فارس الأمل الجزء الثالث
همس الأسطورة وظلال الخيانة
بقلم حسن القادر
بعد كلمات نور، ساد صمت مريب في قاعة القيادة. لم يكن الصمت نتيجة للدهشة فحسب، بل كان أيضًا نتيجة للانتقال المفاجئ من التحليل المنطقي إلى عالم الأساطير القديمة. فارس، رغم تصميمه الراسخ، شعر ببعض الارتباك. طاقة شيطانية؟ معبد قديم؟ هذه مفاهيم لم تكن في قاموس "الحراس" الواقعي.
"نور"، قال فارس، متحدثًا بحذر، "هل أنت متأكدة مما تقولين؟ هل هناك أي دليل مادي يدعم ما تشعرين به؟"
تنهدت نور. "لا أعرف كيف أصف هذا يا فارس. إنه شعور عميق، كأن شيئًا موروثًا يستيقظ بداخلي. الصور التي أراها... إنها تتكرر، وتصبح أكثر وضوحًا. هناك رموز، نقوش، وطقوس لم أرها من قبل، لكنها تبدو مألوفة بشكل مخيف."
مالك، الذي كان يراقب بصمت، تقدم خطوة. "يا نور، القوى التي تمتلكينها فريدة. إذا كنتِ تشعرين بأن هناك شيئًا حقيقيًا، فعلينا أن نستمع. ولكننا نحتاج إلى تأكيد. ليلى، هل يمكنكِ إجراء بعض الأبحاث حول أساطير المنطقة القديمة؟ ربما هناك قصص عن معابد مفقودة، أو طقوس شيطانية."
أومأت ليلى برأسها. "بالتأكيد. سأبدأ بالبحث في المخطوطات القديمة والأساطير المحلية. لكن الأمر قد يستغرق بعض الوقت."
يزيد، الذي كان قد استمع بانفتاح، قال: "إذا كان هذا المعتقد قديمًا، فقد يكون له موقع محدد. أليس كذلك؟ يمكننا البحث عن أي مواقع أثرية غريبة، أو أماكن مهجورة منذ زمن طويل."
"هذه فكرة جيدة يا يزيد"، وافق فارس. "سنقوم بتوسيع نطاق عمليات الاستطلاع، مع التركيز على المناطق التي قد تكون مرتبطة بالأساطير القديمة."
في هذه الأثناء، كان زياد قد عاد إلى مخبئه السري، يحمل التمثال الداكن. وضعه على طاولة في الغرفة، وشع نور غريب يسري في الهواء. التمثال لم يكن مجرد قطعة حجرية، بل كان يبدو وكأنه ينبض بحياة خفية.
"ما أنت؟" سأل زياد التمثال، محاولًا فك رموزه. لقد شعر بأن هذا التمثال له علاقة بماضيه، وربما يكون مفتاحًا للكشف عن الحقيقة.
في غرفته، كان سالم، والد نور، يراقب ابنته بقلق متزايد. كانت نور تغوص في عالم غامض، عالم بدأ يؤثر على صحتها. كان سالم يخشى أن تكون هذه القدرة نعمة ونقمة في آن واحد.
"يا رب"، دعا سالم بصوت خافت، "احفظ ابنتي. أنت تعلم ما مرت به."
في جزء آخر من المدينة، كانت "سارة"، فتاة شابة تعمل في مكتبة عامة، تجلس بين رفوف الكتب القديمة. كانت سارة قد التقت بفارس مرة واحدة، وشعرت بانجذاب خفي نحوه. كانت تحلم بلقائه مرة أخرى، ولكنها لم تجرؤ على المبادرة.
بينما كانت ترتب بعض المخطوطات، وقعت عينها على كتاب قديم، مغلف بجلد داكن. كان الكتاب مكتوبًا بلغة غريبة، لم ترها من قبل، ولكنه كان يبدو وكأنه يصرخ باسمها. فتحت الكتاب، وشعرت بطاقة غريبة تنبعث منه. بدأت الرموز تتشكل أمام عينيها، لتتحول إلى لغة تفهمها.
"هذا... هذا غريب"، تمتمت سارة، وهي تقرأ. "إنها تتحدث عن قوة، عن ظلال، وعن حراس."
في مقر قيادة الحراس، كانت ليلى قد توصلت إلى بعض المعلومات الأولية. "لقد وجدت إشارات إلى أسطورة قديمة عن 'وادي الظلال'، حيث يقال أن قوى شيطانية كانت تُمارس في الماضي. الأسطورة تتحدث عن معبد سري، مدفون تحت الأرض، كان مصدر قوة للكهنة المظلمين. ولكن التفاصيل قليلة جدًا."
"وادي الظلال"، ردد فارس، "علينا أن نتحقق من هذا المكان. يزيد، هل لديك أي معلومات عن هذا الوادي؟"
"لقد سمعت عنه في القصص القديمة"، قال يزيد، "يقولون إنه مكان ملعون، ولا يقترب منه أحد."
"هذا بالضبط ما نبحث عنه"، قال فارس، وعيناه تلمعان بالإصرار. "علينا أن نذهب إلى هناك. ولكن بحذر شديد."
في تلك الأثناء، كان مالك يجتمع مع شخص غامض في زاوية مظلمة من المدينة. كان هذا الرجل يرتدي قناعًا، ولا تظهر من وجهه سوى عينان باردتان.
"لقد نفذت مهمتك بنجاح"، قال الرجل بصوت أجش. "الأسلحة الجديدة في طريقها إلينا. لا تقلق بشأن 'الحراس'. فهم غافلون."
"ولكن ألا تخشى أن يكتشفوا أمرنا؟" سأل مالك، وهو يشعر بشيء من التردد.
"لا يمكنهم اكتشاف شيء"، ضحك الرجل ضحكة خافتة، "خاصة إذا كان هناك شخص من الداخل يساعدنا."
صُدم مالك. "من تقصد؟"
"الشخص الذي يمكنه الوصول إلى كل تحركاتهم، إلى كل خططهم. الشخص الذي أصبح الآن جزءًا من حلمهم."
في تلك اللحظة، شعر مالك بقشعريرة باردة تسري في جسده. هل كان الرجل يتحدث عن نفسه؟ أم عن شخص آخر؟ لم يكن قادرًا على الجزم.
في نهاية اليوم، شعرت نور بأن هناك شيئًا تغير. الوهج الأزرق في يدها، الذي كان قد خفت، بدأ يعود، أقوى من ذي قبل. ولكن هذه المرة، كان مصحوبًا بألم حاد، وكأن هناك قوة غريبة تحاول اختراق جسدها.
"لماذا يحدث هذا؟" تساءلت، وهي تمسك بيدها. "ماذا يريدون مني؟"
في الليل، بينما كان فارس يتأمل خريطة المدينة، شعر بوجود غريب. لم يكن وجودًا جسديًا، بل كان كإحساس بالبرد، وبوجود شيء قديم، يحمل معه وعدًا بالدمار. كان همس الأسطورة قد بدأ يتجلى، وظلال الخيانة كانت تنسج خيوطها المظلمة، لتلتف حول "الحراس"، وتضعهم في مواجهة مع عدو لم يظنوا قط أنه موجود.