الفصل 4 / 25

فارس الحق

ضعف البطل وظلال الماضي

بقلم عادل النور

كانت نسمةٌ باردةٌ تتسلل من النافذة المفتوحة، تحمل معها رائحة المطر الذي بدأ يهطل على أسطح المباني. لم يكن المطر غزيراً، بل كان خفيفاً، وكأنه يغسل هموم المدينة، ويمهد لأيامٍ أجمل. في الغرفة الهادئة، حيث تجلس سارة تترجم آخر ما تبقى من صفحات دفتر ملاحظات جدها، كان فارس الحق يتأمل إحدى اللوحات المعلقة على الحائط. كانت اللوحة تصور معركةً أسطورية، حيث تتصارع قوى النور والظلام.

"لقد وجدتُ شيئاً آخر،" قالت سارة، بصوتٍ يحمل بعض القلق. "جدي كتب عن 'ظلّ العصور' بطريقةٍ لا تبدو مجرد أسطورة. لقد تحدث عن قوتهم، عن أسلحتهم، وعن هدفهم. يبدو أنهم لا يسعون وراء المعرفة فحسب، بل وراء القوة المطلقة."

"القوة المطلقة؟" سأل فارس الحق، وهو يستدير نحوها. "ماذا يعني ذلك؟"

"يعني أنهم يريدون السيطرة على العالم. إنهم يؤمنون بأنهم الأحق بقيادة البشرية، وأن المعرفة التي يمتلكونها يجب أن تُستخدم فقط من قبلهم، لتشكيل مصير العالم حسب رؤيتهم."

"هذا بغيض،" قال فارس الحق، وعيناه تلمعان بغضبٍ خفي. "لا يمكن لأي كيانٍ أن يدعي امتلاك هذا الحق. مصير البشرية يجب أن يُصنع بأيدي البشر، وليس بأيدي طغاةٍ يسعون للسيطرة."

"ولكن كيف يمكننا إيقافهم؟" سألت سارة. "إنهم يبدون أقوى بكثير منا."

"القوة ليست دائماً في الأعداد أو الأسلحة،" أجاب فارس الحق. "أحياناً، تكون القوة في الحق. وفي معرفة نقاط ضعف العدو."

"وهل تعرف نقطة ضعفهم؟" سألت سارة، وعيناها مليئتان بالترقب.

تردد فارس الحق للحظة. "أعرف عن نقطة ضعفٍ واحدة، ولكنها قصةٌ شخصيةٌ بعض الشيء."

"تفضل،" قالت سارة، وهي تشجعه. "كل معلومةٍ قد تكون مفيدة."

"عندما كنتُ صغيراً،" بدأ فارس الحق، وصوته يحمل نبرةً من الألم، "كان والدي يعمل في الحكومة. كان يحارب الفساد، وكان يعتقد أنه سينجح في تطهير البلاد. لكنه واجه معارضةً شديدة، من أشخاصٍ أقوياء، ذوي نفوذ. في النهاية، تعرض هو وعائلتي للاختطاف، وتم تعذيبي أمام أعينهم. شاهدتُ والدي وهو يُجبر على التخلي عن كل شيءٍ يؤمن به، مقابل سلامة عائلته. لم أستطع فعل شيءٍ حينها. كنتُ صغيراً، وضعيفاً."

انحبست سارة عن الكلام، وقد شعرت بمدى الألم الذي يحمله فارس الحق.

"هذا الحادث،" تابع فارس الحق، "أثر فيّ بشدة. جعلني أشعر بالضعف والعجز. لكنه أيضاً غرَس فيّ رغبةً جامحةً في الانتقام، وفي منع حدوث ذلك لأي شخصٍ آخر."

"هذا هو السبب في أنك أصبحت فارس الحق؟" سألت سارة، وعيناها تلمعان بالتعاطف.

"نعم،" أجاب فارس الحق. "لقد قررتُ أن أصبح قوياً، قوياً بما يكفي لكي لا أشعر بالعجز مرةً أخرى. وأن أحمي الأبرياء من ظلم الظالمين."

"ولكن، ما هي نقطة ضعف 'ظلّ العصور'؟" سألت سارة، لتعيده إلى الموضوع.

"هم يسعون للقوة،" قال فارس الحق. "وهم يؤمنون بأن المعرفة هي مفتاح هذه القوة. لكنهم يفتقرون إلى شيءٍ جوهري. يفتقرون إلى الرحمة، وإلى التعاطف. إنهم يرون البشر مجرد أدواتٍ لتحقيق غاياتهم. وهذا هو ضعفهم الأكبر. إنهم لا يفهمون قوة الحب، وقوة التضحية، وقوة الإيمان."

"ولكن كيف نستغل هذا الضعف؟" سألت سارة.

"يجب أن نُظهر لهم أن هناك قوةً أكبر من قوتهم. قوةٌ تنبع من القلب، وليس من العقل المدبر. يجب أن نُظهر لهم أن البشرية ليست مجرد آلةٍ تسعى للقوة، بل هي كائنٌ عاطفيٌ، يتوق إلى العدل والخير."

"ولكن كيف نفعل ذلك؟" سألت سارة، وهي تشعر بالإحباط. "إنهم مجرمون، وليس لديهم أي شعورٍ بالرحمة."

"لا يوجد إنسانٌ خالٍ تماماً من المشاعر،" قال فارس الحق. "حتى في أشد القلوب قسوةً، هناك شرارةٌ خافتة. ويجب أن نجد تلك الشرارة، وأن نُشعِلها."

"وهذا هو هدفنا؟" سألت سارة. "أن نُشعِل شرارةً في قلوبهم؟"

"نعم،" أجاب فارس الحق. "وأن نُظهر لهم أن طريقهم خاطئ. أن السيطرة والقوة المطلقة لن تجلب لهم السعادة، بل ستزيدهم وحشةً وعزلة."

"ولكن، قبل أن نصل إلى ذلك، يجب أن نجد 'قلب النور'، و'المفتاح،" قالت سارة. "فجدي ترك إشاراتٍ أخرى، تتعلق بوجود 'حراس' لهذه الأماكن، وهم أشخاصٌ عاديون، لكنهم يمتلكون قدراتٍ خاصة، يساعدون في حماية الأمانة."

"حراس؟" كرر فارس الحق. "هذا يعني أننا لسنا وحدنا في هذه المعركة."

"نعم،" قالت سارة. "ولكنهم منتشرون في أماكن مختلفة، ويصعب التواصل معهم. ويجب أن نثبت لهم أننا جديرون بالثقة."

شعر فارس الحق بأن المسؤولية تزداد ثقلاً على كاهله. لم يكن الأمر مجرد مواجهةٍ مع منظمةٍ شريرة، بل كان سباقاً مع الزمن، للعثور على أماكن سرية، ولإيقاظ حراسٍ قدماء، ولإشعال شرارةٍ من الخير في قلوبٍ مظلمة.

"أنا مستعدٌ للقتال،" قال فارس الحق، وعيناه تلمعان بالتصميم. "ولكنني بحاجةٍ إلى مساعدتكِ، يا سارة. لا يمكنني فعل ذلك وحدي."

"وأنا مستعدةٌ للمساعدة،" قالت سارة، بثبات. "لقد تعلمتُ الكثير من جدي، وأنا على استعدادٍ لتطبيق ما تعلمته."

في تلك اللحظة، شعر فارس الحق بشيءٍ يتغير بداخله. لم يعد يشعر بالوحدة في معركته. وجود سارة بجانبه، وقوتها الهادئة، ومعرفتها العميقة، منحاه أملاً جديداً. ربما، حقاً، يمكن لشعلةٍ صغيرةٍ من الإيمان والرحمة، أن تُضيء أشدّ الظلمات.

ولكن، قبل أن يتمكن من قول المزيد، سمع صوتاً غريباً. صوتٌ يشبه همس الريح، لكنه يحمل نبرةً تحذيرية.

"علينا أن نكون حذرين،" قال فارس الحق، وهو يتفحص المكان. "أشعر بوجود شيءٍ غريب. كأنهم يراقبوننا."

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%