الحارس الليلي الجزء الثالث

رياح الخوف فوق مدينة الليل

بقلم عادل النور

في قلب صحراءٍ شاسعة، حيث تتلألأ النجوم كعيونٍ ساهرةٍ على أسرار الكون، وحيث يهمس الرمل بحكاياتٍ عتيقةٍ لقوافلٍ غابرة، استيقظ الظلام. لم يكن ظلامًا عاديًا، بل كان ظلًا ينساب خلسةً، يرتدي عباءة الشر، وينشر سمومه القاتلة. في هذه الليلة، في مدينةٍ أثقلها قلقٌ دفين، استشعر "الشهاب" هذه الأجواء الملبدة بالغيوم. كان "الشهاب"، بطل هذه القصة، رجلًا لم يولد ليحمل أكاليل الشرف أو يخطو على سجادٍ مفروشٍ بالورود. لقد اختار طريقًا مفروشًا بالأشواك، طريقًا لا يسلكه إلا ذوو البأس والصبر، من يتذرعون بالإيمان والعدل.

كانت السماء فوق "القاهرة"، مدينة الألف مئذنة، ممزقةً ببرقٍ خافت، ينبئ بعاصفةٍ قادمة. تساقطت قطرات المطر الأولى، كدموعٍ حائرةٍ على وجوهٍ مكتظةٍ بالقلق. على سطح أحد المباني الشاهقة، حيث تتمايل الأضواء كشعاعٍ أخيرٍ للأمل قبل أن يبتلعه الظلام، وقف "الشهاب". لم يكن مظهره يدل على قوته الخارقة، بل كان يرتدي زيًا داكنًا، يكاد يلتهم كل الضوء حوله، يخفي هويته، ويخفي معه آلامًا لا تُرى. كان جسده يتحرك برشاقةٍ تفوق كل تصور، وعيناه، بلون الليل الصافي، تجولان في الأرجاء، تبحثان عن الشر الذي يكمن في الظلال.

فجأةً، اخترق الصمت صراخٌ مكتوم، صادرٌ من زقاقٍ ضيق، بعيدٍ عن أعين الناس، لكنه وصل إلى أذن "الشهاب" كنذيرٍ شؤم. لم يتردد لحظة. انطلق كالسهم، جسده يندمج مع الريح والمطر، يلتف حول المباني، ويتجاوز الأزقة، حتى وصل إلى مصدر الصوت.

في ذلك الزقاق، تحت ضوء مصباحٍ شارعٍ خافتٍ يرتعش، رأى مشهدًا يدمي القلب. رجلٌ عجوز، يرتدي جلبابًا بسيطًا، ملقىً على الأرض، والدماء تغطي ثيابه، وفي عينيه نظرةٌ خائفةٍ باردة. أمامه، يقف ثلاثةُ رجالٍ، ملامحهم قاسية، وملابسهم سوداء، يحملون أسلحةً لامعة. كانوا يحاولون انتزاع حقيبةٍ جلديةٍ قديمةٍ من يد الرجل العجوز.

"قفوا حيث أنتم!"، دوت صوت "الشهاب" كصوت الرعد، اخترق ضجيج المطر، وأوقف الأجسام المتحركة.

التفت الرجال الثلاثة، مفاجأةٌ ترتسم على وجوههم، ثم تحولت إلى غضبٍ أعمى. لم يعرفوا من هذا المتطفل، لكنهم أدركوا أن مهمتهم قد تعطلت.

"من أنت أيها الوغد؟"، صرخ أحدهم، رافعًا سلاحه.

لم يرد "الشهاب". كان كل تركيزه على حماية الرجل العجوز. قفز من مكانه، جسده يرتفع في الهواء، وهبط بخفةٍ غريبةٍ على الأرض. لم يكن لديه سلاحٌ خارق، ولا قوى سحريةٌ ظاهرة، لكن قوته كانت تتجلى في سرعته، في دقته، في قدرته على استغلال أدنى تفصيلٍ في بيئته.

حاول أحد المهاجمين ضربه بسلاحه، لكن "الشهاب" تفاداه برشاقة، ثم بضربةٍ سريعةٍ من يده، جعلت السلاح يسقط من يد الرجل، وأتبعه بضربةٍ أخرى جعلته يترنح. انقض عليه الآخران معًا، يحاولان محاصرته. لكن "الشهاب" كان كالأفعى، يلتف، يتفادى، ويضرب بدقةٍ متناهية. لم يكن هدفه القتل، بل تعطيلهم، حمايتهم من أنفسهم.

في لحظاتٍ خاطفة، تمكن "الشهاب" من إسقاط المهاجمين الثلاثة أرضًا، فاقدين للوعي. ثم انحنى نحو الرجل العجوز، الذي كان يتنفس بصعوبة.

"هل أنت بخير يا عم؟"، سأل بصوتٍ فيه نبرةٌ من الحنان والقلق.

تأوه الرجل العجوز، محاولًا الجلوس. "حم.. الحمد لله. لقد أنقذتني يا بني."

"لا شكر على واجب"، قال "الشهاب". "ماذا كانوا يريدون منك؟"

أمسك الرجل العجوز بحقيبته الجلدية بقوة. "هذه.. هذه وثائقٌ مهمة. لأجدادي."

"وثائق؟"، تساءل "الشهاب"، وعيناه تلمعان بفضولٍ ممزوجٍ بالحذر. "ما هي هذه الوثائق؟"

"لا.. لا أعرف كل شيء"، قال الرجل العجوز، متألمًا. "لكنهم قالوا إنها تحمل سرًا.. سرًا قد يغير مجرى التاريخ."

"يغير مجرى التاريخ؟"، تكرر "الشهاب" الكلمات، وشعر ببرودةٍ تسري في عروقه. هل كان هؤلاء الرجال جزءًا من مؤامرةٍ أكبر؟ مؤامرةٍ تستهدف تاريخ المدينة، تاريخ الأمة؟

"يجب أن نذهب بك إلى مكانٍ آمن"، قال "الشهاب" وهو يساعد الرجل العجوز على الوقوف. "وأن نفهم طبيعة هذه الوثائق."

بينما كانا يخرجان من الزقاق، نظر "الشهاب" إلى الأفق. كانت السماء قد بدأت تتفتح قليلًا، لكن الظلام في قلوب البشر كان لا يزال ساطعًا. شعر بثقلٍ جديدٍ على كتفيه. لم يعد الأمر مجرد إيقاف مجرمين عاديين، بل اكتشف خيطًا رفيعًا يقود إلى صراعٍ أكبر، صراعٍ قد يمس جوهر الهوية والتاريخ.

عندما وصلا إلى سيارةٍ متروكةٍ في مكانٍ قريب، كان "الشهاب" قد استدعى شخصًا يثق به، طبيبًا له خبرةٌ في التعامل مع الإصابات الغامضة. لم يكن "الشهاب" يعمل بمفرده، بل كان لديه شبكةٌ صغيرةٌ من الأشخاص الذين يؤمنون برسالته، الذين يشاركونه حبهم لوطنهم.

"اعتني به يا دكتور"، قال "الشهاب" وهو يسلم الرجل العجوز، الذي بدا منهكًا. "وأخبرني بأي شيءٍ تكتشفه."

"حاضر يا شهاب"، قال الطبيب، يعرف أن المهمة ليست عادية.

نظر "الشهاب" مرةً أخرى إلى الحقيبة الجلدية، التي أصبحت الآن بين يدي الرجل العجوز، ثم عاد بنظره إلى السماء. بدأ يشعر بأن العاصفة لم تكن مجرد مطرٍ وريح، بل كانت بدايةً لشيءٍ أشد وطأة. شيءٌ يهدد أمن المدينة، وربما أمن الأمة كلها.

"لن يمر هذا الظلام"، همس لنفسه، وصوته يختلط بخرير المطر. "لن أسمح بذلك."

كانت هذه مجرد بداية. بدايةٌ لرحلةٍ استكشافيةٍ في أغوار المؤامرات، وفي أعماق النفس البشرية. رحلةٌ ستكشف عن تحدياتٍ جديدة، وعن أعداءٍ أكثر خطورة، وعن حقيقةٍ مخبأةٍ تحت ستار الزمن. "الشهاب" كان مستعدًا. كان قلبه يمتلئ بالإصرار، وعزيمته تتصلب كالفولاذ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%