فارس الأمل الجزء الثالث
ضوء في العتمة وصداع في الذاكرة
بقلم حسن القادر
في صباح اليوم التالي، استيقظ فارس على أشعة الشمس الذهبية التي تسللت عبر ستائر غرفته. لكن دفء الشمس لم يستطع أن يزيل برودة القلق التي استقرت في روحه. لقد قضى ليلته يتأمل التحذيرات المبهمة، ويفكر في طبيعة هذا العدو الجديد.
"الظل الأسود" لم يكونوا مجرد عصابة إجرامية. كانت هناك قوة أعمق، ذكاء شيطاني، يوجههم. كان فارس يشعر بأنهم يقتربون، وأن هذه المواجهة ستكون مختلفة عن كل ما سبق.
ارتدى ملابسه، وشعر بحزام القوة الذي كان يلتف حول خصره. كان هذا الحزام ليس مجرد لباس، بل هو رمز لتراث عريق، وعهد بالمسؤولية. ذهب إلى غرفة التدريب، حيث كان ينتظره مالك.
"صباح الخير يا فارس"، قال مالك بابتسامة هادئة، "لقد أمرت بتجهيز فريق استطلاع نخبة. سيبدأون مهمتهم فور شروق الشمس."
"شكرًا لك يا أبي"، أجاب فارس، "أتمنى أن يحصلوا على معلومات كافية. لأنني أشعر بأن الوقت يداهمنا."
"لا تقلق"، قال مالك، وهو يشاهده يؤدي بعض الحركات التدريبية، "لقد بنينا هذا الصرح على أساس الصلابة. وسنتمكن من تجاوز هذه المحنة أيضًا."
في الجهة الأخرى من المدينة، كانت ليلى تعمل في مختبرها المجهز بأحدث التقنيات. كانت تركز على تحليل العينات التي تم جمعها من آخر هجوم شنه "الظل الأسود". كانت تبحث عن أي أثر يدل على مصدر قوتهم، أو على الطبيعة الحقيقية لأسلحتهم.
"هذا غير منطقي"، تمتمت ليلى، وهي تتمعن في قراءة البيانات على شاشتها. "الطاقة المنبعثة من هذه الأسلحة لا تتوافق مع أي تكنولوجيا معروفة. هناك شيء خارق للطبيعة هنا."
قالت لها مساعدتها الشابة، "يا سيدة ليلى، ربما يجب أن نطلب المساعدة من الخارج؟ هناك علماء متخصصون في الطاقة الخارقة."
"لا"، أجابت ليلى بحزم، "نحن بحاجة إلى السرية التامة. إذا علم الأعداء بأننا نفهم قوتهم، فقد يغيرون استراتيجيتهم. علينا أن نعتمد على أنفسنا."
في تلك الأثناء، كانت نور قد استيقظت من نوم عميق، وهي تشعر بصداع رهيب. لم يكن صداعًا عاديًا، بل كان يرافقه وابل من الصور المشوشة في ذهنها. صور لوجوه غريبة، لم ترها من قبل، وأصوات غير مفهومة، تهمس بكلمات بلغة قديمة.
"ما هذا؟" سألت بصوت مرتجف، وهي تمسك برأسها. "ما الذي يحدث لي؟"
شعرت بيد باردة تلمس جبينها. رفعت عينيها لتجد والده، والدها، "سالم"، يقف بجانبها. سالم كان حارسًا سابقًا، ولكنه اعتزل بعد وفاة زوجته، أم نور، ليقضي حياته في تربية ابنته.
"ابنتي الحبيبة"، قال سالم بصوت مليء بالحن. "ماذا بك؟ تبدين شاحبة."
"يا أبي، لا أعرف"، قالت نور، "أرى أشياء، أسمع أصواتًا... كأن هناك شيئًا يحاول أن يخرج من ذاكرتي."
نظر سالم إلى ابنته بقلق. لقد رأى هذه الأعراض من قبل، في نساء أخريات، في الماضي. "اهدئي يا ابنتي. ربما هو مجرد إرهاق."
لكن نور لم تكن مقتنعة. كانت تعرف أن هذه ليست مجرد أعراض جسدية. كانت تشعر بأنها بوابة لشيء آخر، شيء قديم وعميق.
في الوقت نفسه، كان زياد يتجول في سوق المدينة الصغير، متخفيًا. كانت عيناه تبحثان عن أي علامة، أي خيط قد يقوده إلى قاتلي والديه. كلما رأى وجهًا غريبًا، كلما شعر بنبضة من الغضب المتجمد في قلبه.
"يجب أن أعرف الحقيقة"، همس لنفسه، وهو يشتري بعض المؤن. "مهما كان الثمن."
مر بجوار متجر عتيق، وكانت نوافذه ممتلئة بالتحف القديمة. لفت انتباهه تمثال صغير، منحوت من حجر داكن، يمثل حيوانًا غريبًا، له عينان نافذتان. شعر زياد بانجذاب غريب نحو التمثال، كأن هناك شيئًا يعرفه.
"كم ثمن هذا؟" سأل البائع، رجل عجوز نحيل، ذو لحية بيضاء طويلة.
"هذا التمثال نادر يا بني"، قال البائع، "له قصة قديمة. لا أبيعه لأي شخص. ولكن أرى في عينيك شيئًا مختلفًا. ثلاثمائة درهم."
دفع زياد المبلغ، وشعر وكأنه قد وجد كنزًا. حمل التمثال بين يديه، وشعر ببرودة غريبة تنبعث منه.
في المساء، اجتمع فارس مع ليلى ومالك في مقر قيادة الحراس. كانت الأجواء مشحونة بالتوتر.
"فرق الاستطلاع عادت بخفي حنين"، قال فارس بضيق، "لقد رصدوا تحركات مشبوهة قرب الحدود الشمالية، ولكنهم لم يتمكنوا من تحديد طبيعة القوة أو حجمها."
"هذا يعني أنهم أصبحوا أكثر حذرًا"، قالت ليلى، "أو أنهم يغيرون خطتهم."
"علينا أن نتحرك"، أصر يزيد، الذي كان حاضرًا أيضًا. "لا يمكننا الانتظار أكثر."
"هدوء يا يزيد"، قال مالك، "التسرع هو عدو الحكمة. سنقوم بتحليل جميع المعلومات المتاحة، وسنضع خطة متكاملة."
فجأة، انفتح باب الغرفة، ودخلت نور. كانت تبدو شاحبة، ولكن عينيها كانت تلمعان بتصميم.
"فارس"، قالت بصوت هادئ، "أعتقد أنني أعرف ما هو مصدر قوتهم."
توقف الجميع عن الكلام، ونظروا إليها.
"أرى صورًا في ذهني"، تابعت نور، "صورًا لأشياء قديمة، لطقوس مظلمة. أعتقد أنهم يستخدمون طاقة شيطانية، مستمدة من معبد قديم مدفون تحت الأرض."
"معبد قديم؟" استغرب فارس، "من أين لكِ هذه المعلومات؟"
"من ذاكرتي"، قالت نور، "أو ربما من شيء أكبر. أشعر بأن هذه الطاقة لها علاقة بماضي عائلتي."
كانت كلمات نور تشكل خيطًا رفيعًا من الضوء في عتمة التساؤلات. خيط قد يربط كل شيء معًا، وقد يقودهم إلى مواجهة أعمق مما كانوا يتوقعون. كان هذا الضوء في العتمة، لكنه كان يحمل معه أيضًا صداعًا مؤلمًا في الذاكرة، ذاكرة قديمة، ترفض أن تنسى.