فارس الأمل الجزء الثالث
في كمين الغد المظلم
بقلم حسن القادر
انطلق "فارس"، لا يصطحبه سوى صمت الليل الهادر، وعزيمة لا تلين. كان يسير بخفةٍ وبراعة، كظلٍ يتراقص على جدران المدينة القديمة. لم تعد خطواته مجرد انتقال من مكان لآخر، بل كانت أقرب إلى انسياب الروح، متأهبة لأي مفاجأة. وصل إلى مشارف بئر الماء المهجور، مكانٌ تنبعث منه رائحة العفن، وتتوارى فيه الأسرار. كانت السماء قد أظلمت تماماً، والنجوم تخلت عن بريقها، وكأنها تخشى أن تشهد ما سيحدث.
اقترب "فارس" بحذرٍ شديد، مختبئاً خلف الأنقاض المبعثرة، مستخدماً خبرته الطويلة في التخفي. لمح من بعيد، شبه بصري، شخصيتين تقفان بالقرب من فوهة البئر. كانت إحداهما ترتدي ملابس داكنة، وتلوح في الظلام، لا يستطيع تمييز ملامحها بوضوح. أما الأخرى، فكانت تظهر بوضوح أكبر، وهي هيئة "الشيخ حمدان"، بوقاره المعهود، ولكن هذه المرة، كان يبدو وكأنه يحمل عبئاً ثقيلاً، لم يكن مجرد عبء السن، بل كان عبء ما يخفيه.
استرق "فارس" السمع، محاولاً التقاط خيوط المحادثة. كانت أصواتهما منخفضة، متقطعة، ممزوجة بصوت الرياح التي تئن بين الأنقاض. "لقد فعلت ما طلبته مني، 'سيد الظلام'. لقد سلمتك المعلومات بدقة." كان هذا صوت "الشيخ حمدان".
ارتعش "فارس" من الداخل. "سيد الظلام"! هذا اللقب لم يكن له أي معنى معروف في قاموس "الشيخ حمدان" أو في قاموس شرفهم.
جاء الرد من الشخص الآخر، بصوتٍ خشن، فيه شيء من التهديد المبطن. "الأمر جيد، يا حمدان. ولكن الثمن الذي تدفعه غالٍ، هل أنت مستعد لتحمله؟ تذكر، الخطأ الواحد قد يكلفك كل شيء."
"أنا أعلم،" أجاب "الشيخ حمدان" بصوتٍ فيه رجفة، "ولكني فعلت ذلك لحماية عائلتي. فقد هددوني، يا 'سيد الظلام'. لقد هددوا 'فاطمة' و'زينب'. إنهم يعلمون مدى حبي لهما، واستغلوا ذلك. أرغموني على فعل هذا."
نظر "فارس" إلى السماء، وكأنه يبحث عن إجابةٍ أو قوةٍ تمده بالصبر. الخيانة كانت تتخذ أشكالاً جديدة، أشكالاً ترتدي ثوب الاضطرار. ولكن هل كان الخوف مبرراً للخيانة؟ هل كان حب العائلة يسمح بأن يُصبح المرء أداةً في يد الشر؟
"إنهم يعلمون أن حماقتك لن تنطلي علينا،" قال "سيد الظلام" ببرودٍ قاتل، "إنك لست سوى قطعة على رقعة الشطرنج، والآن، حان وقت تحريكك لخدمة غرضنا الأخير. هل أحضرت 'حجر العهد'؟"
تجمد "فارس". "حجر العهد"؟ هل كانوا يعلمون؟ هل كان "الشيخ حمدان" سيُمكنهم من الوصول إليه؟
"لم أستطع إحضاره،" أجاب "الشيخ حمدان" بصوتٍ متقطع، "لقد تم حمايته بشكلٍ يفوق المتوقع. ولكنني أعلم مكانه. سأدلك عليه."
"هذا هو الكلام،" قال "سيد الظلام" بارتياحٍ خفي. "ولكن تذكر، 'حمدان'، إذا حاولت خداعنا، فإن عائلتك ستكون أول من يدفع الثمن. اذهب الآن، وأخبرني بالخطوات التالية. موعد التنفيذ يقترب."
ابتعد "الشيخ حمدان" عن المكان، بخطواتٍ وئيدة، كمن يحمل أثقال العالم. وبقي "سيد الظلام" وحيداً، يتأمل في ظلمة الليل، ويبدو أنه يكلم نفسه، أو ربما يكلم كياناً أشد خفاءً. "نعم، سيقعون جميعاً. 'فارس'، 'ليلى'، والقصر بأكمله. لن يبقى حجرٌ على حجر. إنها نهاية عصر، وبداية عصرنا."
عاد "فارس" إلى مقر قيادته، وقلبه يثقل بالألم والغضب. لقد تأكدت الشكوك، بل وتجاوزت كل التوقعات. "الشيخ حمدان" لم يكن مجرد خائن، بل كان أداةً في يد قوى أكبر، قوى تسعى إلى تدمير كل ما يؤمن به "فارس".
وجدت "ليلى" "فارس" جالساً في صمتٍ ثقيل. رفعت رأسها، ورأت في عينيه ناراً باردة. "لقد عرفت، أليس كذلك؟" سألت بصوتٍ خافت.
"نعم يا ليلى،" أجاب "فارس"، "لقد عرفت كل شيء. 'الشيخ حمدان' ليس خائناً فحسب، بل هو مجبر، تحت تهديدٍ كبير. إنهم يهددون عائلته. هددوا 'فاطمة' و'زينب'."
تنفست "ليلى" بعمق. "إذاً، لم يكن الأمر يتعلق بالسلطة أو المال. لقد كان الأمر يتعلق بحياة أحبائه. يا لها من ورطة!"
"ولكنهم لم يعرفوا أننا سنكشفهم،" قال "فارس" وعيناه تلمعان ببريقٍ جديد، "لقد عرفنا أن 'الشيخ حمدان' يعرف مكان 'حجر العهد'. وهؤلاء الأوغاد، 'نادي الظل'، كما أسموا أنفسهم، يريدون الوصول إليه."
"وماذا سنفعل الآن يا فارس؟ كيف سنواجه 'الشيخ حمدان'؟ وكيف سنمنعهم من الحصول على 'حجر العهد'؟"
"سنتبع خطتهم،" قال "فارس" وعيناه تشتعلان بالإصرار، "سنكشفهم واحداً تلو الآخر. 'الشيخ حمدان' سيقودنا إليهم. هذه هي فرصتنا. فرصتنا الأخيرة لإنهاء هذه المؤامرة. ولكن علينا أن نكون أشد حذراً. 'سيد الظلام' ليس رجلاً عادياً، بل هو العقل المدبر، وهو من يخطط لكل شيء."
"ولكن 'الشيخ حمدان' يعلم أنه سيُكشف. إذا خالف أوامرهم، فإن عائلته ستكون في خطر. هل سنتركه يذهب إلى مصيره؟"
"لا يا ليلى،" أجاب "فارس"، "سننقذه، وسننقذ عائلته. ولكن أولاً، علينا أن نمنعهم من الحصول على 'حجر العهد'. لا يمكن أن نسمح لهم بتدمير كل شيء. اجمعي كل المعلومات التي لديكِ عن 'نادي الظل' وعن 'حجر العهد'. أريد كل شيء. علينا أن نكون مستعدين لمواجهةٍ ستغير مجرى التاريخ. لا مجال للتراجع الآن. لقد وضعنا أقدامنا على طريقٍ لا عودة منه، طريقٌ سيُكشف فيه كل سر، وسينتصر فيه الحق."
نظرت "ليلى" إلى "فارس"، ورأت فيه البطل الذي لا يعرف الكلل. "سأفعل كل ما بوسعي يا فارس. سنكشف هذا الظلام، وسنُعيد النور لهذه الأرض. ولكن تذكر، حتى في قلب المعركة، يجب أن نتذكر قيمنا، وقيم إيماننا."
"بالطبع يا ليلى. إننا نقاتل من أجل الحق، ومن أجل الأمانة. وسنفعل ذلك بكل احترامٍ وتقدير. هيا بنا، فقد بدأ العد التنازلي."
وقفت "ليلى" بجانبه، مستعدةً لمواجهةٍ لن تكون سهلة، مواجهةٌ فيها الخيانة، والخوف، والأمل، كلها تتشابك في نسيجٍ واحد. كان الليل لا يزال يلف المدينة، ولكنه لم يعد يحمل مجرد صمت، بل أصبح يحمل هدير المعركة القادمة، معركةٌ ستُقرر مصير الكثيرين.