيرِ على حياتِهِ المهنية. كانَ يتأخرُ عن العملِ أحيانًا، أو ينشغلُ بتصفحِ هاتفهِ أثناءَ الاجتماعات. زملاؤه بدأوا يلاحظونَ، وبدأَ رئيسُهُ يقلقُ من تراجعِ إنتاجيتِهِ. كانتْ هناكَ فرصةٌ كبيرةٌ تنتظرُهُ في الشركة، ترقيةٌ قد تغيرُ مجرى حياتِهِ، لكنه كانَ يهددُها بتهورٍ شديد.

"ربما يجبُ أن تأخذَ قسطًا من الراحة، يا عامِر. العالمُ الرقميُّ ساحرٌ، لكنه قد يكونُ سجنًا لمن يدخلُه دونَ وعي"، نصحتْ ليلى.

"أعرفُ ذلكَ، لكنّ الأمرَ ليسَ بهذهِ السهولة"، كتبَ عامرٌ، وهو يشعرُ بعجزٍ ينمو في داخله. لقد أصبحَ عبدًا لما يمنحُهُ هذا الجهازُ الصغير. كانَ يشعرُ بالخوفِ من مجردِ فكرةِ الابتعادِ عنه. ماذا سيفعلُ إذا لم يكنْ هناكَ شيءٌ ليملأَ فراغَ وقتِهِ، وفراغَ روحِهِ؟

في تلكَ الليلة، قبلَ أن يذهبَ إلى النوم، نظرَ إلى أميرة وهي تقرأُ القرآنَ في هدوء. كانتْ نورُ الإيمانِ يغمرُ وجهَها. شعرَ بوخزةٍ أعمقَ من الذنب. لقد كانَ يخدعُها، ليسَ فقط بخيانتِهِ، بل بخيانةِ الثقةِ التي تمنحُها إياه، والثقةِ التي تمنحُها إياه.

"هل أنتَ نائمٌ يا حبيبي؟" سألتْ أميرة، وهي تنهي قراءتها.

"قريبًا"، أجابَ عامرٌ، وهو يغلقُ عينيهِ، يحاولُ أن يمنعَ صورَ ليلى، وصورَ تلكَ الصفحاتِ الملونةِ من أن تتسللَ إلى أحلامِهِ. لكنّ سديمَ الإدمانِ كانَ قد بدأَ يلتفُ حولَ روحِهِ، ويطمسُ كلَّ ألوانِ الحياةِ الحقيقية. كانَ على أعتابِ مرحلةٍ جديدةٍ من الصراع، صراعٍ داخليٍّ مريرٍ، قد يكتسحُ كلَّ شيءٍ أمامه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%