الفصل 1 / 25

فارس الحق

فارس الليل والبرق الخاطف

بقلم عادل النور

كان الليل يلف مدينة الرياض بأرديته الداكنة، نسجت خيوطه من ظلام المخمل وسواد اللؤلؤ، ولم تكن النجوم سوى ثقوب متلألئة في بطانة هذا الثوب الأثيري. في أزقة المدينة القديمة، حيث تتشبث البيوت الطينية ببعضها البعض كأخوة متحابين، وحيث تتراقص أضواء المصابيح الهادئة على جدرانها العتيقة، كان صوتٌ كأنه همس ريح صحراوية تحمل معها أنباءً قديمة، لكنه كان يحمل في طياته جدية لا تخطئها الأذن. "أين أنتِ يا سارة؟"

صوتٌ عميق، لكنه بدا خفيضاً، وكأن صاحبه لا يريد إيقاظ النائمين. كانت الشمس قد غابت منذ ساعات، والهواء يحمل برودة لطيفة تنعش الروح بعد حرارة النهار. في هذه اللحظة، لم يكن هناك سوى قلة قليلة من البشر تتجول في الشوارع، غالبيتهم من الساهرون في مقاهي الشاي أو ممن يعودون متأخرين إلى ديارهم.

فجأة، انشق سكون الليل بصوتٍ يصم الآذان، مزيجٌ من احتكاك معدني شرس وصرخة مكتومة. على سطح أحد المباني الشاهقة، حيث يمتد الأفق ليحتضن سماء المدينة المرصعة بالنجوم، كان هناك ظلٌ يتحرك بسرعة البرق. لم يكن بشراً عادياً، ولا شيئاً من مخلوقات الليل المعروفة. كان أشبه بنسرٍ أسود، لكن بجناحين من نورٍ أزرق متوهج، يلتفان حول جسده الرشيق، ويتحركان بدفعاتٍ هائلة، تخترق الهواء صانعةً دويّاً خافتاً.

تحت منه، في زقاقٍ ضيق، حيث ألقت المباني بظلالها الطويلة، كان هناك مشهدٌ أشبه بلوحةٍ رُسمت بألوان الخوف واليأس. ثلاثة رجالٍ يرتدون ملابس سوداء داكنة، يحيطون بفتاةٍ ترتعد فرائصها، وعيناها متسعتان برعبٍ صامت. كانت تحاول التراجع، لكن أيدي الأشرار كانت أسرع، قابضين على ذراعها بقوة. كانت تدافع عن نفسها بضعف، لكن قوتهم الغاشمة كانت تتغلب على صمودها الهش.

"اتركوني! ما الذي تريدونه؟" صوتها ارتجف، لم يكن سوى همسةٍ بالكاد تُسمع.

ضحكةٌ خشنة تصاعدت من أحدهم، رجلٌ جسيمٌ يرتدي قناعاً نصفياً يخفي ملامحه. "هدوءٌ يا صغيرتي، لن نصيبك بأذىً إذا كنتِ عاقلة."

بينما كانت الفتاة تصرخ بأعلى صوتها، متمنيةً أن يصل صدى استغاثتها إلى آذانٍ تسمع، انقضّ الظلّ الأزرق من الأعلى. لم يكن هبوطاً عادياً، بل انزلاقٌ هائل، تلاه انفجارٌ من الضوء الأزرق، يضيء الزقاق بأكمله كأنه شقٌ في سماء الليل.

تراجع الرجال الثلاثة للخلف، مذهولين من هذا المشهد المفاجئ. لم يروا قط ما رأوه. كان الرجل الملثم يلعن بصوتٍ مسموع. "من أنت أيها الوغد؟"

لم يردّ البطل المجهول. لم يكن يملك الوقت للردّ. كانت عيناه، اللتان تلمعان بلونٍ أخضرٍ عميقٍ تحت خوذته السوداء، ثابتتين على الفتاة. مدّ يده نحوها، لكن ليس ليؤذيها، بل ليقدم لها الأمان. كان جسده مغطى ببدلةٍ سوداء داكنة، لكن الخطوط الزرقاء المتوهجة التي تنساب عليها، والتي تشبه نقوشاً قديمة، كانت تشعّ ببريقٍ سحري.

"لا تخافي،" صوتٌ هادئٌ وعميق، لكنه يحمل قوةً لا تُقاوم، انبعث من خلف الخوذة. "أنا هنا لحمايتك."

في هذه اللحظة، تحرك أحد الرجال، ملوحاً بسلاحٍ لامعٍ في يده، في محاولةٍ يائسةٍ لردع الدخيل. لكن البطل كان أسرع. بحركةٍ خاطفة، سحب قوساً ذهبياً من ظهره، وقبل أن يكمل الرجل هجومه، انطلق سهمٌ من ضوءٍ أزرق، أصاب السلاح وأطاح به من يد الرجل.

صرخ الرجل من الألم، وبدأ الرجال الآخرون في إظهار ردود أفعالهم. أخرج أحدهم مسدساً، وأطلق رصاصةً باتجاه البطل. لكن البطل لم يكن عرضةً للرصاص. رفعت جناحه الأزرق، وانحرفت الرصاصة عن مسارها، لتستقر في جدارٍ قريب.

"هل تعتقدون حقاً أن هذا سيفعل شيئاً؟" سخر البطل، ونبرته تحمل تحدياً هائلاً.

بينما كان الرجال الثلاثة في حالةٍ من الارتباك والغضب، استغل البطل الفرصة. بحركةٍ انسيابية، انقضّ على أقرب رجل، وقبل أن يشعر الرجل بما يحدث، وجد نفسه مطروحاً أرضاً، مقيداً بحبالٍ من طاقةٍ زرقاء. تكررت العملية بسرعةٍ فائقة مع الرجل الثاني.

أما الرجل الثالث، فقد حاول الهرب. لكن البطل لم يكن ليسمح له بذلك. أطلق سهماً آخر، ليس ليصيبه، بل ليحاصره. ارتطم السهم بالجدار أمامه، وتمددت منه شبكةٌ من الضوء الأزرق، أحاطت بالرجل ومنعته من الحركة.

"لن تذهب بعيداً،" قال البطل، وهو يقترب من الرجل المحاصر.

التفت الفتاة، سارة، إلى البطل، وعيناها ما زالتا تحملان أثر الخوف، لكن مع مسحةٍ من الأمل والإعجاب. "شكراً لك... من أنت؟"

ابتسم البطل، ابتسامةٌ خفيةٌ بالكاد ظهرت. "أنا مجرد فارسٍ يحاول إحقاق الحق، ومواجهة الشرّ في هذا العالم."

قبل أن يتمكن من قول المزيد، سمع صوت صفارات الإنذار تقترب. "لقد تأخرتُ قليلاً،" تمتم لنفسه. "يجب أن أرحل."

التفت إلى الفتاة، وأمسك بيدها، وقبل أن تدرك ما يحدث، رفعها في الهواء، وطار بها بسرعةٍ هائلة، تاركاً الرجال الثلاثة مقيدين، وشرطة المدينة على وشك الوصول.

كانت سارة تشعر برياح الليل تداعب وجهها، والصوت الغريب لانسياب الأجنحة الزرقاء حولها. لم تكن تخاف، بل كانت تشعر بأمانٍ غريب، وكأنها تحلق في سماءٍ أخرى، بعيدةً عن كل المخاوف. نظرت إلى أسفل، فرأت المدينة تتضاءل تحتها، أضواؤها كنقاطٍ متناثرةٍ في بحرٍ من الظلام.

"إلى أين تأخذني؟" سألت بصوتٍ هادئ، لم يعد فيه أي أثر للرعب.

"إلى مكانٍ آمن،" أجاب البطل. "حيث يمكنكِ أن تشرحي لي كل شيء."

كانت المدينة تئن تحت وطأة الجريمة والفساد، وكان هناك دائماً من يحاولون استغلال ضعف الآخرين. لكن في هذا الليل، في هذا الزقاق المظلم، كان هناك بصيصٌ من نورٍ قد ظهر، فارسٌ جديدٌ انضم إلى معركة الخير ضد الشرّ. كان اسمه "فارس الحق"، ولقبه، الذي بدأ الناس يتهامسون به في زوايا الشوارع، هو "البرق الخاطف".

وصل البطل إلى سطح مبنىٍ منعزل، حيث كانت تنتظره سيارةٌ سوداء أنيقة. أنزل سارة بلطف، ثم التفت إليها، وأزاح خوذته ببطء. ظهر وجهٌ وسيم، ملامحه عربيةٌ أصيلة، وعيناه تحملان عمقاً وحكمةً تفوقان سنّه. شعرٌ أسودٌ كثيف، ولحيةٌ خفيفةٌ تزين ذقنه.

"الآن،" قال وهو ينظر إليها، "يمكنكِ أن تتحدثي."

كانت سارة تنظر إليه، تشعر بخجلٍ ممزوجٍ بالامتنان. "أنا... أنا سارة. لقد كانوا يريدون مني شيئاً... شيئاً مهماً."

"ما هو هذا الشيء؟" سأله فارس الحق، وعيناه تعكسان اهتماماً صادقاً.

"إنه... إنه شيءٌ متعلقٌ بعائلتي، وبتاريخنا. لقد حاولتُ أن أحميه، لكنهم كانوا أقوى."

"من هم هؤلاء الرجال؟" سأل.

"لا أعرف أسماءهم. لكنهم يبدون وكأنهم يعملون لمنظمةٍ سرية. لديهم رموزٌ غريبة، ويسعون وراء أشياء لا أفهمها."

تنهد فارس الحق. "يبدو أن عالمنا أصبح مكاناً أكثر خطورةً مما كنتُ أتصور. سأساعدكِ يا سارة. لن أدعهم يمسكون بكِ."

نظرت سارة إليه، ورأت في عينيه صدقاً وإصراراً، شعرت بأنها في المكان الصحيح، مع الشخص المناسب. في تلك اللحظة، وفي تلك الظلمة، انبعثت شرارةٌ خفية، ليست شرارة حبٍ مجنون، بل شرارة ثقةٍ واحترام، ربما تكون بدايةً لشيءٍ أكبر، شيءٍ أسمى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%