فارس الأمل الجزء الثالث
سكون ما قبل العاصفة
بقلم حسن القادر
لم يكن الليل سوى وشاح أسود تنسجه النجوم بخيوط فضية، يلف مدينة الرياض بهدوئه الذي لا يخدعه إلا عقل متيقظ. تحت هذا اللحاف السماوي، كان "فارس" يتوارى في الظلال، نبضات قلبه المنتظمة تعزف لحن الصبر والتأهب. لم يكن مجرد شاب في أواخر عقده الثاني، بل كان درعًا صامتًا لهذه المدينة، شبحًا يراقب، وعينًا لا تنام.
من أعلى برج شاهق، يطل على مساحات تتلألأ كبحر من الأضواء، كان يستشعر تيارات الخطر الخفية. كانت حواسه، التي صقلتها تدريبات شاقة وتجارب مريرة، تلتقط أدق الهمسات، أدنى التغيرات في نبض الحياة الطبيعية. جسده، الذي يبدو نحيلًا تحت عباءته الداكنة، كان يخفي قوة هائلة، وعزيمة لا تلين.
وفجأة، انكسر السكون. صفارة إنذار حادة اخترقت سكون الليل، تقطع نسيجه كسكين بارد. من مقر قيادته السري، الذي لا يعرف عنه أحد، حتى أقرب الناس إليه، سوى عدد قليل من الثقات، رصدت الأجهزة الأمنية خللًا كبيرًا في أحد المستودعات الكبرى في المنطقة الصناعية. كان التقرير الأولي يشير إلى نشاط مشبوه، وأصوات انفجارات خافتة.
"ما الخطب يا 'ساهر'؟" سأل فارس بصوت هادئ، يتوجه إلى حاسوبه المتطور الذي يعرض أمامه شبكة معقدة من البيانات.
"أيها الفارس، الأوضاع متأزمة. رصدنا اختراقًا لأحد المخازن المحظورة، والمعلومات الأولية تشير إلى وجود مواد خطرة. هناك تسرب للغازات السامة، وتقديرات تشير إلى قدرة محدودة على احتواء الموقف من قبل الفرق النظامية في غضون دقائق." أجاب صوت آلي بارد، لكنه يحمل طابع الاستعجال.
لم ينتظر فارس ردًا آخر. في غمضة عين، اختفى من مكانه، ليظهر بعدها بخطوات سريعة وحاسمة في ممر سري داخل المبنى. كانت أضواء الطوارئ الخافتة ترسم ظلالًا مشوهة على الجدران، لكنه كان يسير بثقة، كل خطوة محسوبة. لم يكن ينقصه إلا بذلته الواقية، درعه الذي يحميه من أعتى المخاطر.
في غرفة صغيرة مضاءة بشدة، انتظرته بذلته. تصميمها الفريد، الذي يجمع بين خفة الحركة والمتانة الفائقة، كان ثمرة سنوات من البحث والتطوير. ارتدائها كان أشبه بالاندماج مع جلد ثانٍ، أسطوري في قوته، لكنه مرن في حركاته. بمجرد أن أحكم رباطها، شعر بتدفق الطاقة، وبأن قدراته تتضخم.
"التوقيت ينفد، أيها الفارس. هناك قنبلة موقوتة، والمحاولات الأولية لتحديد موقعها باءت بالفشل." قال 'ساهر'، صوته يظهر الآن كصدى في خوذته.
"سنفعل ما بوسعنا." أجاب فارس، وقلبه يشتعل بالعزم. لم يكن هدفه مجرد إيقاف الخطر، بل حماية الأبرياء.
انطلق بسرعة البرق، لا يعتمد على وسيلة نقل تقليدية، بل على قوته الخارقة التي تسمح له بالقفز لمسافات هائلة، والركض بسرعة تفوق سرعة الصوت. مرت المدينة تحت قدميه كشريط سينمائي، تضاء وتخفت، بينما كان هو يتحرك كالنجم الشهاب.
وصل إلى المنطقة الصناعية، حيث تلتف سحب كثيفة من الدخان المتصاعد حول المستودع المنكوب. كانت سيارات الإسعاف والإطفاء تحاول الوصول، لكنها تواجه حواجز غامضة، يبدو أنها وُضعت لتعيق تقدمها.
"هناك من يضع العقبات عمدًا." تمتم فارس، مشدداً قبضته.
بدأ يقفز بين المباني، يتجنب الدخان المتصاعد، ويتجه نحو قلب الكارثة. رأى الوجوه المذعورة للعاملين الذين حاولوا الفرار، والذعر الذي يخيم على المكان. لم يكن لديه وقت لتفقد الأضرار أو لتقديم الإغاثة الأولية، كان هدفه واضحًا: الوصول إلى مصدر الخطر وتحييده.
في داخل المستودع، كانت الفوضى تعم. ألسنة اللهب تتراقص في عنف، تتغذى على المواد القابلة للاشتعال. وفي وسط هذا الجحيم، كان هناك فريق صغير، يرتدون ملابس سوداء، يتحركون بمهارة فائقة. كانوا يعبئون صناديق غامضة، تبدو وكأنها تحتوي على أسلحة متطورة.
"لا وقت لديكم!" صاح فارس بصوت جهوري، اخترق ضجيج الانفجارات.
التفت الفريق نحو مصدر الصوت. رأوا فيه شبحًا غامضًا، يلمع تحت وهج النيران. لم يكن أحدهم يتوقع وجود مقاومة.
"من هذا؟" سأل أحدهم، بلهجة تحمل مزيجًا من الدهشة والغضب.
"أنا من سيمنعكم من إشعال فتيل الدمار." أجاب فارس، مقتربًا بحذر.
بدأت المعركة. كانت طلقات نارية تتطاير، ورصاص يرتطم بدرع فارس كحبات المطر. لم يكن الفريق مجرد مجرمين عاديين، بل كانوا منظمين، ومدربين تدريبًا عاليًا. ألقوا عليه قنابل دخانية، ثم أطلقوا أشعة ليزر قادرة على اختراق المعدن.
لكن فارس كان أسرع، وأقوى. كان يتفادى الضربات ببراعة، ويستغل أي فرصة للهجوم. كانت خفة حركته مذهلة، وقوته الجسدية تتيح له صد الضربات القاتلة. كلما ارتطم أحد رجاله به، شعر وكأنه يرتطم بجدار صلب، يتطاير بعيدًا.
"يجب أن ننهي هذا بسرعة." قال لنفسه، مدركًا أن كل ثانية تمر تزيد من خطر الانفجار.
استغل لحظة تشتت، واقتحم صفوفهم. كان ينهي كل مواجهة بضربة واحدة، سريعة وحاسمة، تحيد الخصم دون أن تزهق روحه. كانت تلك هي فلسفته: إيقاف الأشرار، لا إعدامهم.
تمكن من الوصول إلى الصناديق. فحص أحدها، اكتشف أنها تحتوي على مادة شديدة الانفجار، ومصممة ليتم تفعيلها عن بعد. كان هذا هو التهديد الحقيقي.
"ساهر، هل يمكنك تحديد مصدر إشارة التفعيل؟" سأل.
"جاري البحث. هناك تشويش كبير، لكنني أتعقب الإشارة. إنها قادمة من مبنى قريب، على بعد ثلاث كيلومترات."
"سأذهب إلى هناك. عليكم احتواء الوضع هنا."
لم ينتظر الإجابة. قفز من نافذة المستودع، تاركًا خلفه مجموعة من المجرمين المقيدين، والدخان المتصاعد الذي بدأ يخف تدريجيًا بفضل جهود فرق الإطفاء التي بدأت تصل.
كان الليل ما زال في بدايته، لكن مهمة فارس كانت قد بدأت للتو. كان هناك دائمًا خطر جديد، وتهديد يلوح في الأفق. لكن طالما بقي في هذا العالم، لن يسمح للظلام بالانتصار.