فارس الأمل الجزء الثالث
شبكة الأكاذيب
بقلم حسن القادر
صمتٌ ثقيلٌ يخيم على المكان، لا يقطعه سوى صوت تنفس 'فارس' المنتظم، المتحدي. سؤال الرجل الغامض، "هل أنت 'فارس'؟"، لم يكن مجرد سؤال، بل كان ريحًا باردة تضرب شراع سفينته، مهتزةً صمت أيامه. من أين يعرف هذا الرجل اسمه؟ وكيف وصلت أخبار أفعاله السرية إلى مسامعه؟
"من تكون؟" رد فارس، وصوته يحمل نبرة حادة، يلمح فيها شكٌ متزايد.
ابتسم الرجل ابتسامةً اتسمت بالخبث، وكأنما وجد ضالته. "لقب 'فارس' ليس سرًا في عالمنا، أيها البطل. نحن نراقب، ونتعلم. اسمي 'قاسم'. وأنا هنا لأخبرك، أن معركتك ضد الظلام، ليست سوى وهم."
"وهم؟" كرر فارس، متسمرًا في مكانه. "ماذا تعني؟"
"تعني أنك تلعب دورًا، أيها البطل. تلعب دور من يحمي الأبرياء، بينما الحقيقة أعمق وأكثر قتامة. كل ما تفعله، كل ما تعتقد أنك تحققه، هو مجرد جزء من خطة أكبر، خطة لا أنت تعرفها، ولا هؤلاء الذين يرسلونك."
"أنا لا ألعب أي دور. أنا أفعل ما يجب فعله." قال فارس، مؤكدًا على كلماته، لكن صدى الشك بدأ يتسلل إلى أعماقه.
"هذا ما يعتقدونه. وهذا ما تريده أنت أن تعتقد. انظر حولك، أيها 'فارس'. هؤلاء اللصوص الذين تقيدهم الآن، هل هم أعداء؟ أم هم جزء من نظام أكبر؟ هل تعتقد أنهم يسرقون؟ أم أنهم ينقلون؟"
أشار 'قاسم' بيديه إلى الرجال المقيدين، والصناديق المتناثرة. شعر فارس باضطراب غريب، وكأن الأرض بدأت تميد تحت قدميه.
"ماذا تقول؟" سأل، وهو ينظر إلى المرأة التي كان يحميها، والتي كانت تراقب المشهد بوجه شاحب.
"هؤلاء ليسوا لصوصًا، أيها البطل. هؤلاء هم موظفون، ينقلون ممتلكات خاصة. ممتلكات تابعة لمنظمة، منظمة تريد أن تتجنب مصادرة السلطات لها. والآن، أفسدت عليهم مهمتهم."
"وهل هذا مبرر لاستغلال الآخرين؟" صاح فارس، الغضب يعود ليتغلب على حيرته.
"ليس مبررًا، ولكنه واقع. واقع يدفع الجميع إلى اتخاذ قرارات صعبة. لكن الأهم من ذلك، أنك تخدم مصالح لا تعلم بها."
"من هي المنظمة التي تتحدث عنها؟"
"منظمة تسعى لاستعادة ما لها. منظمة ترى أن ما يقوم به هؤلاء (وأشار إلى الرجال المقيدين) هو سرقة، وليس نقل. ومنظمة ترى أنك، أيها 'فارس'، تخدم مصالح من سرق منهم."
"هذا هراء!" قال فارس، ولكن الكلمات لم تكن مقنعة حتى لنفسه.
"هل هو هراء؟" سأل 'قاسم'، ونظر إلى 'ساهر' الذي كان يعمل بصمت في خلفية المشهد. "هل كل ما تعرفه عن 'مالك'، وعن تلك المواد السامة، وكل تلك الأحداث، هل كانت حقًا كما ظهرت لك؟ هل كان 'مالك' هو العدو، أم كان ضحية؟"
بدأ 'ساهر' يعرض معلومات على شاشة 'فارس'، تتضمن أجزاء من ملف 'مالك' القديم، مع تضارب في بعض البيانات، وتقارير محذوفة.
"هناك تضارب في المعلومات، أيها الفارس." قال 'ساهر'. "بعض التقارير تشير إلى أن 'مالك' كان يعمل على مشروع لحماية البيئة، وليس لإنتاج أسلحة. وهناك دلائل على أن بعض المعلومات تم التلاعب بها."
شعر فارس بأن رأسه يدور. لقد كان دائمًا واثقًا من عدالته، من قراراته. ولكن الآن، بدأ يشعر بالشك يتسلل إلى روحه.
"ماذا تريد مني يا قاسم؟" سأل، بالكاد يستطيع استيعاب ما يحدث.
"أريدك أن تفكر. أن ترى ما وراء الظاهر. أن تفهم أن هذا العالم ليس أبيض وأسود. هناك ظلال، وظلال كثيرة. أنا هنا لأقدم لك حقيقة مختلفة. حقيقة أن 'مالك' لم يكن عدوك، بل كان ضحيتك. وأنك، دون قصد، ساعدت في إخماد صوت الحق."
"وهل أنت تمثل الحق؟"
"أنا أمثل وجهة نظر. وجهة نظر تقول أن هناك من يستحق الحماية، أكثر منك. وأن هناك أسبابًا لكل فعل. وأنا أعرف الأسباب، وأعرف الأهداف. وهدفي الآن، هو أن تفتح عينيك."
"وكيف تضمن أنني سأصدقك؟"
"هذا يعود إليك. لكنني أرى فيك شيئًا مختلفًا عن هؤلاء الذين يرسلونك. أرى فيك نزاهة، ورغبة حقيقية في العدل. أرى فيك فرصة."
"فرصة لـماذا؟"
"فرصة للتغيير. فرصة للبحث عن الحقيقة. فرصة لتصحيح خطأ."
نظر 'فارس' إلى المرأة. كانت تبكي بصمت. ثم نظر إلى الرجال المقيدين، وإلى الشاحنات الصغيرة. ثم إلى 'قاسم'، الذي كان يراقبه بتركيز شديد.
"إذا كنت تقول الحقيقة، فإن كل ما فعلته كان خطأ." قال فارس، بمرارة.
"ليس خطأ كليًا. لقد تعلمت. والآن، حان وقت التطبيق."
"ماذا تريد مني أن أفعل؟"
"أريدك أن تترك هؤلاء. وأن تترك هؤلاء الذين يبدو أنهم يخدمونك. وابدأ بالبحث عن 'مالك'. ابحث عن الحقيقة وراء اختفائه. ابحث عن الأدلة التي تم إخفاؤها. وأنا سأقدم لك المساعدة."
شعر فارس بدوار شديد، وكأن رؤيته بدأت تتشوش. لم يعد يعرف ما هو الصواب وما هو الخطأ. كل ما كان يعرفه، هو أن الشك قد بدأ يأكل روحه.
"ساهر، ما تقييمك لوضع 'قاسم'؟" سأل، وهو يشعر بالضعف يتسلل إلى جسده.
"لم يتم رصد 'قاسم' في أي سجلات أمنية. لكن أنظمة التعرف على الوجوه تشير إلى وجود احتمال قوي لأن يكون هو الشخص الذي شارك في عملية سرقة بيانات من بنك الرياض قبل عامين. قضية لم يتم حلها."
"إذاً، هو ليس ملاكًا." قال فارس، ببرود.
"لا، أيها الفارس. لا أحد في هذا العالم كامل."
"هذا ما يخيفني."
قرر فارس، في تلك اللحظة، أن يتخذ قرارًا. لم يكن واثقًا، لكنه شعر أن هذا هو الطريق الوحيد.
"سأبحث عن 'مالك'." قال، وألقى نظرة أخيرة على 'قاسم'. "ولكن ثق بي، إذا اكتشفت أنك تخدعني، فإنك ستتمنى لو أنك لم تولد."
"أتفهم، أيها 'فارس'." قال 'قاسم'، بابتسامة خفيفة. "لكنني أراهن على نزاهتك، أكثر من ثقتي في خطط الآخرين."
ترك 'فارس' الرجال المقيدين، وترك المرأة، وغادر المكان. لم يكن يعلم إلى أين يتجه، ولكن شيئًا ما بداخله كان يتغير. لقد دخل إلى شبكة من الأكاذيب، والآن، حان وقته لفك تشابكها.