عالم جديد 74
سُحبُ القلق
بقلم رامي الكريم
تغلغلَ الشعورُ بالذنبِ في أعماقِ عامرٍ كالنارِ المشتعلةِ في الهشيم. كلماتُ أميرةَ الأخيرة، صوتُها المبحوحُ أثناءَ حديثِها مع والدتِها، ظلّتْ ترنُّ في أذنيهِ كأجراسِ إنذارٍ لم يعدْ بالإمكانِ تجاهلُها. كانَ يشعرُ بأنّهُ يقفُ على حافةِ الهاوية، يرى في الأسفلِ صورةَ أميرةَ المكلومة، وصورةَ مستقبلِهِ الذي يبدو مظلمًا.
في صباحِ اليومِ التالي، لم يستطعْ عامرٌ أن ينامَ. بينما كانتْ أشعةُ الشمسِ الأولى تتسللُ عبرَ الستائر، كانَ هوَ يتصارعُ معَ شياطينِ نفسِهِ. كانَ يدركُ تمامًا أنَّ استمرارَهُ في هذا الدربِ يعني خسارةَ أغلى ما يملك. لكنّ جذورَ الإدمانِ كانتْ قد تعمقتْ بعمقٍ، وأصبحتْ مقاومةُ الرغبةِ تبدو مهمةً شبهَ مستحيلة.
"ماذا أفعلُ؟" سألَ نفسَهُ مرارًا وتكرارًا. هل يعترفُ بأمرِهِ لأميرة؟ هل يطلبُ المساعدةَ؟ كانَ يخشى أن تُقابلَ اعترافاتُهُ بالخيانةِ والغضبِ، وأن تزيدَ من الشرخِ الذي قد أنهى علاقتهما. لكنه كانَ يعرفُ أنَّ الاستمرارَ في الكذبِ والخداعِ هوَ الطريقُ الأسوأ.
قررَ عامرٌ أن يبدأَ بخطواتٍ صغيرة. بدأَ في تقليلِ استخدامِ الهاتفِ بشكلٍ تدريجي. كانَ يضعُهُ بعيدًا عنهُ لساعاتٍ، ويحاولُ أن يجدَ بدائلَ لملءِ فراغِ وقتِهِ. بدأَ في قراءةِ الكتبِ القديمةِ التي كانتْ تتكدسُ على رفوفِ مكتبتِهِ. بدأَ في ممارسةِ الرياضةِ التي كانَ يهملُها منذُ سنوات. كانتْ كلُّ خطوةٍ صعبة، وكلُّ لحظةِ ضعفٍ كانتْ تعيدُهُ إلى نقطةِ البداية.
في إحدى الأمسيات، وبينما كانَ عامرٌ يجلسُ معَ أميرةَ، يتحدثانِ عن تفاصيلِ يومِهما، حدثَ شيءٌ غيرُ متوقع. جاءتْ رسالةٌ هاتفيةٌ إلى عامر. كانتْ من "ليلى". رغمَ كلِّ محاولاتِهِ، لم يستطعْ أن يقطعَ علاقتَهُ بها تمامًا.
"هل ما زلتَ تفكرُ في الأمر؟" كانَ نصُ الرسالة.
شعرَ عامرٌ بأنّ قلبَهُ يرتجف. لو رأتهُ أميرة، ماذا سيقولُ لها؟ لم يستطعْ أن يُخفيَ عن أميرةَ تعابيرَ وجهِهِ التي تغيرتْ فجأة.
"من هذا؟" سألتْ أميرةُ بصوتٍ هادئ، لكنّ عينيها كانتْ تحملُ حذرًا واضحًا.
ترددَ عامرٌ. كانَ يدركُ أنَّ هذهِ هيَ نقطةُ التحول. إما أن يكذبَ ويكتسبَ وقتًا مؤقتًا، أو أن يواجهَ الحقيقةَ ويكتسبَ فرصةً للبناءِ من جديد.
"إنها... إنها زميلةٌ قديمةٌ في العمل"، قالَ عامرٌ، مترددًا. لقد كانَ كذبًا، لكنه كانَ كذبًا حاولَ أن يجعلهُ يبدو أقلَّ ضررًا.
نظرتْ إليهِ أميرةُ بتمعن. كانتْ تعرفُ أنَّ هناكَ شيئًا تخفيهُ. كانتْ تعرفُ أنَّ هذهِ ليستْ الحقيقةَ كاملة. "هل أنتَ متأكدٌ؟" قالتْ، وبدا صوتُها يخفتُ شيئًا فشيئًا.
شعرَ عامرٌ بحرارةٍ تتصاعدُ في وجهِهِ. لقد فشلَ في إخفاءِ كذبِهِ. كانَ الإحساسُ بالخزيِ ينهشُهُ.
"أميرة، أنا... أنا آسفٌ. هذهِ ليستْ زميلةٌ قديمة"، قالَ بصوتٍ مرتعش.
كانَ الصمتُ الذي تلا كلماتِهِ أثقلَ من أيِّ حديث. كانتْ أميرةُ تنظرُ إليهِ، وعيناها تحملانِ خليطًا من الصدمةِ والألمِ وخيبةِ الأمل.
"إذًا، من هيَ؟" سألتْ بصوتٍ بالكادِ يُسمع.
"إنها... شخصٌ تعرفتُ عليهِ مؤخرًا عبرَ الإنترنت. كنا نتحدثُ قليلاً"، اعترفَ عامرٌ، وهو يشعرُ بأنّ جدارَ الكذبِ الذي بناهُ كانَ يتهاوى.
"عبرَ الإنترنت؟" كررتْ أميرةُ كلمةَ "الإنترنت" ببطءٍ، وكأنها لا تصدقُ ما تسمع. "ولماذا تخفي الأمرَ عني؟"
"كنتُ أخشى ردةَ فعلكِ. كنتُ أخشى أن تفقدي الثقةَ بي"، قالَ عامرٌ، وهو يرى الدموعَ تنزلُ من عينيها.
"لقد فقدتُها بالفعلِ يا عامر. لقد فقدتُ الثقةَ عندما بدأتَ تتغير. عندما بدأتَ تختفي. عندما بدأتَ تكذبُ عليّ"، قالتْ أميرةُ، وبدأتْ تبكي بشدة.
شعرَ عامرٌ بأنَّ الأرضَ تبتلعُهُ. كانتْ تلكَ هيَ اللحظةُ التي خافَ منها. لحظةُ المواجهةِ التي قد تُنهي كلَّ شيء.
"أنا آسفٌ يا أميرة. أنا آسفٌ جدًا. لقد أخطأتُ. لقد تورطتُ في شيءٍ لم أكنْ أعرفُ كيفَ أخرجُ منهُ"، قالَ عامرٌ، وهو يحاولُ أن يحتضنَها، لكنها تراجعتْ إلى الخلف.
"لا تلمسني. لا أريدُ أن أراكَ الآن"، قالتْ أميرةُ، واندفعتْ خارجَ الغرفة، تاركةً عامرًا وحيدًا معَ صدى كلماتها.
جلسَ عامرٌ في الظلام، يشعرُ بأنَّ كلَّ شيءٍ قد انهارَ. لقد ضاعتْ فرصةُ البناءِ من جديد. لقد تسببَ في ألمٍ عميقٍ لامرأةٍ أحبها. كانتْ سُحبُ القلقِ تغطي سماءَ حياتِهِ، ولم يكنْ يرى أيَّ بصيصِ أملٍ في الأفق. لقد أدركَ أنَّ معركتَهُ معَ الإدمانِ لم تكنْ معركةً فردية، بل كانتْ معركةً ستؤثرُ على كلِّ من حولَهُ، وخاصةً على أميرةَ، التي كانتْ شريكةَ حياتِهِ.