فارس الحق
مواجهة المرآة وصدى الأفعى
بقلم عادل النور
بينما كانت الأفكار تتصارع في صدر “نور الدين”، وبينما كانت “ليلى” تحاول أن تجمع شتات قلبها المصدوم، كان “عمران” يعيش في عالم آخر، عالم مليء بالثقة الزائفة والبطولة المزعومة. لم يكن يدرك أن ستائر الخداع التي نسجها ببراعة بدأت تنهار، وأن الرياح بدأت تعصف بما بناه من أكاذيب.
في صباح اليوم التالي، اتخذ “نور الدين” قراره المصيري. لم يعد بإمكانه أن يحتفظ بهذا السر المؤلم. كان عليه أن يواجه “عمران” مباشرة، وأن يضع حداً لهذه المهزلة. دعا “عمران” للقاء في مكان كان يجمعهما كثيراً في الماضي، في حديقة قديمة تطل على وادي سلوان، حيث كانا يتناجيان أحلامهما ويتبادلان عهود الصداقة. كان المكان شاهداً على برائتهما، ولكنه سيصبح اليوم مسرحاً لمواجهة مريرة.
عندما التقى الرجلان، كانت الشمس قد بدأت تلقي بأشعتها الذهبية على معالم القدس. كان “عمران” متألقاً كعادته، يرتدي ثياباً فاخرة، ويبتسم ابتسامة واثقة، ظناً منه أن كل شيء يسير وفق ما خطط له. أما “نور الدين”، فكانت ملامحه تحمل ثقل الحقيقة، ونظرته تحمل عزيمة لا تلين.
بدأ “نور الدين” الحديث بكلمات هادئة، لكنها كانت تحمل في طياتها هدوء العاصفة قبل الانفجار. قال: “يا ‘عمران’، لقد عرفتك طويلاً، وظننتك أخاً وصديقاً. ولكن يبدو أنني كنت مخطئاً، بل إننا كلانا كنا مخطئين”.
ارتسمت علامات الاستغراب على وجه “عمران”، لكنه حاول التخفيف من وطأة الموقف بابتسامة ساخرة. قال: “ماذا تقصد يا ‘نور الدين’؟ هل أصابك شيء؟”
كانت تلك هي الشرارة. أجاب “نور الدين” بصوت بدأ يرتفع قليلاً، وبنبرة تحمل في طياتها غضباً مقدساً: “أقصد أنني اكتشفت الحقيقة، الحقيقة المرة التي حاولت مراراً أن تخفيها خلف أقنعتك البراقة. لقد عرفت بخيانتك، بخيانتك للشعب، وللمبادئ، ولي شخصياً”.
تغيرت ملامح “عمران” بسرعة. اختفت الابتسامة، وحلت محلها نظرة قلقة، ثم نظرة حقد. حاول أن ينكر، وأن يقلب الطاولة. قال: “تتحدث عن الخيانة؟ من أنت لتتحدث عن الخيانة؟ هل نسيت كيف وصلت إلى ما أنت فيه؟”
هنا، شعر “نور الدين” بأن الأمر لم يعد يحتمل المزيد من الصبر. أمسك بذراع “عمران” بقوة، وجذبه نحوه. قال: “لن أسمح لك بتحويل الحقائق. لقد كنت دائماً أدعو إلى النزاهة، وإلى العمل الصادق. أما أنت، فقد جعلت من المال والسلطة غايتك، وأهدرت كل القيم التي كنا ندافع عنها”.
وبدأ “نور الدين” يسرد الحقائق التي اكتشفها، واحدة تلو الأخرى. كشف عن الصفقات المشبوهة، عن التحويلات المالية السرية، وعن علاقته بالجهات التي كانت تسعى لزعزعة استقرار المدينة. كان “عمران” يحاول مقاطعته، يطلق بعض الشتائم، لكن “نور الدين” كان يواجهه بعينين لا تخشيان شيئاً، وبحجة أقوى من كل حججه الواهية.
“لقد بعت ضميرك يا ‘عمران’”، قال “نور الدين” بصوت جهوري، اخترق صمت الحديقة. “لقد اتخذت من الظلام ملاذاً، ومن الخداع درعاً. ولكنني هنا اليوم لأكشف زيفك، لأزيح عنك القناع الذي حاولت أن تلبسه لعقود”.
عندما سمع “عمران” هذه الكلمات، وقد وجد نفسه محاصراً بالحقيقة، انفجر غضبه. حاول أن يدفع “نور الدين” بعيداً، لكنه وجد نفسه يقف أمام قوة لا يستهان بها. لقد استمد “نور الدين” قوته هذه المرة ليس فقط من إيمانه، بل من غضب الحق، ومن ألم الخيانة.
“لن تسمح لي أبداً بأن أكشف عن وجهك الحقيقي!” صاح “عمران” وهو يشعر باليأس يتسلل إلى روحه. “سأدفعك الثمن غالياً!”
لم يرد “نور الدين” على تهديداته. لقد قال ما يجب أن يقال. لقد ألقى بكرة الثلج، والآن بدأ الانهيار. نظر إلى “عمران” نظرة أخيرة، نظرة تحمل الشفقة على حاله، ولكنها تحمل أيضاً القوة التي تستطيع أن تكسر أعظم الطغاة.
“لقد خسرت يا ‘عمران’”، قال “نور الدين” بصوت هادئ ولكنه يحمل ثقل الحكمة. “لقد خسرت معركتك مع نفسك قبل أن تخسر معركتك معي. أتمنى أن تستفيق قبل فوات الأوان”.
بعد هذه المواجهة، ترك “نور الدين” “عمران” واقفاً في الحديقة، وهو يتخبط في يأس وغضب. لقد أدرك “عمران” أن الوقت قد نفد، وأن ستره قد انكشف. لقد كان هذا اللقاء بمثابة المرآة التي واجه فيها “عمران” قبح روحه، وصدى الأفعى الذي كان يختبئ في داخله.
عندما عاد “نور الدين” إلى “ليلى”، وجدها تنتظره بقلق. رآها في عينيه، ورأت هي في عينيه انتصاراً مؤزراً، ولكن مختلطاً بالحزن. احتضنته “ليلى” بقوة، وبادلها “نور الدين” العناق، يجد فيها الراحة والسند.
“لقد قلت كل شيء يا ‘ليلى’”، قال “نور الدين” وهو يتنفس الصعداء. “لقد واجهته، وكشفت له ما أعرفه. الآن، علينا أن نفكر في الخطوة التالية، خطوة المواجهة العامة”.
كانت هذه المواجهة مع “عمران” بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل الصراع الكبير. لقد انكشفت الستور، وبدأت الحقائق تظهر جلية. وكان “نور الدين” يعلم أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن القادم أعظم.