فارس الأمل الجزء الثالث

صدى الماضي

بقلم حسن القادر

كان الليل يتنفس ببطء، وشوارع الرياض تحتضن سكونًا نسبيًا، لكنه سكون مشوب باليقظة. سحب الدخان المتلاشية فوق المستودع المنكوب كانت أشبه بوشم على وجه السماء، تذكيرًا بصراع انتهى، وبأشواك معركة جديدة بدأت. 'فارس'، واقفًا وسط الغبار المتناثر، يشعر بوجود ثقل غامض، مزيج من النصر الهش، وخيبة القبض على مجرد أثر.

"ساهر، هل هناك أي أثر للشاحنة؟" سأل بصوت محموم، وعيناه تتابعان الخطوط المظلمة للشوارع.

"لا، أيها الفارس. لقد اختفت في شبكة الطرق. لكن لدينا تحليلًا للمواد الكيميائية التي تعرضت لها. كان الغاز الذي استخدمه 'مالك' عبارة عن مزيج نادر، مصمم للتأثير على الجهاز العصبي المركزي، وإحداث تشويش في الإدراك. لحسن الحظ، البذلة وفرت حماية شبه كاملة."

"مالك..." تكرر الاسم، وصداه يتردد في أعماق ذاكرته، يوقظ ذكريات مؤلمة، صورًا لأيام مضت، أيام كان فيها العدل غالبًا، والبراءة ترفرف في السماء. "لماذا يريد هذا الرجل أن يستهدفني؟ وما علاقته بهذه المواد الخطرة؟"

"لدينا ملف قديم عن 'مالك'. كان مهندسًا كيميائيًا لامعًا، يعمل في أحد المراكز البحثية المرموقة. اختفى قبل خمس سنوات، ولم يعثر له على أثر. كانت هناك شائعات حول تورطه في تجارب غير قانونية، لكن لم يتم تأكيد أي شيء."

"خمس سنوات..." تمتم فارس، وغمامة من الأسى تغطي وجهه. "خمس سنوات من الظلام، يبدو أنها صقلت غضبه."

وقف 'فارس' لحظة، يتأمل المشهد. لقد حان الوقت للعودة إلى ملاذه السري، إلى حيث يجد المعلومات، والقوة، والوضوح. كان لديه أسئلة كثيرة، وإجابات قليلة.

عاد إلى مركزه، وهي غرفة سرية تحت الأرض، مزودة بأحدث التقنيات، ومرتبة بعناية فائقة. بدأت الأجهزة في العمل، تعرض عليه صورًا، فيديوهات، ومعلومات عن 'مالك'. كانت صورًا قديمة، تظهره شابًا طموحًا، تتلمع عيناه بالحياة، ويبتسم ابتسامات صادقة. لكن الصورة الأخيرة، كانت لوجه صارم، خالي من أي تعبير، كأنه منحوت من صخر.

"هل تذكر هذا الرجل يا ساهر؟" سأل فارس، وهو يشير إلى صورة قديمة لـ 'مالك'.

"لا، أيها الفارس. لا يوجد أي سجل لعلاقتك به."

"لكنه يعرفني. أنا متأكد من ذلك. هناك شيء ما في عينيه، شيء أنا على دراية به."

قضى الساعات التالية في البحث، في الغوص في أعماق البيانات، في محاولة ربط الخيوط المتباعدة. كان 'مالك' يبدو أنه يمتلك موارد كبيرة، وأن لديه شبكة واسعة. المواد التي استخدمها في المستودع، والغاز الذي أطلقه، لم تكن مجرد أسلحة، بل كانت جزءًا من خطة أكبر، ربما هدفها إثارة الفوضى، أو إضعاف سلطة الحكومة.

"تم رصد نشاط مشبوه آخر، أيها الفارس." جاء صوت 'ساهر' فجأة، قاطعًا صمته. "في أحد البنوك الرئيسية في وسط المدينة. هناك حركة غير طبيعية حول الفرع القديم."

"ما نوع النشاط؟" سأل فارس، بحدة.

"عدة أفراد يرتدون ملابس الحراس، يدخلون ويخرجون بشكل متكرر، ويحملون صناديق. لا يوجد أي اختراق آلي، لكن هناك رصد لحركة غير اعتيادية."

"هل هناك أي علم على 'مالك'؟"

"لم يتم رصده بنفسه، لكن طريقة التنظيم، والسرية، تشبه أسلوب عمله."

"لا يمكننا السماح بحدوث شيء آخر." قال فارس، وهو ينهض. "هناك دائمًا المزيد من المخاطر، والمزيد من الأشرار. يجب أن أكون في كل مكان."

انطلق نحو البنك، متسللًا عبر الظلام، متحركًا كظل لا يُرى. كل حركة قام بها كانت محسوبة، كل نفس، وكل نبضة قلب. لم يكن الأمر مجرد واجب، بل كان قسمًا، عهدًا قطعه على نفسه.

وصل إلى البنك. كانت الأضواء الداخلية خافتة، لكنه رأى حركة سريعة بالداخل. لم يكن هناك أي إرهابيين، أو مسلحين، بل مجموعة من الأشخاص، يعملون بجد، يضعون صناديق في شاحنات صغيرة.

"هذا ليس هجومًا." تمتم فارس، وهو يراقب من بعيد.

"ماذا ترى؟" سأل 'ساهر'.

"أرى أشخاصًا يفرغون محتويات البنك. لكن يبدو أنهم ليسوا مجرمين."

"ماذا تقصد؟"

"يبدو أنهم ينقلون الأشياء القيمة. ليس بالسرعة أو العنف الذي يتوقعه المرء من عملية سطو."

فجأة، سمع صوتًا. صوت امرأة.

"ارجوكم، خذوا كل شيء، لكن اتركوا لي هذه الحقيبة."

جاء الصوت من داخل البنك. تقدم فارس بحذر، متسللًا عبر فتحة في الحائط. رأى امرأة، في أواخر الثلاثينات، ترتدي ملابس أنيقة، تبدو متأثرة بشدة. كانت تخاطب أحد الأشخاص الذين يحملون الصناديق.

"هذه الحقيبة تحتوي على ذكريات، وعلى أشياء لا يمكن تعويضها. لا تخذوها."

ابتسم الرجل الذي تحدثت إليه، ابتسامة باردة. "كل شيء هنا له ثمن، سيدتي. وحتى الذكريات، إذا كانت قيمتها عالية."

"ولكن..."

"لا مجال للنقاش." قال الرجل، وأشار إلى أحد رجاله، الذي سحب الحقيبة من يد المرأة.

شعر فارس بالغضب يتصاعد بداخله. لم يستطع تحمل رؤية ضعف، أو استغلال.

"ابتعد عنها!" صرخ فارس، مقتحمًا المكان.

ارتعش الجميع، وتوقفوا عن العمل. رأوا فيه شبحًا مقنعًا، قادمًا من العدم.

"من أنت؟" سأل الرجل الذي كان يتحدث مع المرأة، بصوت فيه تحدٍ.

"أنا من أدافع عن الضعفاء." أجاب فارس، وهو يقف أمام المرأة، ويحميها بظهره.

"هذا أمر خاص، لا شأن لك به."

"الظلم لا يعترف بالخصوصية."

وبدأ الصراع. لم يكن الأمر معركة شرسة، بل كان استعادة للحق. كان فارس ينهي كل مواجهة بسرعة، وكأنه يمسح الغبار عن طاولة. كان ينزع الأسلحة، ويكبل الأيدي، دون أن يسبب أذى دائمًا.

في غضون دقائق، كان الجميع مقيدين، والصناديق مبعثرة. بقي الرجل الرئيسي، يقف أمام فارس، بوجه متجهم.

"هل هذا هو أسلوبك؟" سأل الرجل، بتهكم. "الهجوم على رجال الأعمال؟"

"هؤلاء ليسوا رجال أعمال. هؤلاء لصوص."

"وهل أنت قاضٍ؟"

"أنا من يوقف الظلم."

"هل أنت 'فارس'؟" سأل الرجل، وعيناه تضيقان.

صدم فارس. كيف يعرف هذا الرجل اسمه؟

"من أنت؟" سأل فارس، وعاد الشك يراوده.

"أنا هنا لأني أعرف كل شيء. وأعرف أنك أنت من يحاول إيقافنا."

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%