فارس الأمل الجزء الثالث
في قلب العاصفة
بقلم حسن القادر
كانت رائحة الأوزون والحديد المحترق تملأ الهواء، وهي خليط قوي يختلط برائحة الخوف الممزوج بعبق تراب الصحراء الذي بدأت تتصاعد مع هبوب الرياح. لم يعد 'فارس' مجرد شبح في الظلال، بل أصبح حقيقة ملموسة، قوة لا يمكن تجاهلها، تتجسد في غضب الأرض العظيم. سحب الدخان الأسود المتصاعد من المستودع الذي بات الآن تحت سيطرة فرق الطوارئ، كانت ترسم لوحة سوداوية على سماء الرياض، سماء كان يراقبها بصمت.
وقف على سطح مبنى قريب، يراقب الأضواء المتلألئة لسيارات الإطفاء والإسعاف وهي تهرع إلى المكان، وكأنها جروح تنزف دماءً سائلة من جسد المدينة. لقد أوقف الكارثة الوشيكة، لكنه لم يقضِ على مسبباتها. كان يدرك أن هذه مجرد بداية، وأن خيوط الشر متشعبة، تمتد إلى أعماق لا يمكن للعقل البشري العادي تصورها.
"الهدف يظهر على الشاشة، أيها الفارس." جاء صوت 'ساهر' عبر سماعات خوذته، رقيقًا، بالكاد يمكن سماعه وسط ضجيج المدينة. "المبنى المخصص للأعمال المهجورة على بعد ثلاثة كيلومترات شمالًا. إشارة التفعيل متواصلة، ويبدو أنها تنبعث من الطابق العلوي."
"هل هناك أي مؤشرات أخرى؟" سأل فارس، وهو يقفز ببراعة إلى سطح مبنى آخر، تتحرك ساقاه كالمضخات، تقذفانه في الهواء مثل قذيفة.
"تظهر كاميرات المراقبة الخارجية وجود أشخاص يتحركون بكثافة داخل المبنى. يبدو أنهم في حالة استعداد، ربما يجهزون لعملية أخرى."
"عملية أخرى؟" تكررت كلمات 'ساهر' في رأس فارس، مشعلة لهيب القلق. لم يكن الأمر مجرد تدمير، بل كان هناك تنظيم، خطة أكبر. "يجب أن أصل إلى هناك قبل فوات الأوان."
انطلق في الهواء، تاركًا وراءه الأنقاض المتوهجة للمستودع، متجهًا نحو المبنى المهجور. كانت الرياح تصفع وجهه، لكنها لم تفعل شيئًا سوى زيادة عزيمته. كان يرى تحت قدميه شبكة معقدة من الشوارع والمباني، التي تبدو هادئة الآن، غافلة عن الخطر الكامن.
وصل إلى المبنى. كان بناءً قديمًا، تعلوه طبقات من الغبار، ونوافذه مكسورة، كأنه عين عمياء تراقب العدم. صعد على واجهته بسهولة، متشبثًا بالشقوق والتجاويف، وكأنه عناكب عملاقة. وصل إلى الطابق العلوي، حيث أضاءت بعض النوافذ الخافتة.
لم يكن هناك تفكير بالمواجهة المباشرة. كان التخفي هو الخيار الأمثل. تسلل عبر نافذة مكسورة، ودخل إلى قاعة واسعة، كانت تبدو وكأنها مكتب مهجور. الأثاث مبعثر، والأوراق ملقاة على الأرض، والغبار يغطي كل شيء. لكن في وسط كل هذه الفوضى، كانت هناك بقعة من النظام: طاولة كبيرة، عليها جهاز حاسوب متطور، وأدوات إلكترونية غريبة.
وراء الطاولة، كان يجلس رجل، ذو ملامح صارمة، وعينين باردتين، يرتدي بذلة سوداء أنيقة. كان يبتسم ابتسامة خبيثة، وهو يراقب شاشة الحاسوب. يبدو أنه هو من كان يفعّل القنابل.
"إذن، أنت هو العقل المدبر؟" قال فارس، بصوت أعمق وأكثر خشونة من المعتاد، مخترقًا صمت المكان.
انتفض الرجل في مكانه، لم يكن يتوقع هذه المفاجأة. استدار نحو مصدر الصوت، ورأى في الظلام شخصية هائلة، تغطيها بذلة غامضة.
"من أنت؟ وكيف تجرأت على اقتحام مملكتي؟" سأل الرجل، وهو يضع يده على زر غامض أسفل الطاولة.
"أنا من سيسحق مملكتك قبل أن تبدأ." رد فارس، وبدأ يقترب.
"إذا كنت تعتقد أنك تستطيع إيقافي، فأنت واهم." قال الرجل، وبدأ يضغط على الزر. "هذا العمل سينتهي، وسيدفع الجميع ثمن صمودهم."
لكن فارس كان أسرع. قفز نحو الرجل، وبسرعة خاطفة، انتزع يده من على الزر. دار صراع قصير، عنيف. حاول الرجل أن يدافع عن نفسه، لكنه لم يكن يمتلك القوة الكافية لمواجهة فارس.
"لا يمكن لأحد أن يوقفني!" صرخ الرجل، وهو يلقي على فارس شيئًا صغيرًا لامعًا.
كانت قنبلة صغيرة، لكنها ليست ذات انفجار هائل. انفجرت في وجه فارس، وأطلقت سحابة من الغاز الأخضر. لم تتأثر بذلته، لكنها سببت له شعورًا بالدوار، وبدأ ضباب غامض يغطي رؤيته.
"هذه مجرد بداية." قال الرجل، مستغلًا لحظة ضعف فارس. "هناك الكثير من المفاجآت في انتظارك."
وبينما كان فارس يحاول استعادة وعيه، اختفى الرجل في ممر سري، كان مخفيًا خلف إحدى الرفوف.
"ساهر، ماذا حدث؟" سأل فارس، وهو يحاول مسح ضباب الرؤية.
"تأثرت بمادة سامة. جهاز استشعار البذلة يعمل على تحييدها، لكن الأمر سيستغرق بعض الوقت. الهدف لا يزال في المبنى، ويتجه نحو مخرج خلفي."
"سألحق به." قال فارس، وهو ينهض بصعوبة.
خرج من الغرفة، ورأى أن المبنى كان عبارة عن شبكة معقدة من الممرات والغرف. كان الرجل يركض أمامه، ويتعمد أن يترك خلفه فخاخًا صغيرة، ألغامًا صوتية، ومواد قابلة للاشتعال.
"إنه يلعب لعبة القط والفأر." تمتم فارس، وهو يتجنب بصعوبة إحدى الفخاخ.
وصل إلى الطابق الأرضي، حيث كان ينتظره باب معدني ضخم. فتح الرجل الباب، وركض إلى الخارج، ليجد أمامه شاحنة سوداء، والسائق ينتظره.
"لن تفلت مني!" صاح فارس، وانطلق نحو الشاحنة.
لم يتمكن من الوصول إليها قبل أن تغادر. لكنه رأى وجه الرجل بوضوح وهو يختفي داخل الشاحنة. كان وجهًا يعرفه، وجهًا ذكره بأيام مضت.
"من هذا الرجل؟" سأل نفسه، وهو يشعر بغصة في حلقه.
"هوية الهدف غير معروفة، ولكن لدينا تحليل للوجه. هناك تطابق بنسبة 70% مع صورة لشخص مطلوب في قضية اختفاء قبل سنوات. اسمه 'مالك'." أجاب 'ساهر'.
"مالك؟" تكررت الكلمة، وكأنها تعزف لحنًا قديمًا. "إذن، أنت تلعب معي يا مالك."
وقف فارس أمام الشاحنة الهاربة، يشعر بالغضب والارتباك. لقد أوقف كارثة، لكنه فشل في القبض على الجاني. والأكثر من ذلك، أن الجاني يبدو أنه يعرفه.
كان الليل ما زال طويلًا، والعاصفة لم تنتهِ بعد.